
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد،،،
لما كان الإيمان باليوم الآخر أحد أصول الإيمان الستة التي لا يصح إيمان مسلم بدونها، ولما لذلك الإيمان من أثر في حياة المسلم وطاعته لأوامر الله واجتناب نواهيه، ولما له من أثر في صلاح القلوب، وصلاح الناس، وسعادتهم في الدنيا والآخرة، ولما في نسيان ذلك اليوم العظيم والغفلة عنه من خطر على حياة الناس ومصيرهم؛ فلا غرابة إذن أن يرد ذكر هذا اليوم كثيراً في القرآن، حتى لا تكاد تخلو منه صفحة من صفحاته، ومن الحمق والجهل ألا نهتم بما اهتم به الوحيان.
إن أعظم قضية يجب أن ينشغل بها كل واحد منا هي: قضية وجوده وحياته والغاية منها، وقضية مستقبله ومصيره وشقائه وسعادته، فلا يجوز أن يتقدم ذلك شيء مهما كان، فكل أمر دونه هين وكل خطب سواه حقير. وهل هناك أعظم وأفدح من أن يخسر الإنسان حياته وأهله، ويخسر مع ذلك سعادته وسعادتهم، فماذا يبقى بعد ذلك؟ }إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ[15]{[سورة الزمر] .
وأهمية هذا الموضوع تتجلى فيما يلي:
1- انفتاح الدنيا الشديد على كثير من الناس في هذا الزمان: وما صحب ذلك دعايات خبيثة تزين الدنيا في أعين الناس، وتصدهم عن الآخرة، ومع ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان والتقوى؛ فقد كان يحذرهم من الاغترار بالدنيا وضرورة الاستعداد للآخرة، مع أن الدنيا لم تنفتح عليهم مثل اليوم، فلا شك أننا أحوج منهم بكثير إلى أن نتذكر الآخرة، ويذكّر بعضنا بعضاً بأهمية الاستعداد لها.
2- ركون كثير من الناس للدنيا: وترتب على ذلك أن قست القلوب، وتحجرت الأعين، وهُجِرَ كتاب الله، وإذا قرأ أحدنا القرآن قرأه بقلب لاهٍ، فأنّى لذلك القلب أن يخشع لذكر الله؟ وأنّى لعينيه أن تدمع؟ وقد انعكس ذلك على الصلاة، فقلّ الخاشعون والمطمئنون فيها.
3- في تذكر ذلك اليوم حث على العمل الصالح والمبادرة لفعل الخيرات، وترك المنكرات.
4- لما ظهر في عصرنا اليوم من الأمراض النفسية من القلق والاكتئاب، اللذين يؤديان غالباً إلى حياة يائسة، ومن أسباب ذلك: البعد عن الله ، وعن تذكر اليوم الآخر.
5- كثرة المظالم، واعتداء الناس بعضهم على بعض: من أكلٍ لأموال غيرهم بدون وجه حق، وكذلك النيل من الأعراض، والحسد والتباغض، والفرقة والاختلاف، وبخاصة بين بعض الدعاة وطلبة العلم، ولا شك أنه لا شيء مثل تذكر اليوم الآخر وتذكر الوقوف بين يدي الله علاجاً لتلك الأمراض.
6- ولما كان الركون إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة من أعظم الأسباب في وهن النفوس وضعفها كان لا بد من التذكير المستمر بذلك اليوم: وما فيه من نعيم أو جحيم؛ لأن في هذا التذكير أكبر الأثر في نشاط الهمم، وعدم الاستسلام للوهن واليأس رجـاء ثواب اللـه، وما أعده للمجاهدين في سبيله، الداعين إليه.
7- ولما قلّ في برامج الدعوة والتربية الاعتناء بهذه الجانب العظيم من التربية مما له الأثر الكبير في الاستقامة على الجادة والدعوة إلى الله على بصيرة.
الآثار المرجوة لليقين باليوم الآخر:
إن في اليقين باليوم الآخر لآثاراً واضحة، وثماراً طيبة، لابد أن تظهر في قلب العبد وعلى لسانه وجوارحه، وفي حياته كلها، ولكن هذا اليقين وحده لا يكفي حتى ينضم إليه الصبر ومجاهدة الشهوات والعوائق؛ لأن الواحد منا ـ مع يقينه باليوم الآخر وأهواله ـ يرى في حياته أن ثمرات هذا اليقين ضعيفة، فلابد إذن من سبب لهذا الأمر، ويجلي هذه المسألة الإمام ابن القيم، فيقول:'فإن قلت كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل؟ ... قيل: هذا التخلف له عدة أسباب:
أحدها: ضعف العلم ونقصان اليقين: وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى عياناً بعد علمه بقدرة الرب على ذلك؛ ليزداد طمأنينة، ويصير المعلوم غيباً شهادة، وقد روى أحمد في مسنده عن النبي أنه قال: [لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ].
فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره، أو غيبته عن القلب في كثير من أوقاته، أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده، وانضم إلى ذلك تغاضي الطبع، وغلبات الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعد، وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجلة، ورخص التأويل، وإلف العوائد؛ فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، وبهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال، حتى ينتهي إلى أدنى مثقال ذرة في القلب.
وجماع هذه الأسباب يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر، ولهذا مدح الله أهل الصبر واليقين، وجعلهم أئمة الدين، فقال:} وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[24]{[سورة السجدة]' [الجواب الكافي، ص 54] .
الثمرات المرجوة من اليقين باليوم الآخر:
1- الإخلاص لله، والمتابعة للرسول : الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، والشرك الأصغر يحبط العمل الذي حصل فيه هذا النوع من الشرك كيسير الرياء، والعجب، والمن، وطلب الجاه والشرف في الدنيا، فكلما كان العبد موقناً بلقاء ربه؛ كان منه الحرص الشديد على ألا تضيع منه أعماله الصالحة في موقف القيامة؛ ولذلك فهو يجاهد نفسه بحماية أعماله في الدنيا بالإخلاص فيها لله؛ لعل الله أن ينفعه بها، كما أن اليقين بالرجوع إلى الله يجعل العبد في أعماله كلها متبعاً للرسول صلى الله عليه وسلم غير مبتدع ولامبدل؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صواباً، قال تعالى:} قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا[110]{[سورة الكهف] .
2- الحذر من الدنيا، والزهد فيها، والصبر على شدائدها، وطمأنينة القلب وسلامته: وهذه الثمرة يتولد عنها بدورها ثمار أخرى مباركة منها: القناعة، وسلامة القلب من الحرص، والحسد، والغل والشحناء؛ لأن الذي يعيش بتفكيره في الآخرة وأنبائها العظيمة؛ لا تهمه الدنيا الضيقة المحدودة .
كما يتولد أيضًا من هذا الشعور: الراحة النفسية، والسعادة القلبية، وقوة الاحتمال والصبر على الشدائد والابتلاءات، ذلك للرجاء فيما عند الله من الأجر والثواب، وأنه مهما جاء من شدائد الدنيا فهي منقطعة ولها أجل، فهو ينتظر الفرج، ويرجو الثواب الذي لا ينقطع يوم الرجوع إلى الله ، قال تعالى:} إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ...[104]{[سورة النساء] .
وما إن يفقد القلب هذه المعاني حتى يخيم عليه الهم والتعاسة، ومن هنا ينشأ القلق والانزعاج والضيق والحزن، أما ذاك الذي عرف الدنيا على حقيقتها، وامتلأ قلبه بهمّ الآخرة وأنبائها، فإن نفسه لا تذهب على الدنيا حسرات، ولا تنقطع نفسه لهثاً في طلبها، ولا يأكل قلبه الغل والحسد والتنافس فيها، ولا يقل صبره ولا يجزع قلبه عند المحن والشدائد، ومهما حرم في هذه الدنيا الفانية، فهو يعلم أن لله في ذلك الحكمة البالغة، وهو يرجو الأجر يوم القيامة، قال تعالى:} وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ[33]وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ[34]وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ[35]{[سورة الزخرف] .
3- التزود بالأعمال الصالحة وأنواع القربات، واجتناب المعاصي، والمبادرة بالتوبة والاستغفار:
يقول ابن القيم رحمه الله:'ومما ينبغي أن من رجا شيئاً استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:
أحدهما: محبة ما يرجوه.
الثاني: خوفه من فواته.
الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان.
وأما رجاءٌ لا يقارنه شيء من ذلك، فهو من باب الأماني، والرجاء شيء، والأماني شيء آخر، فكل راجٍ خائف، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ] رواه الترمذي . وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال الصالحة، فعلم أن الرجاء والخوف النافع ما اقترن به العمل، قال تعالى:} إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ[57]وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ[58]وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ[59]وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ[60]أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ[61]{[سورة المؤمنون] .
وقد روى الترمذي أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ:}وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ{ قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ قَالَ: [لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ] ورواه ابن ماجة وأحمد أيضًا. والله سبحانه وصف أهل السـعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقيـاء بالإسـاءة مع الأمن'[ الجواب الكافي، ص 57، 58]. وقال تعالى:} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[218]{[سورة ال] . يقول ابن القيم رحمه الله:'فتأمل كيف جعـل رجاءهم إتيانهم بهـذه الطاعات؟ وقال المغرورون: إن المفرطين المضيعين لحقـوق اللـه المعطلـين لأوامره الباغـين المتجرئين على محارمه، أولئك يرجون رحمة الله'[ الجواب الكافي، ص 56].
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"