وفاة الإمام الشافعي – فقيه الأمة

نشرت: عدد القراء :4147

الزمان/ الجمعة 30 رجب - 204هـ

المكان/ الديار المصرية

الموضوع/ وفاة الإمام الكبير الشافعي صاحب المذهب المشهور .

الأحداث/

مفكرة الإسلام : هو الإمام الكبير والفقيه المقدم أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي , عالم قريش المذكور في الحديث الذي رواه أبو داود 'لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ الأرض علماً' والمجدد الثاني المذكور في الحديث الذي رواه أحمد وغيره 'إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها' فعمر بن العزيز على رأس المائة الأولى والشافعي على رأس المائة الثانية , وجده السائب بن عبيد كان حامل لواء بني هاشم في يوم بدر في صف الكافرين وأسر في هذه الغزوة الكبرى ولكنه ما لبث أن أعلن إسلامه وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة والشافعي ولد سنة 150 هـ بغزة ولم يكن أبوه مستطوناً بها إنما خرج إليها في تجارة ولكنه ما لبث أن توفى وهو شاب  وترك ابنه محمداً طفلاً رضيعاً فحملته أمه إلى مكة وهو ابن عامين حتى لا يضيع نسبه , ولقد رأت أمه في المنام حين حملت به كأن كوكب المشترى خرج من فرجها وارتفع في السماء ثم انقض بمصر ثم وقع في كل بلد منه شظية فسألت عن تأويل ذلك فقيل لها تلدين عالماً يطبق علمه الأرض ويموت بالديار المصرية , وعندما خرجت أمه من غزة إلى مكة كان عمره عامين فنشأ بها فأقبل على قراءة القرآن على إسماعيل بن قسطنطين بسند متصل حتى الرسول صلى الله عليه وسلم حتى حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين وأقبل على العلم وبانت نجابته ومهارته الفائقة في الحفظ فحفظ  الموطأ وهو ابن عشر سنين ثم دخل البادية عند قبيلة هذيل وأقام عندهم نحو أكثر من ذلك ليتعلم اللغة والشعر ويصح منطقه ولفظه ويتعلم لهجات ولغات العرب وهذيل هي أفصح قبيلة عربية على الإطلاق ,وقد تلقى الشافعي العلم أولاً على يد شيخه مسلم بن خالد الزنجي وظل يتلقى منه العلوم حتى أيقن مسلم بن خالد أن الشافعي قد وصل لمرحلة النضوج فأذن له شيخه في الفتيا وهو ابن خمسة عشر سنة وأقبل الشافعي يسمع من المشايخ والعلماء وسمع الحديث من أكبر العلماء وقتها سفيان بن عيينة بمكة ومالك بن أنس بالمدينة وقرأ بنفسه على الإمام مالك الموطأ من حفظه فأعجب الإمام مالك بحفظه ومنطقه وفصاحته وقال له كلمته الشهيرة 'أرى أن الله عز وجل قد ألقى في قلبك نور العلم فلا تطفئه بظلمة المعصية' .

لم يكن الشافعي بذي ثروة فاضطر أن يبحث له عن عمل يرتزق منه فساعده مصعب بن عبد الله القرشي قاضي اليمن على أن يلي باليمن عملاً واستمر فيها بجد بجانب تلقي العلم ولقاء المشايخ وأهل العلم وكان الخليفة في هذا الوقت هارون الرشيد وكان شديد الخوف من حركات الشيعة ومن يعاونهم ويأخذ بالظنة والتهمة ودائماً أهل الفضل والعلم والشهرة موضع حسد وحقد من حزب أعداء النجاح فسعى فيه بعض الحاسدين عند الرشيد أن الشافعي من الشيعة وخصوصاً أن اليمن كانت موطناً لكثير من الشيعة الذين يكيدون لبني العباس ويبثون التشيع بين الرعية وقد قيل أن الذي سعى فيه هو مطرف بن مازن قاضي صنعاء فحمل الشافعي إلى الرشيد بمدينة الرقة سنة 184هـ ولو ثبتت هذه التهمة على الشافعي لقتله الرشيد خاصة بعد ما قيل للرشيد أن الشافعي يروم الخلافة ولولا أن الله عز وجل قيض للشافعي حاجب الرشيد الفضل بن الربيع فدافع عن الشافعي حتى ثبتت براءته مما نسب إليه وكان مما قاله الشافعي للرشيد يومها دفاعاً عن نفسه من تهمة التشيع 'أأدع من يقول أني ابن عمه'يعنى الرشيد' وأميل إلى من يقول أني عبده يعنى [إمام الشيعة]' فسر الرشيد بذلك جداً وأمر له بمكافأة كبيرة 'ألفي دينار' فعاد الشافعي إلى مكة وفرقها على أهل بيته وأقربائه من بني عمه وغيرهم , وكانت هذه الزيارة فاتحة خير على الشافعي حيث التقى مع الإمام محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة وكان من المحدثين فسمع الشافعي منه وكتب عنه حمل بعير وجرت بينهما مناظرات وحوارات كثيرة سجلها الشافعي في كتبه ثم عاد بعدها الشافعي إلى مكة ومكث فيها فترة طويلة يفيد ويستفيد وكانت مكة موفد العلماء من سائر الأقطار وكان الشافعي يختلط بهم ويناظرهم ويأخذ عنهم ويأخذون عنه .

في سنة 195 هـ دخل الشافعي العراق مرة أخرى وأقام بها عامين كون له فيها أتباعاً وتلاميذ أخذوا عنه وأملى عليهم كتبه التي كتبها في مذهبه القديم ومن الذين اجتمعوا به في هذه المرة الإمام أحمد بن حنبل وأبو ثور والكرابيسي والزعفراني ثم رجع إلى مكة فأقامب ها أشهراً ثم عاد إلى العراق مرة أخرى سنة 198هـ وأصل بها مذهبه وكثرت أتباعه وغلب مذهبه وعلت حجته على مذهب أبي حنيفة في العراق ثم بدا له أن يذهب إلى مصر لينشر مذهبه ويسمع الحديث من أهلها حيث قيل له أن بها الكثير من الأحاديث التي لم يسمعها من الحجازيين فدخلها في آخر سنة 198هـ وكان دخوله فيها نقطة تحول كبيرة في حياة الشافعي وفي المذهب نفسه حيث أنه سمع أحاديث كثيرة لم يسمعها من قبل أدت به إلى تغيير مذهبه فوضع مذهبه الجديد وظل مقيماً بمصر ونشر مذهبه بنفسه بين المصريين الذين كان معظمهم مالكية فلما دخل الشافعي أقبل عليه طلبة العلم يأخذون عنه وكان الشافعي قوي الحجة واضح البيان عذب المنطق فتحول الكثير من المالكية إلى مذهبه حتى روي أن علماء المالكية مثل ابن عبد الحكم كان يدعون بموته حتى لا يموت المذهب المالكي بمصر وقد أجله المصريون حياً وميتاً وغالى فيه بعضهم حتى أن الشافعي عند الكثير مصرياً وليس حجازياً .

أما عن ثناء الناس عليه فلقد أثنى عليه غير واحد من كبار الأئمة منهم عبد الرحمن بن مهدي وكان قد سأل الشافعي أن يكتب له كتاباً في الأصول فألف له الشافعي كتاب الرسالة فيعتبر الشافعي بذلك واضع علم أصول الفقه ومؤسسه الأول فله أجره وأجر من كتب فيه وعمل به فكان عبد الرحمن بن مهدي يدعو له في الصلاة دائماً وكذلك كان سفيان بن عيينة يدعو له في صلاته وإذا جاء له سؤال أو فتيا أحالها إلى الشافعي ,وقال أحمد بن حنبل وقد سأله ابنه عبد الله وقد رآه يكثر من الدعاء للشافعي 'يا أبت أي رجل كان الشافعي هذا فلقد رأيتك تكثر الدعاء له فقال الإمام أحمد:' يا بني إن الشافعي مثل الشمش والعافية للناس هل للناس غنى عنهما' وظل أحمد يدعو له في صلاته نحواً من أربعين سنة , وقال أبو عبيد 'ما رأيت أفصح ولا أعقل ولا أروع من الشافعي' وقال ابن خزيمة بعد أن سئل هل سنة لم تبلغ الشافعي ؟ فقال لا , وقد سماه الناس ببغداد 'ناصر السنة' وقال أبو ثور 'ما رأينا مثل الشافعي ولا هو رأى مثل نفسه' وقال داود الظاهرى 'للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من شرف نسبه وصحة دينه ومعتقده وسخاوة نفسه ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه وحفظه الكتاب والسنة وحسن التصنيف وجودة الأصحاب والتلامذة مثل أحمد بن حنبل وغيره .

أما عن خصال الشافعي فكان مشهوراً بالسخاوة والكرم الشديد حتى أنه باع متاعه وأثاث بيته ثلاث مرات من أجل الانفاق والبذل وكان الرشيد يرسل له بالعشرة آلاف دينار فيفرقها كلها هذا مع أن عياله في حاجة شديدة ولو لدينار واحد , وكان كثير القراءة للقرآن حتى قيل أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة مما أورثه هذا استظهاراً للآيات حتى صار أشد الناس نزعاً للدلائل منه هذا بالإضافة إلى إخلاصه وسلامة قصده واتباعه الشديد للسنة وكان الشافعي يقول 'وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلى شئ منه فأوجر عليه ولا يحمدوني' وقال أيضاً 'إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا قولي وفي رواية فاضربوا بقولي عرض الحائط' .

وكان الشافعي رحمه الله صاحب عقيدة سليمة صحيحة على طريقة السلف رحمهم الله وكان من أشد الناس على أهل البدع والأهواء وحكمه عليهم في منتهى الشدة فقد قال في أهل الكلام 'حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل وينادى عليهم هذا من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام' وقال أيضاً 'لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء'.

وكان الشافعي يقول وكأنه استشعر الفتنة القادمة 'القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال مخلوق فهو كافر' لذلك نجد أن تلميذه الإمام البويطي رحمه الله يموت في فتنة القول بخلق القرآن في سجن الواثق وهو مصر على عدم الإجابة بخلق القرآن لما تلقاه من أستاذه الشافعي وقد روي عنه تلاميذه أن أمرهم بأن يتعاملوا مع آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف, وكان للشافعي حوارات ومناظرات مع المعتزلة خاصة حفص الفرد وتلاميذه الذين كان الشافعي يفحمهم ويكبت حججهم ولقد تنبأ الشافعي بمصير بشر المريسي وما سيكون عليه من اعتزال وإنحراف , كما كان الشافعي يجل أهل الحديث جداً ويوصي بهم ويعترف بفضلهم وقال الشافعي 'عليكم بأصحاب الحديث فإنهم أكثر الناس صواباً وإذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث فكأنما رأيت رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جزاهم الله خيراً حفظوا لنا الأصل فلهم علينا الفضل' ولقد وثقه علماء الرجال وقبلوا روايته للحديث وأثنوا عليه , وبالجملة كان الشافعي أعلم الناس في عصره وأفقههم ومن طريف ما يروي أن إسحاق  بن رهوايه قد أنكر على الإمام أحمد بن حنبل عندما رآه آخذاً بخطام بغلة الشافعي والشافعي راكب وهو يسير بجواره فقال له الإمام أحمد 'إن كنت تريد العلم فالزم ذيل البغلة' .

وفي يوم الجمعة في آخر يوم من رجب سنة 204هـ توفى الشافعي رحمه الله عن أربعة وخمسين سنة بمصر وكان رحمه الله أبيض جميلاً طويلاً مهيباً يخضب بالحناء مخالفة للشيعة وقد استخلف على تلاميذه تلميذه المقرب الإمام البويطي , فرحم الله الشافعي وأكرم مثواه وأجزل له المثوبة .

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق


    إذا وجدت إعلانا مخالفا اضغط هنا
    facebook twitter rss

    تليجراف: رئيس وزراء قطر السابق يسعى لخلافة "بان كي مون"

    كر رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسمفي الترشح لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، ليحل محل بان كي مون، مشيرة إلى أن أمير قطر عرض عليه دعم ترشحه لهذا المنصب الأممي بعد استقالته العام الماضي

    20 أكتوبر 2014 07:00:00

    جنرال "إسرائيلي": استثمرنا كل قدراتنا العسكرية في غزة لكننا فشلنا

    أكد جنرال عسكري إسرائيلي، فشل جيش الاحتلال في تحقيق أهدافه خلال حربه الأخيرة على قطاع غزة أمام المقاومة الفلسطينية ذات القدرات العسكرية "المحدودة".

    20 أكتوبر 2014 06:00:00

    أفغانستان تعلن مقتل "أبو البراء الكويتي" القيادي المقرب من الظواهري

    قال مسؤولون من الإستخبارات الأفغانية إن قائدا بارزاً في تنظيم القاعدة قتل في عملية عسكرية للجيش الأفغاني بمحافظة ننغرهار شرقي البلاد ليل السبت.

    20 أكتوبر 2014 05:00:00

    أكثر من 100 قتيل في معارك الجبل الغربي بليبيا

    ارتفع عدد القتلى جراء المعارك الدائرة في محيط مدينتي ككلة والقلعة بالجبل الغربي في ليبيا إلى أكثر من مائة قتيل، بينما تجاوز عدد الجرحى المائتين.

    20 أكتوبر 2014 04:00:00

    "داعش" تتراجع أمام غارات مكثفة للتحالف على كوباني

    كثف طيران التحالف الدولي، الأحد، من غاراته الجوية على مواقع تنظيم الدولة في مدينة كوباني السورية، وسط أنباء عن تراجع التنظيم أمام القوات الكردية مدعومة من فصائل من الجيش الحر.

    20 أكتوبر 2014 03:00:00

    "أرابتك" تتوقع تسليم مصر المرحلة الأولى من المليون وحدة نهاية العام

    أعلنت شركة أرابتك الإماراتية للإنشاءات، عزمها إطلاق المرحلة الأولى من مشروع المليون وحدة سكنية في مصر قبل نهاية العام الجاري 2014.

    20 أكتوبر 2014 02:00:00

    هل تتحول ليبيا إلى فيتنام العرب ؟

    قرار التدخل العسكري الجزائري والمصري المشترك ضد ليبيا لن يُتخذ إلا من تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي والذي وضع بنفسه الإستراتيجية الأمريكية نحو تقويض ثورات الربيع العربي

    04 أغسطس 2014 08:46:00

    الشعب المصري أسقط السيسي ومشروعه

    نعم انهارت خارطة السيسي، وما يحدث من محاولات للاستمرار مجرد حلاوة روح، وهم شعروا بالزلزال أكثر من الكثير منا، ففقدوا صوابهم وتخبطوا وسنرى ما يسر الشعب الصابر بإذن الله.

    30 مايو 2014 08:13:00

    رمال الخليج المتحركة

    قبل حوالي 3 عقود، وتحديدًا عام 1981، تأسس «مجلس التعاون الخليجي» لمواجهة الخطر الإيراني المتنامي بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979 .

    10 مارس 2014 09:41:00

    مفارقات بين تركيا أتاتورك وأردوغان

    وفي الأخير، أقول: إن الصخرة التي تعتري طريقنا لا تعيقنا، بل نصعد عليها إلى الأرقى بإذن الله تعالى.

    06 يونيو 2013 02:42:00

    عن الموقف الطائفي والموقف المبدئي

    هذا هو الفرق بين الموقف الحر، وبين الموقف المذهبي أو الطائفي أو الحزبي الذي يتدثر بالمقاومة والممانعة ليخفي سوأته، فيما الأولى أن ينحاز أولا وقبل كل شيء لحرية الشعوب.

    05 يونيو 2013 01:49:00

    الشركات الأمريكية والأوروبية وخطة السطو على النيل

    علينا أن نستعيد قوة الدولة المصرية وأن نوقف عمليات الاستنزاف الحادثة الآن، وعلينا أن نسعى لجمع عمقنا الاستراتيجي الشعبي والعربي والإسلامي لقطع الطريق على من يريدون ذبحنا بكل ما يملكون،

    04 يونيو 2013 09:25:00

    إغلاق