
أن يقتل قناص حاذق عدوا له مستترا بعشرة رصاصات فهذا عمل جيد , أما أن يردي عشرة مقاتلين برصاصة واحدة فهذا هو العمل العسكري الخلاق . وهذا بالضبط ما نفذته المقاومة العراقية الأحد [26/10/2003] حين استهدفت فندق الرشيد الذي يتخذه أركان الاحتلال الأمريكي وآباء رغال العراقيين مقرا ومخبأ لهم ؛ فأمطرت واجهته بالصواريخ المحمولة على مركبة .
كان الوقت مبكرا , وكانت العزيمة وثابة لخلق حال من الذعر لدى العدو المتغطرس , وكان الهجوم المباغت الذي قلب الطاولة في وجه بول ولفويتز وبريمر يشير إلى أن الساحة العراقية قد باتت مفتوحة لكل الاحتمالات .
لم تكن حصيلة القتلى والجرحى يوم الأحد فادحة ـ وفق تصريحات العدو ـ لكنها كانت عظيمة الأرق لمن ظن أن شعب العراق الماجد سيصبح على أعتاب شهر الجهاد أسير الهوان والمذلة .
الحسابات طاشت , هذا ما رشح من تصريحات كولين باول المذعورة لشبكة التلفزيون الأميركية [إن بي سي] : [إن بلاده] 'لم تكن تتوقع أن تكون الهجمات بهذا الحجم ولا أن تدوم كل هذا الوقت '.
كان التصريح مفعما بمرارة إهدار 'الكبرياء' الأمريكي بالرغم من أن أذنيه لم تكنا قد قرعتهما أنباء الإثنين 'الحزين' الأمريكي ؛ أنباء التفجيرات الفدائية العديدة التي هزت جنبات بغداد وضواحيها واستهدفت مقر 'الصليب الأحمر' ومراكز شرطة السيدية في حي الإعلام جنوب غربي بغداد , وحي الخضراء , ومدينة الكرخ , والشعب في بغداد , إضافة إلى تفجير لغم على قضبان السكك الحديدية أدت إلى إخراج قطار يحمل مؤنا للقوات الأمريكية عن مساره بالقرب من مدينة سامراء العريقة , وإسقاط طائرة أمريكية حوامة [الأحد], وعديد من العمليات الصغيرة وغير المعلنة.
عمليات الأحد والإثنين [26,27أكتوبر] تحمل أكثر من دلالة , وتستدعي أكثر من تأمل , لعلنا نلحظ فيها ما يلي :
q دلت تلك العمليات عن حذق وحرفية في اختيار الأهداف وتنوعها , فكان منها ما انتخب أهدافا عسكرية وأمنية بحتة كعمليات تفجير مراكز الشرطة العراقية/الأمريكية المشتركة , ومنها ما استهدف الإدارة 'شبه المدنية' و'هيبة الحكم الأمريكي' فكانت عملية فندق الرشيد , ومنها ما استهدف الدعم اللوجيستي الذي تقدمه القوات الأمريكية لجنودها في مناطق 'خط النار' فكانت عملية قطار سامراء . ومنها ما استهدف هدفا 'صليبيا' يلعب دورا محوريا في الحؤول دون 'أدلجة الصراع' وتقديم الدعم الفوري لمصابي الاحتلال ؛ كعملية استهداف مقر 'الصليب الأحمر' .
q تنوعت أساليب المقاومة وأدواتها خلال 48 ساعة فقط من المقاومة من بين استخدام ألغام أرضية كما في قطار سامراء , واستخدام ما أصطلح على تسميته 'السلاح الاستشهادي' عبر عمليات مراكز الشرطة العراقية واستخدام صواريخ الكاتيوشا وصواريخ أرض/جو [حسب بعض الروايات] في عملية فندق الرشيد ,وقذائف المورتر كما في عملية الضاحية الغربية لبغداد [الاثنين] , وإلقاء القنابل اليدوية مثلما جرى في الهجوم على دورية ليلية أمريكية في بغداد , وقذائف الآر بي جي في عملية بعقوبة وإسقاط الطائرة الحوامة .
q وسمت المقاومة العراقية 'خرطوم الصلف الأمريكي' حين أرادت قبل أن تهريق دماء محازبيه أن تدس أنوفهم في الثرى العراقي , فكانت عملية فندق الرشيد الجريئة التي أرادت أول ما أرادت أن تحرج قوات الاحتلال وحشرها في خانة العاجز عن توفير أبسط مفردات الأمن في عقر دار إدارة الاحتلال الصهيومسيحي , ولربما كان من الممكن أن تتم مهاجمة الفندق بغير هذا السبيل ؛ كتفجيره بسيارة مفخخة أو ما نحو ذلك , بيد أن المهاجمين أرادوا أن يوجهوا صفعة صاروخية لمنظومة الأمن الأمريكية وأذنابها على حد سواء .
q عكست عمليات الأحد/الإثنين حسا استخباريا عاليا وقدرات خلاقة للمقاومة العراقية , فقد بان من عملية الرشيد أن صقر الحرب الأمريكي بول ولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي قد تم رصده رغم تعتيم الأمريكيون على فشلهم في تأمين زيارته الخاطفة التي لم يعلن عن برنامج تحركه فيها .
وبول ولفويتز ـ لمن يجهله ـ هو أحد أشرس الصقور الأمريكية التي نفخت في نار الحرب الأمريكية ؛ وهو الدكتور جامعي سابقا , والسفير في أكبر دولة إسلامية [إندونيسيا] سابقا , والمساعد لوزير الدفاع الأمريكي السابق ديك تشيني إبان حرب الكويت , وعرف كأحد منظري الصهيومسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية , وله مواقف تتفق تماما مع طموحات الكنيسة الانجيلية القريبة من الصهيونية العالمية , وهو أبرز زعماء اليمين البروتستانتي في الولايات المتحدة , وله مقولة شهيرة تنم عن تطلعات إمبراطورية تقول : [إن] 'مهمة أميركا العسكرية والسياسية يجب أن تضمن عدم السماح لأي قوة عظمى أخرى منافسة بالظهور' , وله إذن مقولة أيضا تنم عن الطموح ذاته لكنها تقرنه بواجب 'ديني رسالي' , يقول فيها : 'الوقت قد حان لتغيير موازيين القوى في منطقة الشرق الأوسط [..] لأن شعوب العالم العربي إذا لم تكن قادرة على تغيير الحكومات المستبدة في المنطقة؛ فإن الولايات المتحدة التزامًا بمهمتها 'الرسالية' ستقوم بذلك نيابة عنهم'. وعرف عنه تأييده الواسع لربط مسرح العمليات في الخليج العربي بمسرح العمليات في آسيا الوسطى خاصة حول بحر قزوين، وخلخلة النظام الإقليمي العربي وإعادة صياغة بعض جوانبه وكسر فقراته الإستراتيجية، بغية فصل منطقة الخليج العربي عنه وربطها بالمسرح الآسيوي , كما وأن الرجل الذي لم يتجاوز الـ 58 عاما يتحرك على كل الجبهات خدمة لمهمته 'الرسالية' المزعومة , فلقد عمد إلى زيارة أفغانستان أكثر من مرة , وخلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط زار العراق مرتين . ولعل هذه هي آخر زياراته للعراق إذ شوهد في مؤتمر صحفي أعد على عجل بردهة فندق الرشيد بعيد دقائق من العملية مذعورا قبل أن يفر إلى جهة غير معلومة .
ويعد استهداف د.ولفويتز على هذا النحو مؤشرا يومئ لمرحلة لن يكون فيها موقدو الحرب الصهيومسيحية بمنأى عن الانتقام داخل المجتمعات المناوئة لهم , وهو تعبير أطلقته المقاومة بذات اللغة التي يدركها ولفويتز ولداته عن 'عدم ترحيب' شعوب يراد لها أن تركع أمام 'السيد الأمريكي' .
ولعل اللافت للنظر أن المقاومة العراقية التي يظن أنها لا تدرك سوى لغة الدم ؛ تعي جيدا أركان وأقطاب المنظومة اليمينية التي تتحكم في صنع القرار الأمريكي ؛ لا بل وتنظر لاستراتيجيات بعيدة المدى تتجاوز العشرين عاما في مطلع القرن 'الأمريكي' الجديد [كما في ورقة ولفويتز التي قدمها 1993 وصارت بعد تعديلها 1997 وثيقة البنتاجون حتى عام 2020].
وفي السياق عينه , تبدو الطريقة التي نفذت بها عملية الرشيد مبدعة من حيث تمويه العربة التي ضمت في أحشائها منصة تحمل 40 صاروخا , بوضع هذه المنصة داخل صندوق يأخذ شكل محول الكهرباء وبخفة أزيل ركنه الخلفي ليكشف عن منصة صواريخ سرعان ما عمد مطلقو صواريخها إلى توقيتها لتنطلق بعد 3 دقائق من فرارهم .
كما عكست عملية 'الصليب الأحمر' الذي يستعد للملمة حقائبه ومن ثم الرحيل فرارا من أتون الفعل العراقي المقاوم ؛ اختراقا أمنيا للمجال الطبي المحيط بالـ'الصليب الأحمر' تمثل في استخدام سيارة إسعاف مفخخة في عملية التفجير.
q أظهرت عمليات 'الصدمة' قدرة عالية جدا على نفاذ مجموعات المقاومة العراقية من أي ثغرة تفتح أو حتى توشك أن تفتح , فلم يكن قد مضى على رفع حظر التجول سوى سويعات حتى صبت المقاومة العراقية لظى حممها على 'القوة العظمى' ما جعلها مرتبكة أيما ارتباك في شأن إجراءاتها الأمنية , وحشرها في زاوية الخيار بين ما إذا كان عليها أن تفك الطوق لـ'مناسبة الشهر الفضيل' باعتباره 'شهر الرحمة' أم تحكمه باعتباره 'شهر الجهاد' !!
q كانت عمليات 'الصدمة' بمثابة إعلان عن أحد أمرين هامين جدا , فإما أن هذه المقاومة ملتئمة تحت راية واحدة , وهذا يقودنا إليه تنوع الضربات وجودة التنسيق الزمني بينها , أو أنها تتكون من مجموعات بعضها يمثل في حد ذاته جيشا صغيرا يستطيع أن ينفذ كل هذا في وقت واحد .
q حملت عمليات 'الصدمة' طابعا غريبا يصعب معه التكهن بالجهة التي تقع عليها مسؤوليتها , فمن جهة ترجح فكرة قيام تنظيم القاعدة بهذه العمليات أسباب أبرزها :
ـ 'السمة الاستشهادية' التي يتميز بها التنظيم إلى جوار غيره من الحركات التي ترفع الشعارات الإسلامية .
ـ التزامن التوقيتي : كون عمليات الإثنين وقعت جميعها في وقت واحد تقريبا يتسق مع عمليات القاعدة السابقة ؛ كعمليات صواعق سبتمبر , وعمليتي السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا , وعملتي الفوج السياحي اليهودي في كينيا [الطائرة والفندق] .
ـ التهديدات التي حملتها رسالة بن لادن الأخيرة , والتي لم يكن في وارد التكهنات أن تمضي بغير صدى من أنصاره , علما بأنه أضحى مقلا في إرسال رسائله الصوتية لوسائل الإعلام .
ـ ما أوردته صحيفة الأهرام المصرية الإثنين عن أن الخارجية الأمريكية قد أصدرت بيانا داخليا ليلة الحادث لقواتها الاحتلالية في العراق تحذر من احتمال قيام 'متطرفين إسلاميين' بالهجوم على فندق ينزل به أمريكيون في العاصمة العراقية !! .
ـ 'القيمة الجهادية' لشهر رمضان التي يعول عليها تنظيم القاعدة وغيره في تأجيج الحماس الديني لدى أنصاره ومؤيديه , ومنفذي عملياته على حد سواء .
ـ ما تحمله المنظمات الإسلامية من حنق على منظمة 'الصليب الأحمر الدولية' لجهة اتهامهم لها بالوقوف إلى جانب المنصرين ومنظماتهم التنصيرية [وهو ما لا تأبه له كثيرا العديد من الفصائل المقاومة التي لا تحمل مشروعا إسلاميا] , واتهامهم لها ـ دون غيرهم من الحركات الوطنية والقومية ـ بالانحياز إلى جانب المحتلين.
بيد أنه من جهة أخرى , يصعب أن تتوافر كل هذه الإمكانات العسكرية والدعم الاستراتيجي لمنظمة القاعدة في بلد حديث على خلاياها تمركزها فيه , وهو ما يدعم احتمالا آخر بأن جهة قريبة من نظام صدام حسين ربما توافر لها من الأسلحة والذخائر والقوى البشرية وفرق الاستطلاع ما لم يتوافر لغيرها .
على أية حال , تبدو عمليات 'الصدمة' وقد حققت كثيرا من أهدافها , وهو ما تبدت نتائجه في تصريح وزير الخارجية الأمريكية , والحاكم 'المدني' للعراق الذي اعترف بأن الهجمات على قوات الاحتلال الأمريكي صارت أكثر خطورة على ما يبدو , برغم كونه حاول التقليل من أحداث الأحد والإثنين 'الحزينين' معتبرا أن 'من المؤكد أننا عشنا يوما سيئا وكما أؤكد دائما أننا سنواجه أياما طيبة وأياما سيئة' , وإذا كان 'الأحد' و'الإثنين' سيئين , و'الثلاثاء' أسود , فهل بقي من أيام الأسبوع لبريمر وشيعته الكثير؟!.
أميـر سعيـد
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"