إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الخميس 26-جمادى الثانية-1433

قراءة سريعة لرسالة أسامة بن لادن
الاحد 19 اكتوبر 2003

رسالة جامعة بثتها فضائية الجزيرة هذا اليوم لزعيم تنظيم القاعدة الشيخ أسامة بن لادن , قرنت التفاؤل بالدموع التي جرت من مقلتي المطلوب الأول في العالم شوقا وحبا لرفقاء دربه من الذين 'هاجروا' مجاهدين إلى 'عاصمة الخلافة' ..

وخلافا للرسائل الصوتية القصيرة الماضية التي بثت لزعيم تنظيم القاعدة , والتي أصابت المراقبين بضبابية الرؤية لما يعتمل في رأس 'قائد غزوتي نيويورك وواشنطن' الذي أثار حول بقاءه على قيد الحياة غموضا وريبة شديدين حتى من خلال حديثه الذي بث في ذكرى صواعق سبتمبر ؛ كانت هذه الرسالة جلية واضحة لا تحتاج إلى عظيم معاناة لتفسيرها , فليس في كلماتها طلاسم , ولا يعتري كلماتها الأخاذة لبس , ولا يكتنفها غموض.

بثت الجزيرة اليوم رسالة لزعيم القاعدة , لسنا ندري على وجه اليقين ما إذا كانت كاملة أم لا , وقرأنا في عباراتها بعض اللمحات والتقطنا منها هذه الشذرات , فكانت ملاحظاتنا حولها تدور حول هذه النقاط :

أولا : اتسمت هذه الرسالة بالجمع ما بين الخطاب السياسي المباشر الذي لا يتدثر بأردية ديبلوماسية وبين البلاغة الأدبية التي تنم عن رصيد معرفي وخطابي لافت , وهي بذلك حضت على تثوير الشباب العراقي والمسلم المتطوع من غير العراقيين تثويرا منضبطا برؤية أسامة بن لادن للصراع مع الصهيومسيحية .

ثانيا : حرصت الرسالة على التأكيد الضمني لوجود مناصرين كثر من تنظيم القاعدة في العراق حاليا , وحث على ضرورة أن يكون رفقاؤهم هناك بكل قوته ؛ ما حدا به إلى الإعلان عن أنه يتمنى لو كان في العراق اليوم , غير أن صعوبة وصوله إليها تلجمه عن ذلك , ومن خلال حثه ـ كذلك ـ الشباب من الدول المجاورة للعراق على المسارعة لـ'الجهاد في العراق' ؛ يشي كل ذلك بأن الشيخ أسامة بن لادن إنما أراد أن يقول ضمنا : إن القاعدة ترمي بكل ثقلها العسكري وراء المقاومة العراقية , ولا تخفي إشارة بن لادن عن رغبته الشخصية في التواجد هناك بنفسه , ما يعني أنه ود لو كانت 'المعركة الكبرى' في أرض 'الخلافة الإسلامية' إذ إن قائد تنظيم القاعدة بات يؤمن بمركزية الصراع جوار فلسطين أكثر من إيمانه بضرورة التواجد في أفغانستان .

ثالثا : إشادة بن لادن بتنظيم 'أنصار الإسلام' العراقي لا توضع ـ بنظرنا ـ في ذات خانة الإشادة بحركتي 'حماس' و'الجهاد الإسلامي' الفلسطينيتين , بل تتجاوز ذلك إلى التبني الضمني لأنصار الإسلام , وتهدف إلى رفع شعبيتها , وإلى اعتبارها أكثر من 'رفيق درب' .

رابعا : لا يغيب عن الذهن ذكر بن لادن لليمن بالذات في معرض حثه لشباب دول 'الجوار' إلى الهرولة لطريق الدفاع عن العراق في 'المعركة الكبرى مع الصهيونية' , فرغم أن اليمن ليس من دول الجوار إلا أنه يتوافر على مناصرين بالمئات أو ربما الآلاف لتنظيم القاعدة من 'جيش عدن/أبين' وغيره , ولعل الرجل استنهض في اليمنيين مشاعر الأخوة الإسلامية أولا مستفيدا ثانيا من الطبيعة العشائرية القبلية لليمن التي ينحدر نسب زعيم التنظيم ـ هو نفسه ـ إلى إحدى قبائلها .

خامسا : طبيعة نشأة زعيم التنظيم وطريقة تربيته في بيئة عربية أصيلة تفاخر بماضي الجدود صبغت خطابه في القرن الواحد والعشرين بلغة التفاخر بالماضي التليد وحاولت جاهدة أن تستجيش في أنصاره والملايين ممن تابعوا خطابه على شاشات الجزيرة هذا اليوم مشاعر الحنين إلى أمجاد الجدود , فجاء ذكر خالد بن الوليد والمثني بن حارثة الشيباني  والمعنى من أجداد المسلمين العرب الخالدين الذكر رضي الله عنهم أجمعين , وصلاح الدين الأيوبي كأحد أجداد إثنية الأكراد العظام , وجاء الحديث عن ضرورة تلاقي أفعال الأحفاد مع طموحات الأجداد من قبائل 'ربيعة' و'مضر' ومن 'بني الأكراد' كما جاء على لسان الرجل .

سادسا : كان حرص الزعيم كبيرا على بث روح التفاؤل في جسد هذه الأمة بعد أن كاد يقتلها اليأس , فأتى حديثه عن 'التورط الأمريكي في مستنقعات دجلة والفرات' , و'تسول الولايات المتحدة الأمريكية للمرتزقة من دول العالم' مفعما بالأمل بغد جديد يأفل فيه نجم الإمبراطورية الأمريكية . وظهر هذا المنطق جليا في تهوينه من شأن الولايات المتحدة التي هي برغم تفوقها التقني يحمل جنودها 'قلوبا خاوية' على حد تعبير زعيم القاعدة .

سابعا : برغم أن رسالة بن لادن تبدو حديثة جدا إلا أننا نظن أنها سجلت قبل أكثر من شهر من الآن , وذلك لإشارة بن لادن لرئيس وزراء فلسطين المستقيل مؤخرا 'محمود عباس ميرزا' [أبو مازن] جوار قرضاي في معرض حديثه عن العملاء , ومعلوم أن الرجل استقال يوم 6/9/2003 ولم يعد له ـ حتى اللحظة ـ أي تأثير يذكر على الأحداث في فلسطين , ويمكن أيضا تحديد توقيت تسجيل الرسالة تبعا لذلك في الفترة ما بين إنشاء مجلس الحكم الانتقالي [الذي ورد ذكره في الرسالة] في 13/7/2003 , واستقالة أبو مازن في 6/9/2003 , وإذا أخذنا بالاعتبار أن ظهور الولايات المتحدة الأمريكية بمظهر من 'يستنجد بأوباش الناس ويتسول الجنود المرتزقة من الشرق والغرب' على حد قول بن لادن لم يحدث إلا بعد فترة تزيد عن أسبوعين من تاريخ إنشاء المجلس , فيمكن تقريبا اعتبار هذه الرسالة قد جرى تسجيلها في شهر أغسطس الماضي أي قبل نحو شهرين من الآن.

 ثامنا : جاءت الرسالة بغرض تعرية أعضاء مجلس الحكم الانتقالي العراقي ومن لف لفهم بعد وصفهم ـ إضافة للمتعاونين مع الاحتلال الأمريكي ـ بالـ'الكفر والردة' على خلفية عقدية ترى أن الممالئين للـ'الصليبيين' ضد المسلمين يعدون 'كفارا مرتدين عن الإسلام' .

تاسعا : حدد بن لادن بغيته من 'الجهاد في العراق' وهو إقامة 'دولة إسلامية' , ويبدو الرجل مؤمنا برؤية واضحة لا ترى التقاءً مع غير الإسلاميين في منتصف الطريق وإن كان حتى على أرضية النضال المقاوم ضد الاحتلال , فهو يلفظ بوضوح 'حزب البعث' وغيره من التكتلات غير الإسلامية .

عاشرا : استحضر الشيخ بن لادن رسائل الخلفاء والقادة الإسلاميين الفاتحين في القرن الأول الهجري وهو يبث رسالته إلى الشعب الأمريكي ؛ فبدأ بعبارة 'السلام على من اتبع الهدى' , واستدعى عبارة قريبة من تلك التي كان يستعملها القائد الإسلامي الفريد خالد بن الوليد رضي الله عنه حين تحدث عن جنوده قائلا 'طعم الموت في أفواههم ألذ من الشهد' [كان خالد رضي الله عنه يرهب أعداءه بقوله عن جنوده :'يحبون الموت كما تحب فارس الخمر'] , ولا يفوتنا إبدال بن لادن مسمى 'الروم[..]الذين أتوا تحت راية الصليب' بدلا من 'قوات التحالف' .

حادي عشر : كان بن لادن حريصا على تحقير 'الحلم الأمريكي' لدى الشباب المسلم وأيضا لدى الشعب الأمريكي ذاته , فـ'أنتم [أيها الأمريكيون] تنتخبون شراركم ممن كثر كذبه، وقل أدبه'. واعتبر أن الأميركيين مستعبدون من قبل من هم أكثرهم مالا، وأقواهم نفوذا وإعلاما، ولا سيما اليهود الذين يسيرونكم خلفهم تحت خدعة الديمقراطية لدعم [اليهود] ومخططاتهم.' , وهو قد وصف قادة الأمريكيين ـ لا سيما بوش من دون أن يسميه ـ بالكذب [بالطبع هو يعني الحديث عن فضيحة كذب بوش وأركان نظامه بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة والتي تبين كذبها] .

ثاني عشر : استخدم بن لادن مفردات جديدة للصراع بينه وأنصاره وبين الولايات المتحدة في خطابه للأمريكيين , فوضع الصدق الذي يحاربه اليهود بحرفية ويتحلى به المسلمون أمام الكذب الذي تعتمده الولايات المتحدة الأمريكية التي وصفها بالنفاق , ووضع 'البشرية' التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية أمام 'الظلم الأمريكي المركب' الذي تمارسه القوات الأمريكية نيابة عن 'الشعب الأمريكي' الذي خولها بممارسته وفقا لاستحقاقات النظام الديمقراطي , وهو بهذا يغير من خطابه السابق الذي قسم العالم إلى 'فسطاطين : فسطاط إيمان لا كفر فيه وفسطاط كفر لا إيمان فيه' , لكن من دون تغيير في الرؤى باعتبار اختلاف أحوال من توجه إليهم رسائله .

ثالث عشر : حاول بن لادن في خطابه أن يعلي من قيمة العمل 'الجهادي' في مقاومة ودحر الخطر الصهيو/صليبي مذكرا بالخسائر التي تعانيها واشنطن منذ هجمات سبتمبر2001 ,قائلا :'إن خسائرهم بعد الضربة وتداعياتها بلغت أكثر من تريليون دولار، أي ألف ألف مليون دولار'. وأشار إلى أنهم 'قد سجلوا أيضاً عجزا في ميزانياتهم للسنة الثالثة على التوالي، وقد بلغ في هذا العام رقما قياسياً حيث قدر بأكثر من 450 ألف مليون دولار ' , وهو من وراء هكذا إشارة في معرض حديثه عن العراق يريد أن يقول بأن هذا هو الطريق الناجع ولا طريق غيره في دحر الولايات المتحدة الأمريكية عبر إشغالها بذاتها وخسائرها .

رابع عشر : 'أسامة بن لادن حي يرزق' , إعلان ذلك في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة الأمريكية لبدء حملتها الانتخابية يعزز كثيرا من فرص اندحار الرئيس الأمريكي الجمهوري جورج بوش أمام خصومه الديمقراطيين , وبوسع منافسي بوش أن ينتقدوه لعجزه عن إصابة أي من المطلوبين الهامين في العالم ؛ بن لادن وصدام , وقد خرج بوش في أعقاب أحداث سبتمبر قبل عامين يهدد ويتوعد بن لادن من دون فائدة .

ويبدو الخصم يستعد للرحيل من البيت الأبيض , فيما يستعد بن لادن نفسه للخروج من كهفه الحصين , ليعود بحلقة جديدة من الصراع مع خليفة بوش المندحر ..

أميـر سعيـد

amirsaid@gawab.com





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق