إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الخميس 26-جمادى الثانية-1433

الرنتيسى .. وحماس .. وحكاية الانتصار ..
الخميس 22 ابريل 2004

حدثني يا صاحبي عن طعم الموت مع الإخلاص .. عن طعم الأمل يوم يتجرد عن الأهواء ..حدثن عن طعم الشهادة في فم الشهيد ، ترى بماذا يشعر الآن ؟ أتراه شعور الزهو والعزة ، أم تراه شعور العلو والانتصار ؟!!



إني أخاله يبسم بسمة الرضا عن عمر جعله لله فداء ، وثغره البسام يصيح أن هلم إلينا يا أوفياء ، ههنا درب الوفاء ، ههنا درب الثبات ، وفى لحظة فراق الجسد يتميز الناس ، فطائر محلق للجنان مكدوس مكبل بثقلة التراب !



لقد شاء الله للرنتيسى أن يذوق طعم الانتصار ، ولكنه انتصار ليس كذاك الذي تحرزه جيوش الكذب في العراق وأفغانستان ،ولا كذاك الذي تحققه كتائب الظلم يوم تكمم أفواه شعوبها ، إنه انتصار المبادئ يوم يظل صاحبها مستمسكا بها حتى النهاية ، انتصار الهدف الرباني الوضاء يوم يناله بعد طول سعى ودعاء ، إنه انتصار حقيقي ولا شك ، وكيف لا والرجل يوم نجا من محاولة سابقة للاغتيال [ يوم رصدته أباتشية شارون فطالت ساقه وقتلت يومها ثلاثة مسلمين بينهم امرأة وطفل ] يومها وهو لم يزل على سرير المستشفى صرخ بكلمات لازال صداها يتردد في عالم التضحيات ، قال : ' هذا دربنا ، وهذا طريقنا ، إما النصر أو الشهادة ، ولن ترهبنا محاولاتهم ، ولن تقعدنا تهديداتهم ، إن الموت في سبيل الله أغلى ما يتمناه المؤمن الصدوق '



وهاهو ذا يختم حياته بكلمات أخرى قالها فى آخر حديث له وكأنها كلمات مودع ، فقال : ' أقول لكم لأطمئنكم: لو رحل الرنتيسي والزهَّار وهنية ونزار ريَّان وسعيد صيام والجميع، فوالله لن نزداد إلا لُحمة وحبًّا، فنحن الذين تعانقت أيادينا في هذه الحياة الدنيا على الزناد، وغدًا ستتعانق أرواحنا في رحاب الله- إن شاء الله- لذلك فليغزل على غير هذا المغزل شارون والصهاينة والمتربصون، ومسيرتنا متواصلة، ودربنا صعب؛ ولكنه الدرب الوحيد الذي يصل بنا إلى ما نصبو إليه؛ ولذلك لا ضعف ولا استكانة ولا هوان على الإطلاق'.



إنه إذن نصر حقيقي حققه الرنتيسي فى مشوار حياته الأبية فعاش يدعو الله بالشوق إلى لقائه ثم هاهو ذا يسطر ملحمة ليتمتع بلذة النظر إلى وجهه الكريم هناك .



لقد انتصر الرنتيسي يوم اختار هذا الطريق رغم معرفته بأشواكه ، فقد كانت آماله تتجسد رغبة في تحرير الأقصى كما يحكى عن نفسه بينما كان يستمع إلى خطبة الشيخ محمود عيد والشيخ احمد المحلاوي في الإسكندرية ، إبان دراسته للطب هناك ، وكانت صرخات المحلاوى على منبر مسجد القائد إبراهيم يتردد صداها في جوف الرنتيسي نارا تلهب له طريق الفداء.



وانتصر يوم ثبت أمام تكرار مرات اعتقاله التي بلغ مجموعها سبع سنين وزيادة في سجون اليهود إضافة إلى ما حصل له من اعتقالات أخرى على يد السلطة الفلسطينية التي لم يكن بينه وبينها كبير قبول !



لقد منع النوم في سجنه لأيام طويلة ، وخلعوا أظافره بالكلاليب ، ووضعوه في ثلاجات باردة ليشي بإخوانه أو ليتراجع عن سبيله ولكنه أبى ، فأحال الله له سجنه كذلك إلى انتصار وأتم حفظ كتاب الله فيه ، وكان في كل مرة يخرج من الاعتقال يردد نفس كلماته ولكنها كانت تزداد قوة وثباتا ووضاءة وتصميما .



وانتصر يوم أعلن هو وشيخه وإخوانه قيام حركة حماس التي صارت هي الآن الشوكة المنغرسة في حلق كل عدو أو خائن.



لقد أدركت حماس بقادتها منذ الوهلة الأولى محددات المعركة ، أدركت ثوابتها ومتغيراتها ، فراحت بقادتها تخط خطوطا هي على الأرض مسيرة التضحية وفى السماء مسيرة الشهداء



من أجل ذلك فإننا نرى أن هذه الأيام تصف لنا وعيا جديدا للمعركة القائمة وتستبين أركانها وتستوضح خفاياها عما كان من قبل ، بل إننا نستطيع أن نعد هذه الأيام الأخيرة من الصراع ضد الإسلام هو بداية مرحلة جديدة بسماتها ومحدداتها ، بمتطلباتها وخططها ، بل برجالها وقادتها.



لقد أفرزت الفترة السابقة من الصراع نوعا من القادة لم يكونوا قادرين على تحريك أممهم ولا على توجيه شعوبهم بما تتطلبه مرحلة الصراع ، ولكنه قد بزغ مع فجر أولئك الصادقين نوع آخر من قادة هذه الأمة ، قادة تتحدث أعمالهم حديثا تلونه تضحياتهم بلون الثورة الحقيقية التي يتصاغر أمامها كل عدو ، وتتضاءل أمامها كل مصلحة ، بل لقد نطقت أفعال هؤلاء على الأرض برسالة تقول لكل القادة : إما أن تكونوا قادرين على هذا السبيل أو فاختفوا غير مأسوف عليكم أجمعين.



و أدركت حماس أنها في هذه المرحلة ربما تجد نفسها وحدها بغير معين ولا ناصر ، كيف وهى ترى أبناء جلدتها يوشون بها لدى أعدائها لأجل بضعة شيكلات ، ثم ترى زعماء أمتها يقبضون بيد من خناعة على عهد أمريكا ويهود !!



ولذلك فقد ارتفعت أرصدة حماس ارتفاعا كبيرا جعلها تمثل النموذج المثالي الحي للعمل الإسلامي المتكامل ، والثابت ، صاحب الإنجازات ، القريب للغاية من مدارج النصر الأكيد ، في بلاد غصب فيها المحتل الأرض ودنس المقدسات وقتل الأبرياء .



ولست أزعم هنا أن حماس بيدها عصا الإنجاز السحرية ، أو أن أبناءها لا يتألمون قهرا ، أو أنهم لا يمرون بمرحلة صعبة للغاية في عملهم ، ولكنني أرى أن هذه الفئة الصابرة المثابرة قد أخذت بأسباب النصر ، فأعدت العدة ، واستوضحت الهدف ، واستبانت المعوقات ، وتعاهدت على نصرة قضيتها بالدماء والأنفس والأرواح قبل أن تنصرها بالجهد والعمل والكلمات .



من أجل ذلك ينظر إليها أبناء أمة الإسلام على أنها ومن سار على خطاها هي الأمل في زمن عزت به الآمال .



فصارت حماس وقادتها رمزا للعزة في أيام غيمت عليها آلام الأذلاء ، وصار الوشاح الذي يغطون به أجساد الشهداء في فلسطين هو أروع ثوب عرس يتمناه الشباب الصادقون .



وانتشر الفكر الحماسي في عقل الأمة ، وألفت فيه الكتب ، وكتبت فيه البحوث ، ورأينا من علماء الأمة وباحثيها ومفكريها من يسدى لها النصح ويقدم لها البدائل ويصف لها الحلول .



كما انتشر الحماسيون في شتى الثغور، ورأينا كيف اختلطت دماء أبناء الفلوجة العظيمة الباسلة بدماء ياسين والرنتيسي، ورأينا من الحماسيين من ينطق بلغات غير العربية ، فيتألم لآلامهم المسلمون في باكستان ويصرخ لصرخاتهم إخوانهم في أوربا ، وشتى البقاع .



ولذلك فإن الذين ينتظرون من حماس بعد شهادة الرنتيسي تغيرا في منهجها أو حيدا عن سبيلها هم مخطئون للغاية . فالذين قالوا إنها سوف تتنازل عن عملها السياسي وتطوى هذا الجانب من عملها لكثرة استهداف القادة السياسيين ، وأن عملها سيصير عسكريا فحسب ، أولئك قد نظروا إلى الموقف بمنظار أحادى ، وتناسوا أمورا كثيرة ، منها : تصريحات قادتها ومثاله ما جاء على لسان محمد ضيف من أن حماس لن تتنازل عن دورها السياسي ولا الاجتماعي أبدا ، وكذلك ما قاله الراحل الرنتيسي يوم سئل عن سبب ظهوره رغم معرفته باستهدافه ، فقال : ' إن الأمة بحاجة إلى قيادات تلتف حولها وتراها أمامها ثابتة صابرة مجاهدة '.



وهذه نظرة تدل على كبير نضج قد وصل إليه الرنتيسي كقائد موهوب لهذا الشعب ، فكل التنظيمات والحركات في العالم يصلح لها أن تخفى قادتها إلا الحركات الإسلامية، لأنها تستقى من قادتها مسارات الصبر والثبات والإيمان ، تماما كما تستقى منهم خطط العمل والتوجيه .



وحماس إذ أرادت إخفاء اسم قائدها في غزة ، فهو شأن مؤقت ، ثم إن لها قادة كثيرين معروفين بين الأمة متغلغلين بين ثناياها حتى إنك لفرط تقاربهم في سماتهم تكاد لا تعلم من المقدم بينهم .



كذلك لم يوفق من ظن أن أعمال حماس الجهادية هي فحسب رد فعل أو أخذ بالثأر ، فإن المنهج الحماسي لا يعتبر ذلك صوابا على طول الخط ، بل يعتبر أن مصلحة الساعة للعمل وللشعب المسلم مقدمة على الأخذ بالثأر حتى لو كانت قدور غاليات تغلى في صدور كل أبناء أمة الإسلام ،يقول أحد قادتها البارزين :' أن حماس لا تنطلق من مبدأ الثأر، وإنما تنطلق من مبدأ المقاومة واستمرارها. الفكرة ليست في الثأر ولكن في استمرار المقاومة ' .



وهكذا فعلامات الانتصار تتوالى ، فثبات على المبادىء حتى الموت انتصار ، وقادة قدوات صابرون انتصار ، وانتشار للفكرة المؤمنة انتصار ، وتوحد لفصائل العمل الإسلامى انتصار ، والفضل ما شهدت به الأعداء ، فقد
ذكرت وكالة 'رويتزر' أنه : رغم أن اغتيال إسرائيل للرنتيسى جاء بهدف القضاء على حركة المقاومة الإسلامية 'حماس' فإن ذلك الحدث قد يؤدي إلى تدفق تيار من المجندين الجدد داخل صفوف 'الحركة الإسلامية المتشددة، ويعزز من موقفها المتشدد'.



ونسبت الوكالة إلى خبراء في الكيان العبرى قولهم: إنه في الوقت الذي يتسبب فيه رحيل قادة الحركة في 'انتكاسات تنظيمية'، فإن 'طوفانا من مشاعر التعاطف معها' حتى بين صفوف الفلسطينيين 'المعتدلين سوف يوفر شرعية شعبية لحربها ضد الدولة اليهودية'.



وتقول 'رويترز': إنه عقب كل اجتياح عسكري إسرائيلي في غزة والضفة الغربية تظهر خلايا جديدة للنشطاء تقوم بإرسال استشهاديين إلى إسرائيل. وتضيف أن أحد العناصر الرئيسية في قوة القاعدة الشعبية لحماس هو امتلاكها لشبكة أعمال خيرية واسعة قامت بسد الفجوات التي تخلفت عن تراجع وانهيار مؤسسات السلطة الفلسطينية أو فسادها.



وقال ماجنوس رانستورب الأستاذ بجامعة سانت أندروز في أسكتلندا: 'حماس حركة اندمجت عرضيا وطوليا في عمق نسيج المجتمع الفلسطيني. وهذا سوف يوحد كل فرد في المواجهة مع الإسرائيليين على كافة الاتجاهات'.



وكتب داني روبنشتاين في موقع صحيفة هاآرتس الإسرائيلية على شبكة الإنترنت: 'كلما وجهت إسرائيل ضربات لقادة وأعضاء حماس تزايدت شعبيتهم'. وتابع قائلا: 'وبالتبعية فإن حصانتهم تزداد ضد أي عمليات تقوم بها قوات الأمن الفلسطينية؛ نظرا لأن مثل تلك العمليات سينظر إليها فقط على أنها تواطؤ وخيانة لحساب إسرائيل'.



رحم الله قادة الانتصار ويسر لهذه الأمة اقتفاء آثارهم والثبات على طريقهم حتى يلقونهم فى عليين .





خالد السيد     khaled_elsayed 0@yahoo.com





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق