إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الخميس 26-جمادى الثانية-1433

هل يضيع العراق بين همس العلماء وصمت الحكام
الاربعاء 14 ابريل 2004

مفكرة الإسلام : كنت أستمع إلى خطبة الجمعة من الحرم المكي وكان الخطيب آنذاك الشيخ سعود الشريم وقد استطاع شد انتباهي إلى خطبته إذ كان يتحدث عن المآسي التي جرت وتجري في العراق تحت سمع العالم وبصره، هذا العالم الذي لا يحرك شيئاً ما دامت الضحية من المسلمين.

الشيخ الشريم تحدث بصراحة عن جرائم الأمريكان ضد العرب والمسلمين سواء في فلسطين أو العراق وقد استطاع أن يلمس الداء وأن يجعل الجهاد هو الدواء... الذي شدني في خطبة الشيخ وأثار انتباهي هو حديثه الصريح والمؤثر هذا الحديث الذي كدت أفتقده عند معظم العلماء فرغم الأهوال والأخطار التي يمر بها عالمنا العربي والإسلامي فلا أكاد أجدهم في مثل هذه المواقف وكأنهم وكأنها قطبان لا يلتقيان بالرغم من أهمية دورهم في مثل هذه المسائل وتطلع شعوب العالم الإسلامي إلى مواقفهم.

حديث الشيخ جعلني أتفاءل بأن هذا الدور قد يعود مرة أخرى وأن علماءنا سيمارسون أدوارهم بكل قوة باعتبارهم جزءاً من هذا العالم بل وأهم جزء فيه.

مجموعة أخرى من علمائنا تفاعلت مع هذا الحدث المؤلم وعبرت عن رأيها فيه وحاولت استنهاض همة المسلمين في العالم كله ليقوموا بدورهم كما يجب وكما أمرهم الله أن يفعلوا...

الشيخ سلمان العودة وُفق ـ كما أرى ـ في دعوة مسلمي أمريكا بعدم انتخاب جورج بوش نظراً لمواقفه المناهضة للعرب والمسلمين، هذه الدعوة سواء آتت ثمارها أو لم تؤت هذه الثمار فإنها تبقى إشارة قوية إلى ما يجب أن يفعله كل مسلم في مجابهة العدو أو حتى في إنكار ما يعتقد أنه باطل مهما كان هذا الباطل والمقاطعة بكل أشكالها من أبسط ما يجب فعله في مثل هذه الحالات. مجموعة من علماء المسلمين في بلاد عربية وإسلامية أعلنوا مواقفهم فرادى ومجتمعين وطالبوا الحكام أن يتحركوا لإنقاذ العراقيين من القتل والحصار والتدمير وتحدثوا بدورهم عن المواقف المخزية للأمريكان في البلاد العربية والإسلامية ولكن كل تلك الأحاديث التي سمعناها ما زالت دون المستوى المطلوب لسبب بسيط جداً هو أنها لم تحدث التأثير المطلوب لتجعل الحكام أو طوائف من الشعوب العربية تتحرك وبقوة لأداء دورها في مثل هذه الأحداث.

ولعل السبب في هذا كله أن المتحدثين من العلماء يعتبرون قلة قليلة ممن يسمون علماء في عالمنا العربي لأن الأغلبية منهم لا تزال صامتة تتابع الأحداث بصمت وكأنها لا تعنيها في شيء، أما المتحدثون فهم كذلك قالوا رأيهم بكل هدوء ولعل سوء الأوضاع في عالمهم جعلهم يحسبون كل كلمة يقولونها قبل التلفظ بها خشية أن ينالهم سوء كثير ـ هكذا أظن ـ مع أن دور العلماء كان يفترض ألا يكون كذلك... عندما تحتل ديار المسلمين وعندما يقوم المحتل بقتل المسلمين وتدمير بلادهم وعندما يهدد هذا المحتل بلادا عربية أخرى فإن مواقف العلماء يجب أن تكون في مستوى هذا الحدث. كنت أود أن أستمع من هؤلاء العلماء دعوة صريحة للشعوب أن يقفوا مع إخوانهم بكل قوة وأن يبذلوا لهم كل شيء متحدين كل المواقف. كنت أود أن أستمع إلى فتاوى صريحة توجب على كل مسلم أن يبذل ما يستطع من مال أو نفس أو موقف مؤيد لإخوانه في العراق أو فلسطين مهما خالف هذا التصرف مواقف الحكام. بعض الحكام العرب يبدو أنهم يعيشون في كوكب آخر وكأن كل تلك الأحداث لا تعني لهم شيئاً بل وكأن كل شعوب المنطقة ومواقفها المعلنة منهم لا تدفعهم لعمل شيء من أجل هذه الشعوب... ولهذا كله فقد أصبحت شعوب المنطقة لا تنتظر منهم شيئاً وأصبحوا بدورهم لا يفكرون في عمل شيء... اليهود والأمريكان يهددون وبصورة علنية بعض البلاد العربية وإذا تمكنوا من تنفيذ هذه التهديدات فإن عدداً من الحكام لن يستمروا على ما هم عليه الآن ويحار المرء من تفاعلهم مع ما يسمعون ويتساءل: ألا يجعلهم ذلك يغيرون مواقفهم؟ ألا يجعلهم ذلك يقتربون من مواطنيهم؟ إن المصلحة الآن مساعدة المقاتلين العراقيين لأن هؤلاء المقاتلين هم وحدهم من سيجعل الأمريكان يترددون كثيراً قبل التفكير في غزو بلد عربي آخر.. الصمت الذي يمارسه بعض الحكام لن ينفعهم طويلاً، والشجب والاستنكار المضحكان واللذان لم نعد نسمعهما حالياً لن يقدما حلولاً لأزمات العرب.

المواقف الجادة وحدها هي التي ستنقذ حكام العرب وشعوبها من المكائد التي تراد بهذه المنطقة... الأمريكان يقومون حالياً بعمليات إجرامية هائلة في العراق وتحت سمع العالم وبصره. كنا في الماضي نطالب أمريكا أن تكون عادلة في مواقفها مع الفلسطينيين وأن تلزم إسرائيل بالتوقف عن ممارساتها الإجرامية في فلسطين ولكننا اليوم نرى أن أفعال أمريكا هي نفسها أفعال إسرائيل ويستحيل التفرقة بين هذه الأفعال في العراق وتلك الأفعال في فلسطين فكلها تصدر من معين واحد. سبعمئة قتيل وأكثر من ألف جريح في الفلوجة وحدها، قصف بالطائرات الحربية للتجمعات السكانية واستهداف المدنيين رجالاً ونساء وأطفالاً، وتدمير المنازل فوق رؤوس أصحابها، ومنع لوصول الإمدادات الطبية أو المساعدات الإنسانية وأكثر من هذا كله احتلال المقابر كيلا يدفن فيها الموتى، وقصف المساجد فوق رؤوس المصلين. هل يفعل الصهاينة غير هذا في فلسطين؟ الأمريكان يفعلون هذا في أكثر من مدينة عراقية ويستخدمون القنابل المحرمة في قتل المدنيين العزل ومع هذا كله ما زالوا يقولون إنهم يقدمون الحرية الكاملة للعراقيين.

الذي يستمع لتصريحات المسؤولين الأمريكان سواء في واشنطن أو العراق تجاه ما يجري في العراق يكاد يصاب بالغثيان ولست أدري كيف يفكر هؤلاء وهل يظنون أن أحداً يصدقهم؟ أم هم يحتقرون كل أحد؟!... ما زال هؤلاء يقولون إن المقاومين شرذمة قليلة وهم ـ بحسب زعمهم ـ لا يمثلون الشعب العراقي وإنهم فوق هذا كله لا يحبون الحرية التي جاء الأمريكان لتقديمها لهم. وكأن هؤلاء لم يشاهدوا أن معظم العراقيين وبكل طوائفهم هم المقاومون وهم الذين يقدمون أرواحهم في سبيل هذه المقاومة وأنهم يرفضون تلك الحرية المزعومة التي يدعيها الأمريكان.

لست أدري كيف لا يخجل هؤلاء من أنفسهم وهم يمارسون كل أنواع القمع والكبت والقهر في العراق؟ الصحافة التي تنتقدهم تقفل، والصحفيون الذين ينقلون حقائق ما يجري في العراق يقتلون، المدن تقصف بالطائرات والمنازل تهدم فوق رؤوس أصحابها، المتظاهرون بالطرق السلمية يقتلون بالرصاص ومع هذا كله ما زال الأمريكان يصرون على أنهم جاءوا لتحرير العراق وجعلها واحة للحرية ونموذجاً يحتذيه العرب الآخرون.

على أية حال فليقل الغزاة ما يقولون فهذا شأنهم وهم يبحثون عن مصالحهم والذي يهمنا هو ما يقوله العراقيون أولاً وما يقوله العرب العقلاء ثانياً ... الشيء الذي يفرحنا هو تلاحم أبناء العراق ووقوفهم معاً ضد الاحتلال، والشيء الذي يفرحنا أكثر تلك العزة التي سمعناها في شروط أبناء الفلوجة لوقف القتال وكذا إصرار الصدر على خروج المحتلين من العراق كشرط لوقف المقاومة... كنت أود أن يقف كل علماء العراق سنة وشيعة ضد الاحتلال وأن يدعوا الكل للمقاومة ولعلهم يفعلون هذا فالاحتلال ما يريد بهم خيراً... علماء المسلمين ما زالوا يتحدثون بهمس والحكام ما زالوا كعادتهم صامتين والعراقيون وحدهم يمارسون دورهم بحسب طاقتهم في الدفاع عن أنفسهم... الهمس والصمت لن ينفعا على المدى الطويل وإذا ضاعت العراق ضاع الآخرون ولعلهم يدركون هذه الحقيقة قبل فوات الأوان.

محمد علي الهرفي .. أكاديمي وكاتب سعودي





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق