مقتل الخليفة الأمين ـ بداية الانهيار

نشرت: الأربعاء 17 مارس 2004   عدد القراء : 7763

media/newsimages/history/die2.jpg

الزمان / 25 محرم – 198هـ

المكان / بغداد ـ عاصمة الخلافة           

الموضوع / مقتل الخليفة الأمين في صراعه مع أخيه المأمون على الخلافة

الأحداث /

مفكرة الإسلام : اتبعت الدولة العباسية منذ قيامها نظامًا أدى في نهاية الأمر إلى تفرق الكلمة وكثرة الصراعات وضعف دولة الخلافة العباسية، على الرغم من طول مدتها، ألا وهو نظام البيعة لأكثر من ولي للعهد متعاقبين، فالخليفة العباسي الأول 'السفاح' أوصى لأخيه أبي جعفر المنصور ومن بعده لعيسى بن موسى ابن عمه، فلما ولي أبو جعفر أجبر عيسى على أن يخلع نفسه، وبايع لابنه المهدي، ثم كرر المهدي نفس الخطأ، وعهد للأمر من بعده لولده الهادي ومن بعده لولده الثاني الرشيد، فلما ولي الهادي حاول خلع أخيه الرشيد فلم يسعفه الأجل ومات قبل ذلك، فلما ولي الرشيد ارتكب نفس الخطأ ولكن بصورة أشد، أدت لحصول هذه المأساة؛ حيث جعل ولاية العهد لابنه الأمين رغم أنه أصغر من المأمون، لمحبتة لزبيدة أم الأمين، ولما أحس بخطئه أحب أن يعالجه؛ فزاد الطين بلة، حيث أعطى للمأمون امتيازات تجعله مستقلاً تمامًا عن أخيه الأمين، ثم إنه لم يقتصر على ذلك، بل أضاف إليهما أخًا ثالثًا، هو القاسم، وأعطاه امتيازات الجزيرة وأرمينية، كل ذلك أدى لاشتعال نار الخلاف بين الأخوة، وهو ما حدث بالفعل بين الأمين والمأمون.           

لما مات الخليفة هارون الرشيد، قام على أمر بيعة الأمين حاجب الرشيد الفضل بن الربيع، فبايعه الناس والقواد ومعظم الجيش، وثقل ذلك على المأمون جدًا، ولكنه دخل في بيعة أخيه على دغل عنده، وكان وزير المأمون والمقدم عنده هو الفضل بن سهل، وهو الذي زين له أمر البيعة لنفسه، ولكن أمره بالتمهل، وألا يقدم على أخيه في بغداد.           

كان الفضل بن الربيع مستوليًا على الأمين؛ فهو الذي قام بأمر بيعته يكره المأمون جدًا، ويرى أن المأمون لو صار يومًا خليفة لذهب جاهه وسلطانه ونفوذه الذي بناه عبر السنين منذ أيام الرشيد، لذلك زين للأمين خلع أخيه المأمون من ولاية العهد، وعقد الولاية بالعهد لابنه موسى بن الأمين، ولم يكن للأمين نية في خلع أخيه المأمون، ولكن الفضل بن الربيع ظل وراءه حتى قطع الخطبة لأخيه، وأزال اسمه من السكك والمناشير، وكان ذلك إيذانًا بالمجاهرة بالعداوة والخلاف، وبداية لحروب وأهوال طويلة بين المسلمين، أثرت فيما بعد.           

أعد المأمون جيشًا كبيرًا من أهل خراسان، وجعل قيادته للداهية طاهر بن الحسين، وأحسن تدبير الأمور جدًا، فحين أعد أخاه الأمين جيشًا لمحاربة أخيه في خراسان بقيادة علي بن عيسى بن ماهان, وكان ذلك اختيارًا غير موفق بالمرة، وذلك لأن علي بن عيسى هذا كان واليًا على خراسان أيام الرشيد وأساء السيرة منهم جدًا، وأيضًا كان مغرورًا ومتكبرًا لأقصى درجة، غير مبالٍ ولا يكترث بطاهر ومن معه، وهذا أدى في النهاية لهزيمة جيش الأمين، وقتل قائده علي بن عيسى، مما قوى جانب المأمون على الأمين، ثم أرسل الأمين جيشًا آخر بقيادة عبد الرحمن بن جبلة، فهزم أيضًا، وقتل قائده، فاضطربت الأمور على الأمين.           

مما زاد موقف الأمين صعوبة، هو حدوث فتنة عصيبة في صفوف جنود الشام الذين قدموا لنصرته، مما أدى لتفرقهم عنه، بل تطور الأمر أكثر من ذلك، فدخل بعض قادة جند الشام، وهو الحسين بن علي، فخلع الأمين وبايع للمأمون، ولكنه ما لبث أن قُتل، وازدادت الأمور اضطرابًا، وفي نفس الوقت كانت جيوش المأمون سامعة مطيعة في غاية النظام.           

ثم حدث أن بايع أهل مكة والمدينة المأمون، وخلعوا الأمين لما رأوا منه من نكصان للعهد السابق لأخيه، ولما رأوا منه من لهو ولعب واشتغال بالباطل عن أمر الخلافة، في حين أن المأمون كان يجالس العلماء والفقهاء والأدباء.           

بدأت الجيوش تفد من كل الاتجاهات لحصار بغداد وإرغام الأمين على التنازل لأخيه، وشُدد الحصار على بغداد حتى أصاب الخراب معظم ديارها، وانتشر الفزع والخوف والغلاء والمجاعة في بغداد، واجتهد الأمين في المصابرة ودفع الجيوش، ولكن الناس انفضت من حوله، فلما يأس من أمره حاول أن يستأمن لنفسه عند أخيه المأمون، وذلك عن طريق القائد هرثمة بن أعين، فلما أحس القائد الآخر ـ وهو طاهر بن الحسين ـ بالأمر، خشى أن يفوته الشرف والمكانة، وتضيع جهوده السابقة كلها وتنسب لهرثمة، فأمر بالاحتياط على الأمين، ثم أمر بعض جنوده من الأتراك غير العرب بقتل الأمين، فدخلوا عليه ليلة الأحد 25 محرم سنة 198 هـ، وقتلوه بالسيوف، ثم احتزوا رأسه ونصب رأسه على رمح، ثم دخل طاهر بن الحسين بغداد، وخطب الناس خطبة بليغة مهدت الأمور للمأمون، وبتلك الفعلة الشنيعة انتهت فصول هذه المأساة التي لم تقف عند هذا الحد، بل كانت فاتحة لسلسلة طويلة من الخلع والخلاف بين الخفاء وولاة العهود، وسنة سيئة، وضع لبنتها الأولى الأمين والمأمون، ودفعت الأمة الإسلامية ثمنها عبر العصور اللاحقة.           

التعليقات

0 تعليق commemnt

أضف تعليق


    إذا وجدت إعلانا مخالفا اضغط هنا
    facebook twitter rss

    22 قتيلاً في مواجهات بين سيليكا وميلشيات مسيحية شمال بانغي

    قتل 22 شخصا خلال هجمات شنتها ميلشيات الأنتي بالاكا المسيحية تصدت لها حركة سيليكا يومي الأربعاء والخميس في باتانغافو شمال بانغي عاصمة أفريقيا الوسطى.

    02 أغسطس 2014 01:33:00

    بينهم طفلة ومسنة: استشهاد 15 فلسطينيا في غارات "إسرائيلية" على غزة

    استشهد عصر اليوم الجمعة 15 فلسطينيا وأصيب آخرون بجراح نتيجة سلسلة غارات إسرائيلية على قطاع غزة بينهم طفلة ومسنة

    02 أغسطس 2014 01:00:00

    تقرير: غالبية قتلى الطائرات بدون طيار في باكستان مدنيون

    أكد تقرير صحفي أصدره "مكتب التحقيق الصحفي" الذي يتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقرا له، أن غالبية قتلى الغارات الأمريكية بطائرات بدون طيار في باكستان هم من المدنيين.

    01 أغسطس 2014 11:35:00

    وائل قنديل يكشف "الفخ" في هروب حفتر إلى مصر!

    اعتبر الكاتب الصحفي المصري "وائل قنديل" أن الأنباء التي تتحدث عن فرار اللواء الليبي المتقاعد المناهض للحكومة "خليفة حفتر"، وانسحابه من بنغازى، تثير الريبة وتستوجب الحذر.

    01 أغسطس 2014 11:11:00

    هذا ما قاله الضابط الأسير "هدار جولدين" لطلابه المتدينين قبل تجنيده

    نشرت وسائل إعلام صهيونية مساء اليوم الجمعة رسالة كان الضابط المفقود "هدار جولدين" قد تحدث بها إلى طلابه في المؤسسة الكشفية اليمينية "بني عاكيفا" قبل فترة وجيزة من التجنيد في جيش الاحتلال.

    01 أغسطس 2014 10:54:00

    شاهد انفجار سيارة "إسرائيلية" في كريات جات بصاروخ المقاومة

    مقطع فيديو يظهر انفجار سيارة إسرائيلية نتيجة سقوط صاروخ في "كريات جات"

    01 أغسطس 2014 10:38:00

    الشعب المصري أسقط السيسي ومشروعه

    نعم انهارت خارطة السيسي، وما يحدث من محاولات للاستمرار مجرد حلاوة روح، وهم شعروا بالزلزال أكثر من الكثير منا، ففقدوا صوابهم وتخبطوا وسنرى ما يسر الشعب الصابر بإذن الله.

    30 مايو 2014 08:13:00

    رمال الخليج المتحركة

    قبل حوالي 3 عقود، وتحديدًا عام 1981، تأسس «مجلس التعاون الخليجي» لمواجهة الخطر الإيراني المتنامي بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979 .

    10 مارس 2014 09:41:00

    مفارقات بين تركيا أتاتورك وأردوغان

    وفي الأخير، أقول: إن الصخرة التي تعتري طريقنا لا تعيقنا، بل نصعد عليها إلى الأرقى بإذن الله تعالى.

    06 يونيو 2013 02:42:00

    عن الموقف الطائفي والموقف المبدئي

    هذا هو الفرق بين الموقف الحر، وبين الموقف المذهبي أو الطائفي أو الحزبي الذي يتدثر بالمقاومة والممانعة ليخفي سوأته، فيما الأولى أن ينحاز أولا وقبل كل شيء لحرية الشعوب.

    05 يونيو 2013 01:49:00

    الشركات الأمريكية والأوروبية وخطة السطو على النيل

    علينا أن نستعيد قوة الدولة المصرية وأن نوقف عمليات الاستنزاف الحادثة الآن، وعلينا أن نسعى لجمع عمقنا الاستراتيجي الشعبي والعربي والإسلامي لقطع الطريق على من يريدون ذبحنا بكل ما يملكون،

    04 يونيو 2013 09:25:00

    كلمة السر " ترعة السلام "

    مصر أمام واحدة من أعقد وأخطر قضاياها للأمن القومي، قضية المياه هي قضية مصيرية، حياة أو موت، وفي نفس الوقت خياراتها الإستراتيجية ضئيلة ومحدودة، والنظام الجديد مطالب بالتعامل مع وضع مأزوم

    30 مايو 2013 07:21:00

    إغلاق