إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الخميس 26-جمادى الثانية-1433

الخلط بين ' الطائفية ' وفضح ' الطائفية '
الاثنين 10 نوفمبر 2003
بعد أسابيع قليلة على انقلاب الثامن آذار 1963 ، وكنت حينها في مقتبل عمري ، صدر عن السلطات الانقلابية قانونٌ أو قرار أو حكم عرفي أو مرسوم … [ لا فرق في بلدي بين هذه المصطلحات ، إذ يستمدُّ كلٌّ منها قوّته الحقيقية من شعور الحاكم بأهمية ذلك في الحفاظ على كرسيّه … أما الشكل والإخراج فأمرٌ ميسور ، حتى لو احتاج الأمر إلى تعديل الدستور ! ] .
المهم أنه صدر في ذلك الحين قانون [ مثلاً ] يحرِّم إثارة الطائفيّة ، ويحكم بالإعدام على هذه الجريمة . وتداولتُ مع بعض زملائي الطلاب في المراد بهذا القانون : أهو الحرص على الوحدة الوطنية ؟ أهو قطع الطريق على الذين يصطادون في الماء العكر فيتظاهرون بالدفاع عن طائفة مظلومة من أجل تحريض أصحابها ضد الطوائف الأخرى ؟ أم أنه إسكات لمن يفضح الممارسات الطائفية التي بدأت بها السلطة لتنتهي بالبلاد إلى حكم طائفي أسود ؟
ولم تمرّ فترة طويلة حتى أعفانا الحزب القائد من التفكير العميق والتحليل ، لشرح هذا القانون ، فقد جاءت الممارسات أظهر وأقوى من أي تحليل .
وقبل أن نتابع الحديث عن قصة الممارسة الطائفية ، دعونا نُثَبِّتْ بعض الحقائق :
1- إن سورية ، كبلدان أخرى كثيرة فيها تنوّعٌ طائفي وعِرقيّ كبير ، وإن كان الثقل دينياً لأهل السنّة [ 75 % ] وعرقيّاً للعرب [ 88.5 % ]
2- هذه الطوائف والأعراق عاشت متجاورة ، بوئام وسلام ، طوال أربعة عشر قرناً منذ الفتح الإسلامي وحتى مجيء حزب البعث إلى السلطة .
3- عندما كانت تحصل صدامات طائفية أو عرقية … بين قريتين متجاورتين مثلاً … كانت هذه الحوادث تتّصف بالمحلية والعَرَضيّة . فهي لا تتجاوز القريتين اللتين يحدث بينهما صدام ، ولا تتّصف بالاستمرار … بل تبقى كتلة السكان في القطر كله بعيدة عن هذه الصدامات ، لا تكاد تسمع بها ، ومن يسمع بها يستهجنها … ومن ثمَّ تذوب الخلافات ويعود الوئام سريعاً .
إذاً ما الذي تغيَّر ؟!
حزب البعث منذ نشأ في سورية تبنّاه بعض أبناء الأقليّات ، وحوى بين صفوفه كذلك بعض أبناء أهل السنّة . وكانت الشعارات القوميّة تموِّه على بعض التمييز والتحيّز الذي تمارسه بعض الطوائف … حتى كان أمين الحافظ نفسه يستبعد وجود تمييز طائفي في دولته !
ومنذ وصول الحزب للسلطة دخل التمييز مرحلةً جديدة ، تسخَّر له فيها أجهزة الدولة وإمكاناتها : فلدى اختيار طلاب الضباط للالتحاق بالجيش [ ليصبحوا ضباطاً عاملين ] كانت الأولوية للنصيريين [ العلويين ] … ولدى اختيار الخريجين من كل كلية من كليات الجامعات من أجل إرسالهم في بعثات ليعودوا بعدها حاملي شهادات الدكتوراه ، ويصبحوا أساتذة في الجامعات ، كانت تعطى الأولوية للنصيريين . وهكذا وهكذا ، حتى أصبحت نسبة أبناء هذه الطائفة في الجيش العامل تتجاوز الـ 80% ، ونسبتهم في أجهزة المخابرات والإعلام والتعليم … تتجاوز نسبتهم في المجتمع أضعافاً مضاعفة [ نسبتهم في المجتمع حوالي 10 % ] .
وصار الأمر واضحاً لكل ذي عينين . وإذا كان الناس يخافون التحدّث فيه علناً فإنهم يتهامسون به ، ويتغامزون حوله ، ويتألمون منه .
وليس غريباً أن يقال : إن العريف النصيري – في الجيش السوري – أقوى نفوذاً من رئيسه الذي يحمل رتبة عقيد !
وليس سراً أن نسبة النصيريين في حادثة المدفعية التي نفّذها النقيب إبراهيم اليوسف في حزيران 1979 كانت حوالي 88% [ وليست مدرسة المدفعيّة في ذلك سوى نموذج للقطعات الأخرى ] .
حقيقة التسلّط والتمييز الطائفيّان ، أصبحت من المسلّمات عند أي مواطن سوري … وإن كان المواطن يعلم أن الإفصاح عن هذه الحقيقة يُكلّفه سجناً وتشريداً وقتلاً .
ولكن إذا سلّمنا بهذه الحقيقة على أنها سرطان خبيث … فكيف نعلل وجود معارضين حقيقيين للنظام من الطائفة النصيرية نفسها ؟!
هذا السؤال ليس محرجاً على الإطلاق ، وليس صعب الإجابة : فالنظام الحاكم ليس نصيرياً صرفاً ، بل هناك مشاركون له من أبناء الطوائف الأخرى ، بما فيها الأكثرية السنّية . وهؤلاء المشاركون تزداد نسبتهم كلما ابتعدنا عن مفاصل السلطة ومواقعها الحساسة .
هذه الخلافات والانقسامات لا تلغي صفة الطائفية المتجذّرة في النظام الحاكم .
إن طائفية النظام الحاكم في سورية لا تحتاج لدى المواطن السوري إلى أي إثباتات ، فهي واقع قبيح يصدمه كل يوم ، ورائحته تزكم أنفه ، ومظاهره يقشعرّ لها بدنه . أما غير السوري ، فهو لا يعيش هذه الحقيقة ، وقد لا يسمع بها … فهو بحاجة إلى شهادة من جهة محايدة . ونحن نورد فيما يلي بعض الأرقام لباحث غير سوري وغير مسلم ، إنه الباحث حنا بطاطو في كتابه :
Syria’s peasantry , the descendants of its lesser rural notables , and their politics. By Hanna Batatu .
يشير الباحث إلى أن المجموعة العسكرية والأمنية التي اختارها حافظ الأسد لتثبيت أركان نظامه منذ السبعينات كانوا في معظمهم من العلويين، فمن خلال تحليل [31] شخصية ممن شغلوا المواقع العسكرية والأمنية الأكثر أهمية في سورية ، نجد أن تسعة عشر منهم [ أي 61.3 % ] هم من العلويين ، وأن ثمانية منهم ينتمون إلى [ الكلبية ] ، وهو نفس الفرع العلوي الذي ينتمي إليه حافظ الأسد ، بينما ينتمي أربعة آخرون إلى الفرع الذي تنتمي إليه زوجة الأسد [ فرع الحدادين ] . بينما يرتبط سبعة من هؤلاء العلويين برابط الدم أو الزواج مع الأسد .
إنه لا بد من المكاشفة والمصارحة والاعتراف بالمرض الخطير .
ثم إنه لا بد من إرادة العلاج . وإذا كان تنفيذ العلاج لا يمكن أن يتمّ بين عشيّة وضحاها ، فإن البدء الجادّ بالعلاج لا يجوز أن يتأخّر : انفراج سياسي شامل ، وإلغاء لقانون الطوارئ ، وتفعيلٌ للقضاء المدني المستقلّ ، وإجراء انتخابات نزيهة ، في ظل دستور حضاري ! وإطلاق سراح المعتقلين ، وإعادة المنفيين ، وحوار فعّال بين فئات الشعب كله ، باتجاهاته السياسية وانتماءاته الطائفية ، وتحقيق تكافؤ الفرص بين أبناء الشعب لممارسة واجباتهم وحقوقهم معاً في الجيش والتعليم والصحة والمواصلات والتموين … إلى غير ذلك من الإصلاحات …
والكرة في ملعب السلطة !.

عبد الرؤوف حداد

obaida@maktoob.com



موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق