إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الخميس 26-جمادى الثانية-1433

علموهم كيف يتعلمون !
الاثنين 13 اكتوبر 2003
ألقى العلامة الإمام محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله وقدّس روحه.. ألقى محاضرة عن الأسماء والصفات وردّ فيها على ضلالات المبتدعة في الجامعة الإسلامية، وكان يحضر أحد كبار العلماء من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع فقال بإعجاب: لقد علّمنا الشيخ اليوم جميعًا؛ علّم العالم كيف يعلم، وعلّم المتعلم كيف يتعلم.
واليوم سادتي الأعزاء وللأسف لا وزارة المعارف ولا المعلم ـ إلاّ من رحم الله ـ يهتمون بتعليم الطلاب كيف يتعلمون لأنهم ـ أي المعلمين ـ لم يجدوا من يدربهم كيف يعلمون، وإذا وجد فـ [خواجة] لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان الذي نحمله في قلوبنا ويعيش عليه مجتمعنا وهذه بعض الأفكار والتصورات حول الأسبوع الأول للدراسة، ويحتاج إلى بحث كامل لأن الأسبوع الأول لكل سنة أهم من السنة كلها ويضيع في استقبال الآباء وأكل الكعك والخرفان في المدارس الخاصة وفي شكليات فارغة لا قيمة لها، إليكم سادتي القرّاء أضيفوا وزيدوا ورقموا وأعطوها للمعلمين والمعلمات.
لابد من طرح قضايا هامة وتعليم الطلاب عليها، منها:
كيف يفكر الطالب؟ وكيف يحلل؟ وكيف يتعلم أسلوب حل المشكلات وكيف يبحث عن مادة علمية ..؟ وكيف ينظم أفكاره وأطروحاته ..؟ وكيف يتكلم ..؟ وكيف يحاور ..؟ وكيف يجادل ..إلخ.
ومن أهم ما ينبغي أن نعلمه الطالب آليات اكتشاف نفسه. يقول ابن القيم رحمه الله : 'إن أعظم النعم على العبد أن يعرفه المعلم بنفسه ويعرفه بربه' ولابد أن يعلمه كيف يسأل نفسه ويحاورها: لماذا أحب؟ لماذا أكره؟ كيف أحب؟ كيف أكره؟ كيف أتعلم كيف أكتشف؟ هل أنا عاطفي؟ ومتى أكون عاطفيًا؟ ولماذا؟ أم هل أنا عقلاني ومتى أكون كذلك ولماذا؟ هل أنا ممّن يفكر ويتأمل أم ممن يحفظ ويستخدم ما حفظ في الوقت المناسب؟ هل أفكر في العموميات والصورة الكبيرة أم التفاصيل الدقيقة أم أنا موهوب ولدي القدرة على الجمع بين الاثنين ؟ هل أخطط للقضايا البعيدة أم يستغرقني الحدث الآني أيًّا كان مستواه وأهميته؟ هل .. هل .. إلخ، لو أطلق المعلم وفجرت المدرسة هذه الأسئلة ووظفت القرآن والسنة والكون والتأملات للإجابة عليها لتحققت تلك النعمة الكبرى لكل طالب خاصة إذا وجد المدرس الرائع الذكي الذي يستخدم مادة التوحيد العظيمة في مناهجنا ويبسّطها ويعظّمها في حسّ الطالب بأسئلة من نوع لماذا أنا هنا في هذه الأرض؟ ما دوري في هذه الحياة؟ من خلقني..؟ ما صفاته..؟ ما هي علاقتي به وما هو دوري تجاهه؟ كيف أتميز في عبادتي له عن غيري فهناك عبادات يشترك فيها الجميع لكن هناك فتوحات يخصّ بها أعدادًا قليلة من الخلق فيا ترى ما هي فتوحات الله التي يمكن أن أستنزلها علي وما هي مؤهلاتي العقلية والاجتماعية والنفسية التي تنزل هذه الفتوحات علي.. إلخ
ومن القضايا التي ينبغي أن يعلمها الطالب في الأسابيع الأولى من كل مرحلة وبما يناسب سنّه وفهمه قضية القراءة، كيف أقرأ كيف أجلس للقراءة متى أقرأ؟ ما هي أنواع القراءة؟ ما هي آليات القراءة السريعة؟ كيف أفهم أسلوب السهل الممتنع والأسلوب العلمي؟ والتاريخي المتسلسل بالأحداث والقصص؟ هل أستخدم أسلوب التخليص وتسجيل الملاحظات بطريقة فعّالة؟ كيف أستخدم طريقة الخرائط الذهنية؟
دعوني أحدثكم عن بعض الأساليب لنقل الأهداف السابقة إلى الطالب ولنأخذ أنماط التفكير وطرق تعليمها للطالب، فلطالب الابتدائية مثلاً: أريد أن أعلمه أن يفكر بطريقة شمولية فأجعل حوارًا للإجابة عن سؤال وليكن فعلاً: كيف ينجح الطالب؟ وآخذ وقتًا كافيًا للمناقشة وسينطلق البعض فيركزون على القراءة والآخرون فيركزون على حضور المدرسة وثالث على التلخيص .. إلخ فيأتي المدرس ويبين لهم أن الحقيقة مع كل هذه الأجزاء وغيرها مما يكون قد فاتنا ويعلق على ذلك بطريقة تربوية حول تعجلنا في الحكم على المواقف والناس بسبب أننا لا ننتظر بطريقة شمولية.
وفي مرة أخرى يعلمهم التفكير الإيجابي ويذكر قصة رجل رآه في السوق يمشي وأبناؤه مهملون وبعضهم يؤذي المارة بحركات طفولية وأنه رأى الأستاذ تضايق من هذا الأب وهنا يقف يسألهم عن رأيهم فيه فستجد التعليقات تترى: مستهتر، قليل أدب،.. إلخ عندها يتابع الأستاذ ويكمل القصة قائلاً ذهبتُ إليه وسألته لماذا لم يوقف أولاده من خلفه فنظر ـ يقول الأستاذ ـ إليّ بحزن عميق وبعينين مثقلتين قائلاً: لقد خرجت لتوي من المشفى في الطرف الآخر لهذا السوق حيث ماتت أم هؤلاء الأطفال وأنا أفكر الآن كيف سأنقل لهم الخبر الصاعقة .. هنا يتوقف الأستاذ ويسأل طلابه هل هو مستهتر؟ أبله؟ قليل أدب؟ وستنطلق الإجابات: مسكين .. الله يعينه .. يا الله .. إلخ وهنا يعلمهم النظر للآخرين بإيجابية وبرحمة وأن يبحث الإنسان عن الحقيقة حتى يغيّر قناعات.
يا سادتي هذا تبسيط شديد لما يمكن أن نستخدمه من أساليب في تعليم أبنائنا أنماط التفكير المختلفة ومنها القدرة على التخيل والذي هو أحد أكبر الأنماط القيادية والتي ـ وللأسف مليون مرة ـ أن المدرسة بأسلوبها المتخلف تقضي عليه كما يقول 'بوب بايك': [الأطفال يدخلون أذكياء للمدرسة ويخرجون أغبياء] لأنهم يقضون على قدرة الطفل على التفكير التخيلي ويلغون الفوارق الطبيعية بين الأطفال، هناك أنماط التفكير السببي المنطقي والاستنتاجي والاستقرائي.. ومنها التفكير الرياضي الذي نتعلمه من دراسة الرياضيات والذي ندرسها لا ندري لماذا ..؟ وكيف ..؟ بل ربما لا يدري المدرس نفسه بذلك ؟
يمكن أن نعلّم الطالب القراءة فنختار خمسة طلاب يقرءون خمس قطع مطالعة في خمس دقائق وينظر الأستاذ مع طلاب الفصل كم قرأ كل واحد من القطعة ويطلب منه أن يلخصها وننظر قدرته في الاستيعاب والفهم والتلخيص وهذه الطريقة تناسب الابتدائية ويستخدم فيها كتب أو قصص برسوم ذات ثلاثة أبعاد وبطرق مشابهة تطبق تمارين أخرى للمتوسطة والثانوية لاختبار مستويات أرقى وأعلى في القراءة من مثل: اختبار تذوق البيان والبلاغة وحفظ الألفاظ ذات الجرس والإيقاع المتميز وتقويم أسلوب الكاتب وتوظيفه للغته. يا سادتي لو انطلقت فلن يكفيني مثل هذا العمود لأكتب عن أهمية أن نعلم الطلاب كيف يقرءون وكيف يفكرون وكيف يكتشفون مواهبهم، وهذا أحد الأبحاث التي أكتب فيها وآمل من الله أن ييسر خروجه لينفع به عباده وأقول في الأخير أن تعريف الذكاء هو 'توظيف المعلومة واسترجاعها واستخدامها في المكان المناسب والوقت المناسب وبالطريقة المناسبة' تُرى هل أولادنا الذين يتخرجون من الجامعة اليوم ينطبق عليهم هذا؟



موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق