مقتل توران شاه.. سقوط الدولة الأيوبية

نشرت: عدد القراء :11820

media/newsimages/history/mosq.jpg

الزمان/ 28 محرم ـ 648هـ

المكان/ القاهرة ـ الديار المصرية.

الموضوع/ مقتل الأمير توران شاه الأيوبي على يد المماليك

الأحداث: مقدمة:

مفكرة الإسلام : يهتم كثير من أبناء الحركات الإسلامية والدعوية بدراسة تاريخ قيام الأمم والمماليك الإسلامية أو غيرها أملاً في الوصول إلى منهج ومخطط دقيق ومرسوم في كيفية إقامة دولة الإسلام الذي يمثل حلم كل مخلص وأمل كل داعية وشوق كل من يشعر بالظلم والعدوان، وذلك كله لا غبار عليه, إلا أن دراسة أسباب السقوط وعوامل الانهيار لهي أهم وآكد من عوامل القيام؛ لأن الحفاظ على الكيان القائم يحتاج لمعرفة ما يؤثر ويهدم هذا البناء والكيان، وتاريخنا ذاخر بالكثير من الدول والمماليك الإسلامية التي كانت يومًا قوية ظاهرة وما لبثت حتى انهارت وزالت وخرجت من ذاكرة الأمة مخلفة ورائها الكثير والكثير من الصبر والعظات لمن يتدبرها.

قيام الدولة الأيوبية:

كان بداية الظهور لنجم الدولة الأيوبية عندما كلف البطل الشهيد نور الدين محمود خيرة فرسانه أسد الدين شيركوه أن يسرع لإنجاد الديار المصرية من الهجوم الصليبي عليها وذلك سنة 564هـ, وقد وجد نور الدين محمود في هذه المناسبة فرصة سانحة لإعادة مصر إلى الصف المسلم كخطوة أولى وأساسية لتحرير بيت المقدس, وفرصة لإزالة أخبث ما عرفه التاريخ الإسلامي عمومًا والمصري خصوصًا وهم الفاطميون الخبثاء الأدعياء، وكان من جملة من اصطحبه معه القائد أسد الدين شيركوه ابن أخيه يوسف بن أيوب الملقب بصلاح الدين, والذي يعتبر أشهر قادة المسلمين وأعظمهم مكانة في قلوبهم, وهو أيضًا مؤسس الدول الأيوبية.

ـ استطاع أسد الدين شيركوه رد عادية الصليبيين وقتل الوزير الخائن شاور, وأصبح أسد الدين وزيرًا لآخر الخلفاء الفاطميين العاضد والمتحكم الفعلي في إدارة شؤون البلاد, وحجر على العاضد في قصره، ولكن لم يلبث أسد الدين إلا شهرين ومات رحمه الله, فلم يجد نور الدين محمود أفضل من صلاح الدين يوسف بن أيوب فولاَّه, وكان عمه أسد الدين, وصار صلاح الدين وزيرًا على أرض مصر.

واجه صلاح الدين صعوبات كثيرة داخل الديار المصرية, فواجه مؤامرة داخلية من أتباع الدولة الفاطمية الهالكة الذين كاتبوا الصليبيين للتقدم للديار المصرية وإزاحة صلاح الدين ومن معه لإعادة الدولة الفاطمية, وواجه النفوذ الشيعي المسيطر على الأمور داخل مصر, فاستطاع صلاح الدين مواجهة كل هذه الفتن والمؤامرات الداخلية والخارجية بمنتهى القوة والحسم واتخاذ عدة خطوات من شأنها إعادة مصر لمكانتها وطهرها من أرجاس وأذيال الدولة الفاطمية الهالكة, وانتقل بمصر من الدفاع للهجوم على قواعد الصليبيين بالشام, ووجه سرية نحو بلاد ليبيا وتونس ليمنع الصليبيين من الهجوم من هذه الناحية التي كانت تعاني فراغًا من السلطة وقتها.

 ـ تعتبر وفاة نور الدين محمود سنة 569هـ وعدم صلاحية من خلفه 'ولده الصغير' إيذانًا بقيام دولة بني أيوب على أرض مصر؛ وذلك لأن الأعداء في كل مكان ظنوا بوفاة نور الدين محمود قد خلت الساحة من القادة الربانيين, ولكن الله عز وجل قيض للأمة الناصر صلاح الدين الذي حل محل أستاذه نور الدين محمود وسار على دربه الجهادي واستطاع أن يوحد مصر والشام تحت رايته بعد أن خاض سلسلة من المعارك التي لم يكن لها أي داعٍ لولا المطامع الشخصية والأهواء والأحقاد من أمراء الشام من أتباع نور الدين محمود, الذين رفضوا فكرة الاتحاد بين مصر والشام وتمادوا في ذلك, حتى أن بعضهم آثر التعاون مع الصليبيين على الاتحاد مع صلاح الدين, وهكذا تضيع الأمم وينتصر أعداء الإسلام، فظل صلاح الدين يحارب في سبيل الله على كل الجبهات, ومكث طيلة خمس وعشرين سنة مرابطًا في سبيل الله حتى فتح الله على يديه بيت المقدس وكثيرًا من البلاد الأسيرة, وسوف نستفيض من ذكر أخباره يوم وفاته في 27 صفر 589هـ على نفس هذا الباب فليراجع.

الدولة بعد صلاح الدين:

ـ مات الناصر صلاح الدين في 27 صفر 589هـ وقد خلف وراءه دولة قوية ثابتة تشمل مصر والشام واليمن والحجاز وكلها على السنة وتتبع الخليفة العباسي وتدعو له على منابرها, وقد تقسمت هذه المملكة القوية بين إخوة صلاح الدين وأبنائه, وكان ذلك بداية الوهن, إذ لابد من قيادة واحدة يعلوها مجلس مشوري وحل وعقد بضمان سلامة القيادة, وإنما الخذلان والفشل قرينان للتفرق, وقد كان.

فقد تولى نور الدين الملقب بالأفضل حكم دمشق فساء التصرف وسبب كثيرًا من المشاكل للدولة الأيوبية, وتولى عثمان الملقب بالعزيز عماد الدين حكم مصر وتولى أخو صلاح الدين أبو بكر الملقب بالعادل حكم باقي الشام, واستقل ابن أخي صلاح الدين بحكم اليمن وأجزاء من الحجاز.

هذا التفرق جعل الباب مفتوحًا للصراعات والخلافات الداخلية على مناطق النفوذ, وانشغل المسلمون بأنفسهم عن العدو الحقيقي وهم الصليبيون, ووقعت عدة حروب بين الأفضل والعزيز انتهت بهزيمة الأفضل وعزله عن ولاية دمشق وأعطاها لعمه أبي بكر, وبعد ذلك بقليل توفي العزيز عماد الدين فتولى مكانه عمه أبو بكر, وهكذا عادت الدولة الأيوبية مرة أخرى للاتحاد تحت قيادة واحدة، وقد حاول الصليبيون أثناء ذلك القتال الداخلي الهجوم على الشام مرة أخرى فتصدى لهم أبو بكر الملقب بالعادل.

كان العادل أبو بكر الأيوبي قرينًا لأخيه صلاح الدين وشريكًا له في جهاده وكفاحه ضد الحملات الصليبية؛ لذلك فقد كان هو الآخر بطلاً شجاعًا قويًا صمد أمام محاولات الحملات الصليبية المتكررة على مصر الشام, حتى أنه مات رحمه الله أثناء حصار الصليبيين لدمياط سنة 615هـ وهو مرابط مجاهد في سبيل الله.

الدولة على طريق التخبط:

بعد وفاة العادل أبي بكر الأيوبي تفرقت المملكة بين أبنائه الثلاثة الكامل محمد على حكم مصر, والمعظم عيسى على دمشق وما هو لها, والأشرف موسى على باقي الشام, وبالتفرق يكون التخبط والاختلاف وتسلط العدو الخارجي, فلم يكد يتوفى العادل أبو بكر حتى انهال الصليبيون على الشام ومصر وخصوصًا مصر في ثلاثة حملات صليبية متتابعة جعلت الكامل محمد رغم بطولاته الكبيرة في حملة دمياط سنة 618هـ يتنازل طواعية عن بيت المقدس لملك ألمانيا فريدريك الثاني سنة 625هـ, فعُد ذلك من أشنع غلطات الأيوبيين على الإطلاق, وعلى الرغم من إنجازات الكامل الحضارية والعمرانية الواسعة إلا أن التاريخ نسي ذلك كله وحفظ له غلطته الشنيعة.

اختلف الأشرف موسى مع المعظم عيسى على حدود النفوذ في الشام والجزيرة ووقعت بينهما الكثير من المشاكل والاضطرابات كرست الفتنة وعمقت أسباب الخلاف ومهدت لمزيد من التخبط وفتحت طريق السقوط.

الوهج الأخير:

ولي بعد وفاة الكامل محمد أخوه الصالح أيوب وذلك سنة 637هـ, وكان من خيرة سلاطين بني أيوب, فدبر المملكة بمصر أحسن التدبير وأخمد الفتنة وبنى قلعة الروضة بجزيرة الروضة واسترد بيت المقدس سنة 642هـ وعسقلان سنة 645هـ ودمشق سنة 643هـ, ولاقى متاعب كثيرة من عمه الصالح إسماعيل الذي كان من أكبر أعدائه وتعاون مع الصليبيين عليه عدة مرات، وقد استعان الصالح أيوب بالقبائل الخوارزمية وانتصر على الصليبيين وعمه المتعاون معهم, وبالجملة أعاد الصالح أيوب للدولة هيبتها ورجعت إلى ما كانت عليه أيام جده العادل أبي بكر, وكان الصالح أيوب بمثابة الوهج الأخير قبل انطفاء السراج.

في آخر حياة الصالح أيوب هجمت الحملة الصليبية السابعة على مدينة دمياط يقودها لويس التاسع ملك فرنسا سنة 647هـ, فرابط الصالح أيوب بالمنصورة, وهناك أصيب بمرض شديد تفاقم عليه حتى مات رحمه الله في 15 شعبان 647هـ, أخفت جاريته أم خليل الملقبة بشجرة الدر خبر موته وأظهرت أنه مريض ومنعت الناس عن زيارته, وظلت توقع على المناشير والمراسيم حتى جمعت قادة الجيش وأمراء الدولة وأطلعتهم على الحقيقة واتفقت معهم على الإرسال لولده الكبير الأمير 'توران شاه' وكان بالشام وقتها, وكان جافيًا لأبيه, وأبوه ينقم عليه كثيرًا سوء فعاله, وكان غرضهم من استقدامه ضمان ولاء الجيش للبيت الأيوبي ولعدم اختلاف الأمراء فيما بينهم, وبالفعل جاء 'توران شاه' مسرعًا وقاد الجيوش المصرية وحقق انتصارًا هائلاً على الصليبيين, وقتل منهم ثلاثين ألفًا, وأسر ملكهم لويس التاسع وتم فداء الأسرى بمبلغ عشرة ملايين فرنك.

مقتل توران شاه:

لما حقق توران شاه انتصاره الباهر على الصليبيين استدار على زوجة أبيه وباقي قادة الجيش وكانوا جميعًا من المماليك البحرية الذين قد أكثر من شرائهم الصالح أيوب وترقوا في المناصب حتى صاروا من قادة الجيش, وكان 'توران شاة' ينقم على أبيه هذه السياسة ولعله هجَّره إلى الشام بسبب ذلك، وكان يكره هؤلاء بشدة وخطط للتخلص منهم وبدأ بإساءة معاملتهم خاصة كبار قادتهم, وشدد في محاسبة شجرة الدر عن أموال أبيه وذخائره، وهذه الأمور جعلت شجرة الدر تتآمر مع قادة المماليك على قتل توران شاه قبل أن يقتلهم هو, وبالفعل هجموا عليه في قصره في ليلة 28 محرم سنة 648هـ, واعتوروه بسيوفهم وتفرق دمه بينهم, ثم تنادوا فيما بينهم وملكوا عليهم الأمير عز الدين أيبك التركماني, وتلقب بالملك المعز وكان ذلك بداية دولة المماليك ونهاية دولة الأيوبيين.

يقول المؤرخون:

وكانت الدولة الأيوبية دولة فتح وجهاد من مبدئها إلى منتهاها, فمؤسسها صلاح الدين, وآخرهم توران شاه كللت حياتهم بالانتصار الباهر على الصليبيين, فكان الله عز وجل قد أوجد هذه الدولة لتكون عقبة في سبيل تغلُّب أوروبا الصليبية المتعصبة على الشرق المسلم, ولولا فضل الله بهذه الدولة لانقرض الإسلام من جميع بقاع الشام والجزيرة ومصر وشمالي أفريقيا كما انقرض من الأندلس'.

التعليقات

2 تعليق commemnt

أضف تعليق


    إذا وجدت إعلانا مخالفا اضغط هنا
    facebook twitter rss

    أمريكا تخسر 7 مليارات دولار أمام مخدرات أفغانستان

    كشف تقرير حكومي أمريكي عن فشل ذريع في برنامج مكافحة المخدرات في أفغانستان رغم إنفاق أكثر 7 مليارات دولار لاجتثاث الآفة التي تزعم واشنطن أنها تمول الإرهاب والفصائل المسلحة في ذلك البلد.

    23 أكتوبر 2014 03:00:00

    الانقطاع المتكرر للكهرباء يطيح بوزير الطاقة في مدغشقر

    أقال رئيس مدغشقر، "هيري راجاوناريمامبيانينا" وزير الطاقة "فيينينا ريشارد" على خلفية الإنقطاع المتكرر للكهرباء في البلاد .

    23 أكتوبر 2014 02:30:00

    محكمة سعودية تقضي بسجن 4 نساء أدينوا بتمويل وتأييد "القاعدة"

    أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض يوم الأربعاء حكمًا بالسجن على 4 نساء مددًا متفاوتة من سنة وثمانية أشهر إلى 10 سنوات، إثر إدانتهن بـ"انتهاج المنهج التكفيري وتأييد أعمال تنظيم القاعدة"

    23 أكتوبر 2014 02:00:00

    مقاتلات الناتو تعترض طائرة روسية استخباراتية فوق بحر البلطيق

    اعترضت طائرات تابعة لحلف شمال الأطلسي أو ما يُعرف بـ"الناتو،" طائرة روسية لجمع المعلومات الاستخباراتية فوق بحر البلطيق.

    23 أكتوبر 2014 01:00:00

    "أجناد مصر" تتبنى تفجيرًا أوقع 10 إصابات بجامعة القاهرة

    تبنَّت جماعة "أجناد مصر" تفجيرًا وقع اليوم الأربعاء في محيط جامعة القاهرة، وأسفر عن إصابة 10 أشخاص.

    23 أكتوبر 2014 12:50:00

    إثر عملية الدهس.. تصاعد المواجهات بين فلسطينيين والاحتلال بسلوان

    أفاد شهود عيان بأن اشتباكات عنيفة اندلعت بين عشرات الشباب الفلسطينيين من سكان بلدة سلوان في القدس الشرقية وقوات من الجيش والشرطة "الإسرائيليين" داهمت منازل بالبلدة.

    23 أكتوبر 2014 12:40:00

    هل تتحول ليبيا إلى فيتنام العرب ؟

    قرار التدخل العسكري الجزائري والمصري المشترك ضد ليبيا لن يُتخذ إلا من تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي والذي وضع بنفسه الإستراتيجية الأمريكية نحو تقويض ثورات الربيع العربي

    04 أغسطس 2014 08:46:00

    الشعب المصري أسقط السيسي ومشروعه

    نعم انهارت خارطة السيسي، وما يحدث من محاولات للاستمرار مجرد حلاوة روح، وهم شعروا بالزلزال أكثر من الكثير منا، ففقدوا صوابهم وتخبطوا وسنرى ما يسر الشعب الصابر بإذن الله.

    30 مايو 2014 08:13:00

    رمال الخليج المتحركة

    قبل حوالي 3 عقود، وتحديدًا عام 1981، تأسس «مجلس التعاون الخليجي» لمواجهة الخطر الإيراني المتنامي بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979 .

    10 مارس 2014 09:41:00

    مفارقات بين تركيا أتاتورك وأردوغان

    وفي الأخير، أقول: إن الصخرة التي تعتري طريقنا لا تعيقنا، بل نصعد عليها إلى الأرقى بإذن الله تعالى.

    06 يونيو 2013 02:42:00

    عن الموقف الطائفي والموقف المبدئي

    هذا هو الفرق بين الموقف الحر، وبين الموقف المذهبي أو الطائفي أو الحزبي الذي يتدثر بالمقاومة والممانعة ليخفي سوأته، فيما الأولى أن ينحاز أولا وقبل كل شيء لحرية الشعوب.

    05 يونيو 2013 01:49:00

    الشركات الأمريكية والأوروبية وخطة السطو على النيل

    علينا أن نستعيد قوة الدولة المصرية وأن نوقف عمليات الاستنزاف الحادثة الآن، وعلينا أن نسعى لجمع عمقنا الاستراتيجي الشعبي والعربي والإسلامي لقطع الطريق على من يريدون ذبحنا بكل ما يملكون،

    04 يونيو 2013 09:25:00

    إغلاق