بعد أسابيع قليلة على انقلاب الثامن آذار 1963 ، وكنت حينها في مقتبل عمري ، صدر عن السلطات الانقلابية قانونٌ أو قرار أو حكم عرفي أو مرسوم … [ لا فرق في بلدي بين هذه المصطلحات ، إذ يستمدُّ كلٌّ منها قوّته الحقيقية من شعور الحاكم بأهمية ذلك في الحفاظ على كرسيّه … أما الشكل والإخراج فأمرٌ ميسور ، حتى لو احتاج الأمر إلى تعديل الدستور ! ] .
المهم أنه صدر في ذلك الحين قانون [ مثلاً ] يحرِّم إثارة الطائفيّة ، ويحكم بالإعدام على هذه الجريمة . وتداولتُ مع بعض زملائي الطلاب في المراد بهذا القانون : أهو الحرص على الوحدة الوطنية ؟ أهو قطع الطريق على الذين يصطادون في الماء العكر فيتظاهرون بالدفاع عن طائفة مظلومة من أجل تحريض أصحابها ضد الطوائف الأخرى ؟ أم أنه إسكات لمن يفضح الممارسات الطائفية التي بدأت بها السلطة لتنتهي بالبلاد إلى حكم طائفي أسود ؟
ولم تمرّ فترة طويلة حتى أعفانا الحزب القائد من التفكير العميق والتحليل ، لشرح هذا القانون ، فقد جاءت الممارسات أظهر وأقوى من أي تحليل .
وقبل أن نتابع الحديث عن قصة الممارسة الطائفية ، دعونا نُثَبِّتْ بعض الحقائق :
1- إن سورية ، كبلدان أخرى كثيرة فيها تنوّعٌ طائفي وعِرقيّ كبير ، وإن كان الثقل دينياً لأهل السنّة [ 75 % ] وعرقيّاً للعرب [ 88.5 % ]
2- هذه الطوائف والأعراق عاشت متجاورة ، بوئام وسلام ، طوال أربعة عشر قرناً منذ الفتح الإسلامي وحتى مجيء حزب البعث إلى السلطة .
3- عندما كانت تحصل صدامات طائفية أو عرقية … بين قريتين متجاورتين مثلاً … كانت هذه الحوادث تتّصف بالمحلية والعَرَضيّة . فهي لا تتجاوز القريتين اللتين يحدث بينهما صدام ، ولا تتّصف بالاستمرار … بل تبقى كتلة السكان في القطر كله بعيدة عن هذه الصدامات ، لا تكاد تسمع بها ، ومن يسمع بها يستهجنها … ومن ثمَّ تذوب الخلافات ويعود الوئام سريعاً .
إذاً ما الذي تغيَّر ؟!
حزب البعث منذ نشأ في سورية تبنّاه بعض أبناء الأقليّات ، وحوى بين صفوفه كذلك بعض أبناء أهل السنّة . وكانت الشعارات القوميّة تموِّه على بعض التمييز والتحيّز الذي تمارسه بعض الطوائف … حتى كان أمين الحافظ نفسه يستبعد وجود تمييز طائفي في دولته !
ومنذ وصول الحزب للسلطة دخل التمييز مرحلةً جديدة ، تسخَّر له فيها أجهزة الدولة وإمكاناتها : فلدى اختيار طلاب الضباط للالتحاق بالجيش [ ليصبحوا ضباطاً عاملين ] كانت الأولوية للنصيريين [ العلويين ] … ولدى اختيار الخريجين من كل كلية من كليات الجامعات من أجل إرسالهم في بعثات ليعودوا بعدها حاملي شهادات الدكتوراه ، ويصبحوا أساتذة في الجامعات ، كانت تعطى الأولوية للنصيريين . وهكذا وهكذا ، حتى أصبحت نسبة أبناء هذه الطائفة في الجيش العامل تتجاوز الـ 80% ، ونسبتهم في أجهزة المخابرات والإعلام والتعليم … تتجاوز نسبتهم في المجتمع أضعافاً مضاعفة [ نسبتهم في المجتمع حوالي 10 % ] .
وصار الأمر واضحاً لكل ذي عينين . وإذا كان الناس يخافون التحدّث فيه علناً فإنهم يتهامسون به ، ويتغامزون حوله ، ويتألمون منه .
وليس غريباً أن يقال : إن العريف النصيري – في الجيش السوري – أقوى نفوذاً من رئيسه الذي يحمل رتبة عقيد !
وليس سراً أن نسبة النصيريين في حادثة المدفعية التي نفّذها النقيب إبراهيم اليوسف في حزيران 1979 كانت حوالي 88% [ وليست مدرسة المدفعيّة في ذلك سوى نموذج للقطعات الأخرى ] .
حقيقة التسلّط والتمييز الطائفيّان ، أصبحت من المسلّمات عند أي مواطن سوري … وإن كان المواطن يعلم أن الإفصاح عن هذه الحقيقة يُكلّفه سجناً وتشريداً وقتلاً .
ولكن إذا سلّمنا بهذه الحقيقة على أنها سرطان خبيث … فكيف نعلل وجود معارضين حقيقيين للنظام من الطائفة النصيرية نفسها ؟!
هذا السؤال ليس محرجاً على الإطلاق ، وليس صعب الإجابة : فالنظام الحاكم ليس نصيرياً صرفاً ، بل هناك مشاركون له من أبناء الطوائف الأخرى ، بما فيها الأكثرية السنّية . وهؤلاء المشاركون تزداد نسبتهم كلما ابتعدنا عن مفاصل السلطة ومواقعها الحساسة .
هذه الخلافات والانقسامات لا تلغي صفة الطائفية المتجذّرة في النظام الحاكم .
إن طائفية النظام الحاكم في سورية لا تحتاج لدى المواطن السوري إلى أي إثباتات ، فهي واقع قبيح يصدمه كل يوم ، ورائحته تزكم أنفه ، ومظاهره يقشعرّ لها بدنه . أما غير السوري ، فهو لا يعيش هذه الحقيقة ، وقد لا يسمع بها … فهو بحاجة إلى شهادة من جهة محايدة . ونحن نورد فيما يلي بعض الأرقام لباحث غير سوري وغير مسلم ، إنه الباحث حنا بطاطو في كتابه :
Syria’s peasantry , the descendants of its lesser rural notables , and their politics. By Hanna Batatu .
يشير الباحث إلى أن المجموعة العسكرية والأمنية التي اختارها حافظ الأسد لتثبيت أركان نظامه منذ السبعينات كانوا في معظمهم من العلويين، فمن خلال تحليل [31] شخصية ممن شغلوا المواقع العسكرية والأمنية الأكثر أهمية في سورية ، نجد أن تسعة عشر منهم [ أي 61.3 % ] هم من العلويين ، وأن ثمانية منهم ينتمون إلى [ الكلبية ] ، وهو نفس الفرع العلوي الذي ينتمي إليه حافظ الأسد ، بينما ينتمي أربعة آخرون إلى الفرع الذي تنتمي إليه زوجة الأسد [ فرع الحدادين ] . بينما يرتبط سبعة من هؤلاء العلويين برابط الدم أو الزواج مع الأسد .
إنه لا بد من المكاشفة والمصارحة والاعتراف بالمرض الخطير .
ثم إنه لا بد من إرادة العلاج . وإذا كان تنفيذ العلاج لا يمكن أن يتمّ بين عشيّة وضحاها ، فإن البدء الجادّ بالعلاج لا يجوز أن يتأخّر : انفراج سياسي شامل ، وإلغاء لقانون الطوارئ ، وتفعيلٌ للقضاء المدني المستقلّ ، وإجراء انتخابات نزيهة ، في ظل دستور حضاري ! وإطلاق سراح المعتقلين ، وإعادة المنفيين ، وحوار فعّال بين فئات الشعب كله ، باتجاهاته السياسية وانتماءاته الطائفية ، وتحقيق تكافؤ الفرص بين أبناء الشعب لممارسة واجباتهم وحقوقهم معاً في الجيش والتعليم والصحة والمواصلات والتموين … إلى غير ذلك من الإصلاحات …
والكرة في ملعب السلطة !.
عبد الرؤوف حداد
obaida@maktoob.com