
الحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وصحبه، أما بعد،،،
فإن من أعظم الفتن التي يفتن الشيطان بها العباد، فتنة التزيين ولبس الحق بالباطل، واتباع الهوى في ذلك، ولقد وقع في هذا الشَرَك الخطير كثير من الناس- وبخاصة في زماننا هذا- حيث تموج الفتن موج البحر، وحيث كثر الخداع والنفاق، والدجل والرياء.
نعم إننا في زمان اشتدت فـيه غربة الإسلام، وضُلل كثير من الناس، وتمكن الشيطان من كثير منهم تمكناً يظنون معه أنهم بمنأى عن عدوهم اللدود وعلى صلة بربهم ، وما ذلك إلا بسبب التباس الحق بالباطل، والجهل بالعلم، ولتعاون شياطين الجن والإنس:} يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا...[112]{[سورة الأنعام] . فتعاونوا في وضع هذا التلبيس في قوالب من الأقوال مزخرفة، وألفاظ من القول خادعة، وتسمية للأشياء بغير أسمائها؛ فَضَلّ بسبب ذلك كثير من الناس، والعاقل منهم من وقف حائراً لا يدري أين وجهة الحق فيما يسمع ويرى من التناقضات، وتبرير المواقف الخاطئة، المخالفة للشريعة، بسبب استيلاء الهوى على النفوس، واستيلاء الشهوات على القلوب.
ولما كان من غير المستطاع المجاهرة برد الشريعة ورفضها؛ كان لابد لهم من لي أعناق النصوص من آيات وأحاديث؛ ليستدل بها أولئك المبطلون على المواقف المنحرفة وليست فيها دلالة عليها، ولو أن الذي يقع في الانحراف يعترف بذنبه وخطئه وضعفه في مخالفة الـشريعة؛ لكان الأمر أهون، وكذلك لو أنه استدل بدليل في غير محله، ولما نُبّـهَ إلى هذا الخطأ في الاستدلال رجع واعترف؛ لكان هذا أيضاً أهون، ولكن المصيبة أن يصر المسلم الذي حَرّفَ الأدلة ولواها ليجد لعمله مَخْرَجَاً وشرعية، فيكابر بعد بيان الحق له، ويغالط نفسه والمسلمين بصنيعه هذا.
أهمية الموضوع:
إن لدراسة التباس الحق بالباطل أهمية كبرى لما ينتج عن ذلك التلبيس من تزييف وفتنة، يكون لها الأثر السيء والضرر البالغ في تضليل الأمة، وتحريف الحقائق، وتزوير الأحداث، ويمكن توضيح أهمية الموضوع في الأمور التالية:
1- القيام بالعبودية لله لا يتم إلا بالإخلاص له، وأن تكون العبادة على بصيرة، والبصيرة بالدين لا تتحقق مادام أن الباطل ملتبساً بالحق، مما يلزم تنقية الحق من الباطل قال تعالى:}... قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...[256]{[سورة البقرة] .
2- كثرة التلبيس والتضليل في عصرنا بوسائل إعلامية ماكرة، تلبس على الناس دينهم، وتخلط الحق بالباطل، بل وصل الأمر لدرجة قلب الحقائق، وإظهار الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وذلك لطمس الحق وتشويه حملته والداعين إليه، فكان لابد من إزالة هذا اللبس لإحقاق الحق، وإبطال الباطل بقدر المستطاع } لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ[8]{[سورة الأنفال] .
3- السكوت المزعج لكثير من العلماء وطلبة العلم في ديار الإسلام أمام كثير من المستجدات والنوازل التي تبحث فيها الأمة عن الموقف الشرعي إزاء تلك النوازل، مما حدا بذوي القلوب المريضة في غيبة العلماء أن يلبسوا على الأمة أمرها، وتكلمت الرويبضة في أمر العامة، والأدهى والأمر أن من أهل العلم من يساهم في هذا التلبيس، فتراه يسمي الأمور بغير أسمائها، وينزل النوازل في غير مناطاتها، بل قد يثني على المبطلين، ويغض من قدر المصلحين، فإلى الله المشتكى.
4- أهمية تعرية الباطل وأهله، فمادام أن الحق مختلط بالباطل، وسبيل المجرمين لم يتميز عن سبيل المؤمنين، فإن الدين سيبقى مشوهاً عند الناس، وسيبقى التلبيس فيه قائماً }... لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ...[42]{[سورة الأنفال] .
5- ضرورة بيان تلبيس الطواغيت ودعاة العلمنة في كثير من بلدان الإسلام، وما يضفونه على مخططاتهم الظالمة من تبريرات لظلمهم وادعاءاتهم التي قال الله في مثلها:} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ[11]أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ[12]{[سورة البقرة] .
6- ظهور بعض المغالطات من كثير من الناس واستخدامها في تبرير المواقف الخاطئة، والمخالفات الشرعية، سواء أكانت فردية أو جماعية، فينبثق عنها مواقف وممارسات خاطئة تلبس على الناس أمرهم، ومنشأ هذه المغالطات في الغالب شهوة مزجت بشبهة، فتولد عنها مغالطة.
أسباب الانحراف عن الحق: إن الانحراف عن الحق والوقوع في الخطأ لا تعدوا أسبابه الفتن التالية:
1- فتنة الشبهات.
2- فتنة الشهوات.
3- فتنة الجمع بين الشبهة والشهوة.
ولبس الحق بالباطل، وكل انحراف، أو ضلال، أو خطأ، سواء أكان صغيراً أو كبيراً لا يخرج في دوافعه عن الأسباب الثلاثة السابقة.
فإذا وقع العبد في مخالفة شرعية، فإما أن يكون السبب في هذه المخالفة هو الجهل بها وعدم العلم بحرمتها، أو اشتبه الأمر عليه فحسبها مكروهة فقط، فهذا الخطأ سبب الشبهة الناتجة من قلة العلم وضعف البصيرة.
وأما إذا كان لدى من وقع في المخالفة علم وبصيرة في دين الله بأنها محرمة ومخالفة للشرع ومع ذلك وقع فيها عمداً، فإن الدافع لهذه المخالفة إنما هو الشهوة، وضعف النفس، ومثل هذا يقر ويعترف بمخالفته ومجانبته للصواب كما يعترف بذنبه وتقصيره.
أما إذا وقع في المخالفة عن شهوة وضعف، ثم لم يعترف بذنبه وتقصيره، وإنما راح يبحث عن شبهة شرعية، أو تفسير خاطئ، أو تأويل متعسف للأدلة؛ ليبرر بها خطأه، ويبرر بها ضعفه وشهوته مع علمه بخطأ تصرفه هذا في قرارة نفسه، فهذا هو الهوى، وهذه هي المغالطة، وهذا هو لبس الحق بالباطل، وهو أشنع أنواع الانحراف؛ لأنه مكر وتحايل على شرع الله، وخداع للناس.
إن أشد وأشر هذه الفتن من جمع بين الشبهة والشهوة وتحايل على شرع الله بأن غطى مخالفته وانحرافه بشبهة شرعية، وهو يعلم أنه متحايل ومخادع، ومثل هؤلاء الملبسين عقوبتهم عند الله أشد من الذين يقعون في المخالفات الشرعية، ولكنهم يعترفون بتقصيرهم وذنوبهم، ولا يكابرون، ولا يبررون ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من ارتكاب الحيل، فقال: [ لَا تَرْتَكِبُوا مَا اِرْتَكَبَ الْيَهُود فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِم اللَّه بِأَدْنَى الْحِيَل]رواه ابن بطة، وجود ابن كثير إسناد هذا الحديث وحسنه ابن القيم .
وهذه هي حقيقة لبس الحق بالباطل، وحقيقة المغالطة؛ إذ أن الدافع الحقيقي للانحراف هو الهوى والشهوة وحب الدنيا، ولكن عوضاً عن أن يعترف بضعفه هذا وشهوته، ويعترف بذنوبه في مخالفته للشريعة فإنه يستدل لشهوته هذه بشبهة شرعية يعلم هو في قرارة نفسه أنها لا تصلح للاستدلال، لكن لابد من غطاء يغطى به هذا الضعف والهوى، وإذا ذهبنا لنتعرف على وسائل التلبيس والطرق التي ينطلق منها الملبس في أغلوطاته نجدها لا تخرج في الغالب عن الأمور التالية:
1- التأويل الفاسد واتباع المتشابه.
2- كتمان الحق وإخفاؤه.
3- تحريف الأدلة عن مواضعها، وعدم إنزالها في مناطاتها، وتفصيل ذلك فيما يلي:
1- التأويل واتباع المتشابه:
التأويل الفاسد الذي لم يدل عليه دليل يصرفه عن المعنى الظاهر الذي هو أشبه بتحريف الكلم، والغالب أن الذي يدفع إليه هو الجهل والهوى، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:' فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو التأويل الذي لم يرده الله رسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائها إلا بالتأويل، وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟'[ إعلام الموقعين 4/353].
وعند قول الله عز وجل في اليهود:}وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[78]{[سورة آل عمران] . يقول سيد قطب رحمه الله عن هذه الآية:' وآفة رجال الدين حين يفسدون أن يصبحوا أداة طيعة لتزييف الحقائق باسم أنهم رجال الدين، وهذه الحال التي يذكرها القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب نعرفها نحن جيداً في زماننا هذا فهم كانوا يؤولون نصوص كتابهم، ويلوونها لياً، ليصلوا منها إلى مقررات معينة، يزعمون أنها مدلول هذه النصوص، وأنها تمثل ما أراده الله منها، بينما هذه المقررات تصادم حقيقة دين الله في أساسها، معتمدين على أن كثرة السامعين لا تستطيع التفرقة بين حقيقة الدين ومدلولات هذه النصوص الحقيقية، وبين تلك المقررات المفتعلة المكذوبة التي يُلجئون إليها النصوص إلجاء'.
2- كتمان الحق وإخفاؤه:
وهو تحريف الأدلة عن مواضعها، وتغطية الحق بالباطل، وقد ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من النصوص المحذرة من كتمان الحق، وإخفائه والمتوعده لفاعليه بالوعيد الشديد من ذلك: قوله:} إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[174]{[سورة البقرة] . يقول الشيخ رشيد رضا في تفسيرها:' هذه الآية جارية على الرؤساء الذين يحرمون على الناس ما لم يحرمه الله، ويشرعون لهم ما لم يشرعه من حيث يكتمون ما شرعه بالتأويل أو الترك، فيدخل فيه اليهود والنصارى ومن حذا حذوهم في شرع مالم يأذن به الله، و إظهار خلافه سواء أكان ذلك في أمر العقائد ككتمان اليهود، أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، أو الأكل والتقشف وغير ذلك من الأحكام التي كانوا يكتمونها إذا كان لهم منفعة في ذلك، كما قال تعالى:} تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا...[91]{[سورة الأنعام] . وفي حكمهم كل من يبدي بعض العلم، ويكتم بعضه لمنفعة لا لإظهار الحق وتأييده'.
وبقيت كلمة أخيرة في موضوع كتمان الحق، ألا وهي: أن بعض الطيبين قد يقول: ألا يجوز كتمان العلم بل قد يجب أحياناً عند خوف الفتنة من الجهر به سواء أكان على النفس أو على الناس؟
والجواب أن في ذلك تفصيل كما يلي:
بادئ ذي بدء فإن حديثنا ليس عن كتمان العلم وإنما هو عن كتمان الحق الذي يجب أن يقال، وفي نظري والله أعلم أن بينهما اختلاف، وذلك أن العلم أنواع: فمنه ما هو واجب القول به وتعليمه الناس كفروض العين ونحوها، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما يجوز قوله لأناس دون أناس حسب عقولهم وأفهاهم، أما قول الحق الواجب فأرى أنه من العلم الواجب إيصاله للناس، ولا يجوز كتمه؛ لأن في كتمه مفسدة تنافي مقاصد الشرع أو بعضها، وفي إخفائه فتنة للناس وليس العكس.
3- تحريف الأدلة عن مواضعها:
وهذه الطريقة من طرق التلبيس هي ثمرة من ثمرات الطريقتين السابقتين، إذ لابد لمحرف الأدلة من كتمان الحق، ولابد لمتبع المتشابه من تأويل كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم من التأويل الفاسد الذي يؤدي إلى صرف الأدلة عما أراد الله بها وأراده رسوله، ومن ثم وضعها في غير موضعها، وهذا هو نوع من أنواع التحريف للأدلة عن مواضعها، إذ لايلزم من التحريف أن يكون لفظياً كما فعلت اليهود في التوراة، بل إن تحريف المعنى المراد إلى غير المراد هو تحريف للنصوص عن مواضعها أيضاً.
وهذا ما أشار إليه الشاطبي- وهو يستعرض مآخذ أهل البدع في الاستدلال-: 'ومنها: تحريف الأدلة عن مواضعها: بأن يرد الدليل على مناط، فيصرف عن ذلك المناط إلى أمر آخر موهماً أن المناطين واحد، وهو من خفيات تحريف الكلم عن مواضعه والعياذ بالله، ويغلب على الظن أن من أقر بالإسلام وبأنه يذم تحريـف الكلم عن مواضعه لا يلجأ إليه صراحاً، إلا مع اشتباه يعرض له، أو جهل يصده عن الحق مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذه، فيكون بذلك السبب مبتدعاً...الخ' .
صور من لبس الحق بالباطل:
1- الاحتجاج على شرعية الأنظمة المبدلة لشرع الله، والمستحلة لما حرم الله بآثار عن السلف أنه: كفر دون كفر: وهذا، والله تحريف للأدلة عن مواضعها، وإنزال الحكم في غير محله، وافتراء وتجن على سلفنا الصالح، فما كانوا عن عصرنا يتحدثون، ولا أنظمته المبدلة لشرع الله يقصدون، فالله المستعان، ومن أحسن ما رأيت من الردود على هذا التلبيس ما كتبه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، ومما قاله:' وهذه الآثار عن ابن عباس وغيره مما يلعب به المضللون في عصرنا من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجرآء على الدين، يجعلونها عذراً، أو إباحة للقوانين الوثنية الوضعية التي ضربت على بلاد المسلمين'.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"