إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الخميس 26-جمادى الثانية-1433

الانتخابات الرئاسية الأمريكية 'جون كيري والديمقراطيون الجدد'
الخميس 19 اغسطس 2004

عادة ما يقوم العرب بتجيير مسؤوليّاتهم إلى من سيربح الانتخابات في البلدان الغربية, لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية, حيث يكون الجميع في انتظار الشخص الذي سيتبوأ كرسي الرئاسة على أمل أن يساعدهم في تحصيل حقوقهم أو على الأقل الوقوف على الحياد في صراعهم الدائر مع إسرائيل.


وعلى العموم فهذه النظرة لا تقتصر على الرؤساء والملوك العرب وإنما تطال شريحة واسعة من الناس, فنسمعهم يقولون: المرشح الفلاني متعاطف مع القضايا العربية, والمرشح الفلاني يهودي الأصل أو مؤيد لإسرائيل, ومرشح ثالث رافض للتدخّل في شؤون الدول العربية.... وهكذا.


ولعلّ كل هؤلاء فاتهم أنّ الأمر في نهاية المطاف لا يعود إلى الشخص نفسه من حيث دينه أو طائفته 'مسيحي بروتستانتي أو كاثوليكي أو من أصل يهودي', كما لا يعود إلى توجّهاته السياسية والاقتصادية 'جمهوري أو ديمقراطي', فالأمر يعود إلى طبيعة الأنظمة الديمقراطية الغربية التي تقودها اليد الخفيّة العالمية. ومن يدقّق بالأمر يرى أنّه لا فرق في الدول الديمقراطيّة بين ما يسمّى بالصقور والحمائم, ولا فرق بين ما يسمّى باليمين المتطرّف واليمين المعتدل والوسط وما إلى ذلك من المسمّيات والألقاب إلا في بعض الأمور التي لا تؤثّر على السياسة العامة للدولة, وإذا وجد الاختلاف مهما كان كبيرًا فهو يكون مدروسًا ويقع في خانة توزيع الأدوار لتحقيق دورة كاملة في السياسة الداخلية والخارجية كما سنشرح لاحقًا.


ففي الانتخابات الأمريكية الأخيرة قام العرب والمسلمون بجهود فاعلة وللمرّة الأولى بهذا الشكل المنظّم قدر الإمكان لاتّخاذ موقف شبه موحّد من الناخبين المرشّحين للرئاسة الأمريكية وتوصّلوا إلى دعم بوش ليس حبًّا فيه وإنما لأنّ خصمه آل غور كان داعمًا للتوجهات الصهيونية ومؤيدًا لها, وتمثّل ذلك بتعيينه نائبًا له اليهودي جوزيف ليبرمان. وبنفس هذا المنحى ذهبت الفضائيات العربية والكتّاب والمحلّلون راجين 'من الله' أن ينجح بوش في هذه الانتخابات كي يفوّت الفرصة على آل غور و نائبه اليهودي ليبرمان.


وبعد فوز بوش بكرسي الرئاسة وبعد أحداث 11 سبتمبر, حصل ما حصل واحتلّت أمريكا أفغانستان والعراق وشنّت حملة على الإسلام والمسلمين باسم الحرب على الإرهاب وأطلق بوش عبارته الشهيرة: 'إنّها حرب صليبية... ومن ليس معنا فهو ضدّنا', عندها فقط بدأت أقلام الكتّاب والمحلّلين في الحديث عمّا يسمّى بالمحافظين الجدد والاتجاهات الصهيونية داخل الإدارة 'البوشيّة' وعن المسيحيّة الصهيونية التي يمثّل الصقور في الإدارة الأمريكيّة 'ريتشارد بيرل, بول وولفووتز,...' وكأنّ الأمر يتعلّق بالأشخاص.


إنّ الأمر بعيد كل البعد عن الشخصيات, فهم ليسوا سوى أداة للمؤسسات الموجودة في صميم الأنظمة الديمقراطية الغربية ومنها جماعات الضغط واللوبيّات اليهودية الصهيونية التي أنشأت ودعمت الأنظمة الديمقراطيّة بحيث توصل الانتخابات أصوات الأقلّية لتكون فاعلة, وبالطبع فالأقلية هم اليهود النافذون ومن يتبعون لهم ماليًا أو فكريًا من الناس.


فإذا كانت المشكلة الآن في بوش وإدارته من حيث أيديولوجيتها فماذا نقول عن بلير؟ هل هو أيضًا مسيحي صهيوني أو من الصقور؟!! و ماذا نقول عن أثنار؟ هل هو من المحافظين الجدد أيضا؟!! وماذا نقول عن برلسكوني وهاورد و ... غيرهم من القادة الغربيين؟!!


ديمقراطيون, جمهوريون, صقور وحمائم, لا فرق بينهم إلا المسمّيات, بل على العكس ممّا يعتقد البعض, فقد يكون الديمقراطيّون والحمائم أسوأ من غيرهم من الجمهوريين والصقور, ذلك أنّ هؤلاء الأخيرين يتصرّفون بشكل مكشوف ومتعجرف, بينما يلتهم الحمائم فريستهم بثياب الحمل الوديع والكّف الحريرية التي تشوش أفكار ومواقف كثير من الناس.


فعلى سبيل المثال قامت الولايات المتّحدة في عهد الديمقراطي كلينتون بقصف السودان ومحاصرتها اقتصاديًا وتمّ قصف أفغانستان وتمّ محاصرة العراق بالعقوبات اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًّا و عسكريًا وتمّ قصفه عام 1997, وقامت بتدخل في الصومال بثلاثين ألف جندي من القوات الخاصة والجيش والحلفاء, وقامت بحرب كبيرة على يوغوسلافيا وباجتياح هاييتي, ورفضت إدارة كلينتون التصديق على اتفاقية التحقق من الأسلحة البيولوجية ومعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، واتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية والمعاهدة الدولية لحظر الألغام الأرضية وغيرها من الأعمال التي قام بها ممثلو الحزب الديمقراطي في سدّة الرئاسة الأمريكية والتي لا تقلّ سوءًا عمّا يقوم به بوش وأعوانه والتي سنذكرها في سياق هذه الدراسة.


ومن هذا المنطلق سنتكلّم عن المرشح للرئاسة الأمريكية السناتور جون كيري لدعم وجهة نظرنا قبل إمكانية وصوله إلى سدّة الحكم.


 من هو جون كيري؟:


- من مواليد 11 كانون الأول/ ديسمبر 1943.


- والده ريتشارد جون كيري ووالدته روزماري فوربيس كيري. منحدر من عائلة أرستقراطية في دينفر 'كولورادو', عُرفت بباعها الطويل في الميدانين السياسي والاقتصادي.


- من سكان بوسطن التي اختارها مكانًا لسكن العائلة والعمل.


- حاز على شهادة الليسانس 'BA' من جامعة Yale عام 1966.


- وشهادة الدكتوراه 'JD' في القانون من جامعة بوسطن عام 1976.


- متزوج من تيريزا هاينز وله بنتان, ألكسندرا وفنيسا.


- التحق بالبحرية الأمريكية بعد التخرج كقبطان زورق سريع, ثم شارك في حرب فيتنام في مجاله العسكري, فحاز على عدد من الأوسمة كوسام النجمة الفضية ووسام النجمة البرونزية والقلب البنفسجي لثلاث مرات متتالية.


- عمل مساعد مدعٍ عام في ولاية ماساشوسيتس قبل أن ينتقل لممارسة المحاماة في مكتب 'كيري' و'سراجو' في ذات الولاية بين عامي 1976 و1979 حيث أصبح محاميًا مرموقًا.


- عام 1982 انتخب حاكمًا ثم عضوًا في مجلس الشيوخ عام 1984. وأعيد انتخابه كعضو في مجلس الشيوخ عامي 1990 و1996 بعد هزيمتين متتاليتين أنزلهما بخصمه الجمهوري في حينه وليام ويلد الذي كان يحظى بدعم وتأييد الرئيس الأسبق رونالد ريغان.


- يشبهه الأمريكيون بالرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي لما بينهما من صفاتٍ وكفاءاتٍ متقاربة. والاثنان انحدرا من ذات الولاية.


و من المفارقات أيضًا أنه كاثوليكي المذهب مثل جون كنيدي وهو ما قد يسبب له مشكلة في الانتخابات الرئاسية كونه لم يصل أي كاثوليكي إلى كرسي الرئاسة الأمريكية سوى جون كيندي وبفارق قليل من الأصوات واغتيل فيما بعد.


لكن ما يساعد كيري على تخطّي هذه العقبة هو الأصل اليهودي لجدّه في النمسا, إلاّ أنّ البعد اليهودي الفعّال والإيجابي في حياة جون كيري يعود إلى شقيقه كامرون كيري، الذي اعتنق الديانة اليهودية قبل زهاء عقدين، ونشط ولا يزال في الوسط اليهودي الأمريكي، مهنيًا واجتماعيًا. فكامرون كيري، ذو العلاقات الواسعة مع العديد من الشركات والمؤسسات الإسرائيلية، هو أيضًا أحد أقرب المقربين إلى جون كيري، بل إنه يتولى مسؤولية رئيسة في حملته الانتخابية وفي توفير الاستشارات السياسية له.


ووصف إعلان تقف وراء تمويله جماعة 'Citizens United' والذي تبلغ مدته 30 ثانية، المرشح كيري بأنه 'ثري ليبرالي من النخبة آتٍ من ماساشوستس، يزعم أنه فرد من الشعب'.


وجاء شكل الإعلان مشابه لبطاقة 'ماستركارد' الائتمانية والذي يدرج مصاريف السيناتور الثري بشكل تسلسلي، متضمنًا وصفًا لليخت الذي يملكه 'والذي يصل طوله إلى 42 قدمًا' و'أملاك عقارية بحرية تقدر قيمتها بـ 30 مليون دولار'، قبل أن توصف 'مزاعم' السيناتور بأنه واحد من الناس، بأنها 'مزاعم لا تقدر بثمن'.


 جون كيري والديمقراطيون الجدد:


أربكت مقولة المحافظين الجدد المتابعين للشأن السياسي الأمريكي كثيرًا إلى الحد الذي اعتقد البعض فيه أنّ المصطلح يشير إلى فريق من الجمهوريين ممن تبنوا رؤية يمينية جمهورية هي الأكثر تشددًا وشططًا ليس إلا. ويشوش مثل هذا الفهم على تاريخية ونشأة هذا المفهوم والذي يرتكز على أرضية أعرض في الفكر السياسي الأمريكي من تلك الدائرة في فلك الجمهورية الأمريكية سواء بتقسيماتها المذهبية بين محافظين دينيين أو اقتصاديين وسياسيين أو من الزاوية العملية بين انعزاليين وتدخليين ووسطيين، يتحتم القول هنا أن مفهوم المحافظين الجدد في الأدبيات السياسية الأمريكية هو مفهوم فوق حزبي، يشار به إلى رؤية ونهج وتبني لمجموعة سياسات ومسيرة تتعدى إطاري التنافس الجمهوري والديمقراطي الأمريكيين. لذلك لا بدّ من أن نشير إلى أنّ ما يسمّى بالمحافظين الجدد أو صقور الجمهوريين هم في حقيقة الأمر من الديمقراطيين.


فالعلاقة بين المحافظين الجدد و الحزب الديمقراطي الأمريكي هي علاقة تاريخية, فمن زاوية الانتماء التنظيمي المباشر, ظهر المحافظون الجدد من خلال مجموعة صغيرة ليبرالية يهودية ممن عملوا تحت الدعاية المباشرة للسيناتور الديمقراطي «هنري سكوب» في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات وحددت لنفسها مميزًا مع سكوب عن باقي التحالفات الديمقراطية واليسارية هو العداء الشديد جدًا للشيوعية والدعوة إلى الإنفاق بلا حدود على ميزانيات العسكرة الأمريكية. و قد استمرت العلاقة بين الحزب الديمقراطي والمحافظين الجدد حتى بعد انتقال الأخيرين إلى مرافئهم الطبيعية في صفوف الجمهوريين بعد ظهور شعاراتهم الصقورية, وتميّز هؤلاء بمواقفهم من السياسة الخارجية, بينما ظلت مواقفهم الداخلية عادية, حتى إن البعض وصف حيثية وجودهم ـ الأساسية بأنها حيثية خارجية، وظلوا إلى اليوم يملكون هذه الحيثية حتى بعد أن جروا معظم القوى السياسية الأمريكية إليها، إذ ظلوا في هذه الحال الأعلى والأقوى صوتًا، ولم تكن هذه التأثيرات في عز وجودهم داخل الصفوف الجمهورية وقيادتهم لها حزبية بالمرة وإنما أنشطة ثنائية الطابع أو شبه قومية ومثال ذلك مشروع القرن الأمريكي ومعهد أميركان إنتريرايز والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي ومركز السياسات الأمنية ومعهد هوستون ومجلات كومنتري وناشيونال ريفيو وويكلي ستاندرد ونيوديبيبلك وناشيونال إنترست وبابلك إنترست.


و على العموم وبعد انتقال المحافظين الجدد من الصف الديمقراطي إلى الجمهوري قام الديمقراطيون باستنساخ أو إنتاج خامات أخرى شبيهة بهم مع احتفاظهم بعلاقة مميزة معهم عن طريق إنشاء ما يعرف باسم مجلس القيادة الديمقراطي. و تعرف هذه الخامات الجديدة باسم 'الديمقراطيون الجدد'.


وهناك تشابه كبير بين رسالة فريق بوش من المحافظين الجدد ورسالة نظرائهم - الديمقراطيين الجدد - في الحزب الديمقراطي. فقبل انتخاب بوش بقليل في العام 2000 نشر المحافظون الجدد وهم يشكلون مجموعة الضغط الرئيسة بالنسبة للرئيس بوش، مخططهم الأيديولوجي المعروف باسم 'مشروع القرن الأمريكي الجديد' وهو الذي يدعو لمنع ظهور أية قوة منافسة للولايات المتحدة ولتشكيل نظام الأمن الدولي بما يتوافق مع المبادئ والمصالح الأمريكية, لقد تبنت إدارة الرئيس بوش كل توصيات العدوان والغزو التي نادى بها ذلك المشروع. بعدها بعام واحد نشر معهد السياسة التقدمي - وهو ذراع مجلس قيادة الحزب الديمقراطي - بيانًا جاء في 19 صفحة 'للديمقراطيين الجدد' وهم كل المرشحين الرئيسين للحزب الديمقراطي وخصوصًا جون كيري. ودعا هذا البيان إلى الممارسة الصريحة للقوة الأمريكية كي تكون قلب الاستراتيجية الديمقراطية الجديدة والقائمة على 'الدولية العضلية' muscular internationalism كتقليد يؤمن به الحزب الديمقراطي. وهذه الاستراتيجية كما يصفها نص البيان سوف 'تجعل الأمريكيين أكثر أمنًا عما يحققه لهم الجمهوريون بسياستهم المنفردة، والتي عزلت الولايات المتحدة عن حلفائها الطبيعيين وأرهقت مصادرها، فنحن الديمقراطيين نهدف لإعادة بناء الأساس الأخلاقي للقيادة الأمريكية العالمية'.


و قد ذكر جون كيري في كتابه 'نداء الخدمة / رؤيتي من أجل أمريكا أفضل', الذي أصدره كوسيلة للتعريف ببرنامجه الانتخابي وبالخطوط العريضة لسياساته الداخلية والخارجية التي سوف يتّبعها إذا ما انتخب رئيسًا, ذكر بأنه يستلهم في سياساته الخارجية نفس الخط الذي سلكه الرؤساء الأمريكيون الديمقراطيون أمثال ولسون وروزفلت في فترة الحربين العالميتين وترومان وكنيدي بعد الحرب العالمية الثانية, كما وأنه اقتبس نفس الكلمات التي وردت في بيان 'الديمقراطيين الجدد' السابق وأوردها في كتابه ويقول فيها: 'نحن الديمقراطيين الجدد نفتخر بتقليد حزبنا الذي يتبع أسلوب التفكير الدولي الخشن والصلف والذي كان له سجل مشرّف في الدفاع عن أمريكا. فالرؤساء ويلسون وروزفلت قادوا الولايات المتحدة إلى النصر في حربين عالميتين وسياسات ترومان أدّت في النهاية إلى النصر في الحرب الباردة والرئيس كنيدي لخّص التزام الولايات المتّحدة في تلك الكلمات بقاء ونجاح الحرية'.


و لكننا نستطيع أن نتبين إذا كانت سياسة الديمقراطيين أفضل من الجمهوريين على الصعيد الخارجي من خلال استعراضنا لتاريخ هؤلاء القادة الذين يتمثل جون كيري بهم. فبالنسبة إلى 'ويلسون', فقد كان من أوائل الذين قالوا بأنّ الله قد اختار الولايات المتّحدة كي تظهر الطريق لبقية العالم وترشدهم إلى درب الحرية, ويعتبر المؤسس لفكرة الإمبريالية الأمريكية و يعتبر مخطئًا من اعتقد أنّ ريجان هو أول من روّج لفكرة الولايات المتحدة المختارة من قبل الله لمساعدة البشرية وإرشادها. أمّا 'روزفلت' فقد كان يمثّل الرؤية العسكرية الإمبريالية الأمريكية لحكم أمريكا اللاتينية و شرقي آسيا الأقل مستوى عرقيًا. أمّا 'ترومان' فقد كان مؤسس العسكرية الأمريكية ودولة الأمن القومي عبر تشكيل وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي وقد خوّل قواته التدخل في أي مكان في العالم من أجل حماية 'الاقتصاد الحر', كما أقامت إدارة ترومان عام 1945 البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهما يعتبران الآن من أهم أذرع الولايات المتّحدة في السيطرة على العالم. وبالنسبة إلى 'جون كنيدي' فقد تمّ تحت ولائه المعهود للحرية قتل حوالي 3 ملايين شخص في الهند الصينية, وأصبحت القوات الخاصة الأمريكية فيما بعد من أشهر فرق الموت التي باتت معروفة في العالم.


فهؤلاء هم أشهر الرؤساء من الحزب الديمقراطي و تلك هي سياساتهم فمن أسوأ بالله عليكم؟!!


 جون كيري وجورج بوش:


في الحقيقة إنّه لمن العار وفي دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية و تدّعي أنها تطبّق النظام الديمقراطي وفي ظل وجود طفرة في النخب الثقافية والسياسية والعلمية, أن لا يكون هناك مرشحون لمنصب الرئاسة مختلفين في البرنامج على الأقل!! سيقول البعض: هذا غير صحيح, والدليل أنّ كيري هو الوجه المناقض لبوش وسياسته العدوانية التاريخية, وهذا أيضًا تحليل خطأ؛ إذ إنّ ما يظهر في العلن يختلف عمّا يحاك في الكواليس, كما أنّ كيري أسوأ من بوش أو مساوٍ لسوئه على الأقل.


فعلى الصعيد الشخصي كلاهما خرّيج جامعة 'ييل' الأمريكية وينحدر من أصول ثرية ولهما نفس الخلفية وهما عضوان في جمعية سرية أمريكية تدعى باسم 'العظمتان والجمجمة' وهي تختار كل عام 15 طالبًا من صفوة الطلبة في جامعة 'ييل' العريقة, ولا يتجاوز عدد الأعضاء الأحياء اليوم من هذه الجمعية 800 شخص, منهم نحو 250 شخصًا يحتلون مواقع مهمة في الإدارة الأمريكية والكونغرس, والباقون يديرون مصارف وشركات ضخمة وأجهزة إعلام، ومنذ التخرج من الجامعة تتغير طرق الاتصال بين أعضاء الجمعية. وكون المتنافسين على منصب الرئيس في الانتخابات القادمة تجمعهما رابطة تنظيمية من هذا النوع يعني أن بينهما مساحات اتفاق تفوق مساحات الاختلاف.


أمّا على الصعيد السياسي فقد أيّد كل المرشحين الديمقراطيين للرئاسة الأمريكية بمن فيهم جون كيري غزو العراق باستثناء هاورد دين, حتى أنّ جون كيري لم يكتف فقط بالتصويت لصالح الغزو بل إنه لم يطالب أبدًا بشكل عملي 'وليس بالقول' بإنهاء الاحتلال الدامي للعراق, بل دعا لإرسال مزيد من القوات للعراق, كما أيّد كيري غزو بوش وعدوانه الدائم على أفغانستان, وأيّد سيطرة أمريكا على دول أمريكا اللاتينية وإن كان ذلك على حساب الديمقراطية في فنزويلا وهاييتي, كما لم يعارض فكرة الانتشار العسكري الأمريكي في كافة أرجاء العالم والتي وصلت القواعد الأمريكية فيه أكثر من 750 قاعدة عسكرية.


أمّا على الصعيد الوطني العسكري, فإذا كان بوش هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية المسؤولة عن مذابح ومجازر القرن الجديد التي لم يسبق لها مثيل, فإن جون كيري يعتبر بطلاً قوميًا من أبطال حرب فيتنام أو هكذا يروج لنفسه, و هو تراه تارة مع تلك الحرب عندما يفيده استغلالها إعلاميا وتارة ضدّها إذا شوّهت سمعته, وهو في كل الأحوال يعلّق أوسمته متباهيًا على جدران مكتبه ويقول: 'لا يمكن أن أوافق مع أولئك المنضوين تحت لواء الحركة المناهضة للحرب الذين وصموا جنودنا بأنهم مجرمو حرب أو بأنّ بلدنا هي الشخصية الشريرة في هذه الدراما'.


و بناءً عليه فما هي أوجه الاختلاف هنا بين خطاب بوش وخطاب كيري؟ في الحقيقة لا فرق, إنها فقط النبرة التلطيفية واليد المخملية للديمقراطي جون كيري, وفيما عدا ذلك لا فرق, بل إنّ هذا الاختباء للذئب وراء قناع الحمل الوديع لهو أخطر من بوش وعصابته لأنه يأخذك على حين غرّة.


 مواقف جون كيري من إسرائيل والعرب:


في الحقيقة وكما خلصنا من الاستنتاجات السابقة فسياسة جون كيري تكاد تشبه سياسة جورج بوش إلى حد بعيد, فعدا عن كون عائلته من أصول يهودية, وعدا عن كون شقيقه يعتبر من اليهود النافذين والمتمولين في الولايات المتحدة الأمريكية بحيث يقع على عاتقه مسؤولية نجاح أو فشل حملة كيري الإعلامية للرئاسة فإن موقف كيري من اليهود ومن إسرائيل بالتحديد هو موقف مساند ومؤيد, بل ومتحيز وإن حاول كيري إظهار عكس ذلك في حالات نادرة. فجون كيري وافق على خارطة الطريق من الناحية الأمنية, بمعنى القضاء على المقاومة الفلسطينية بوصفها إرهابًا, وهو لا يعترف بعرفات ممثلاً شرعيًا منتخبًا للفلسطينيين, ويطالب بتنحيته وتهميشه بوصفه عقبة أمام السلام 'الاستسلام' مع الإسرائيليين وكأنه يتكلم بلسان شارون, و هو يرى ضرورة الدفاع عن إسرائيل والحفاظ على أمنها واستقرارها باعتبارها أقرب الأصدقاء والحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية, وعندما لم يكن قد أصبح مرشحًا رسميًا للحزب الديمقراطي اعتبر الجدار العازل خطوة إسرائيلية شرعية!! وعندما أصبح مرشحًا للفوز بالرئاسة أكثر ذلك من خلال معارضته الشديدة إحالة الموضوع إلى محكمة العدل الدولية.


أمّا موقف كيري من العرب فهو سلبي خاصة فيما يتعلق بدول الخليج أو المملكة العربية السعودية بشكل خاص, على اعتبار أنّ هذه الدول من الممكن أن تشكل خطرًا على الأمن القومي الأمريكي خاصة فيما يتعلق بالنفط وتوابعه وما يمكن أن يشكله من تهديد اقتصادي وأمني كبير جدًا على الولايات المتحدة الأمريكية وهو في هذا يقول: 'عندما يكون 65% من مخزون النفط العالمي في الخليج و 3% فقط في الولايات المتحدة فإنه لا يمكننا أن نكون مستقلين'. لذلك فكيري يطرح فكرة الاستغناء عن النفط العربي فيقول: 'يجب ألا يبقى الأمريكي رهينة لاعتماد الولايات المتحدة على نفط منطقة الشرق الأوسط, فخطتي تهدف لجعل أمريكا مستقلة كليًّا عن الاعتماد على نفط الشرق الأوسط في غضون عشر سنوات'.


لكن هل تعلمون كيف سيستغني كيري عن نفط العرب؟ عبر خطوتين أساسيتين: الأولى: تهدف إلى إفراغه باستنزافه عبر الضغط الشديد على منظمة أوبك وليِّ ذراعها وإنهاء سيطرتها على الإمدادات النفطية ومطالبتها بزيادة الإنتاج بشكل جنوني ودون قيود, يتبعه انخفاض في الأسعار وانخفاض في المخزون. أمّا الخطوة الثانية: فهي محاولة الاعتماد على بديل يتمثّل في الهيدروجين ليحل محل النفط مستقبلاً.


 هل سيصبح كيري رئيسًا لأمريكا؟


الخبرة التاريخية تقول: إن الرؤساء الأمريكيين دأبوا على الفوز بفترة رئاسة ثانية إذا رشحوا أنفسهم, ولكن الاستثناء يكمن في ثلاثة رؤساء أخفقوا في الفوز بفترة رئاسة ثانية خلال الأربعين الأعوام الأخيرة وهم ريتشارد نيكسون في أعقاب فضيحة ووترجيت، وجيمي كارتر في أعقاب تدهور الاقتصاد الأمريكي وأزمة الرهائن الأمريكيين في إيران، وجورج بوش الأب بسبب الكساد الاقتصادي رغم انتصاره في حرب تحرير الكويت.


إلا أنّ استطلاعات الرأي فيمل يتعلق ببوش وكيري ما تزال تشير إلى الآن بشكل متوازن إلى الطرفين, ولكن نجاح كيري لا يعتمد على أصوات مؤيديه في حقيقة الأمر بقدر ما يعتمد على فشل بوش, ومصيره في السباق الرئاسي تحدده عوامل عديدة قد تتحكم بالانتخابات الأمريكية بشكل مباشر أو قد يكون لها تأثير غير مباشر لكنها تؤدي في نهاية المطاف إلى فشل بوش وبالتالي نجاح كيري, و من هذه الأطراف المؤثرة:


1- القاعدة وأنصارها: إذ تستطيع القاعدة لو أرادت و لو نجحت سواء في العراق أو غيرها من الأماكن وعبر عملية واحدة كبيرة توقع عددًا كبيرًا من الخسائر في صفوف الأمريكيين أن تؤدي إلى فوز كيري في الانتخابات بعدما تبين عدم قدرة بوش على حماية مواطنيه وعلى عدم قدرته على القضاء على ما يسمى بالإرهاب كما حصل في أسبانيا تمامًا.


2- الوضع الداخلي الأمريكي: المتعلق بالمجمع الصناعي العسكري وكبار المحتكرين وأصحاب رؤوس الأموال والشركات الاستثمارية والنفطية, بمعنى أنه إذا رأى كل هؤلاء بأن الوقت قد حان للاستفادة من الحروب التي شنت من أجل إفساح المجال لتدفق السلع والاستثمارات ورؤوس الأموال والعقود للشركات النفطية والإعمارية والتصديرية, فإنّ فوز كيري والديمقراطيين في الانتخابات هو أمر حتمي, أمّا إذا رأى كل هؤلاء أنّ الحاجة ما زالت ملحّة لإنتاج مزيد من الأسلحة ولفتح مزيد من الأسواق المغلقة ولتغيير مزيد من الأنظمة ولتكسير مزيد من الحواجز فإنّ فوز بوش والجمهوريين سيغلق الطريق على كيري وأعوانه. هذه المعادلة هي ما أسمّيه بالدورة الكاملة.


تجدر الإشارة إلى أنّ الاتحاد الأوروبي قد ساعد في الآونة الأخيرة وبشكل مباشر في رفع رصيد بوش الانتخابي وذلك بإنجاح قمّة الدول الثماني الكبار G8 الأخيرة التي انعقدت في أمريكا حيث استغلت وسائل الدعاية والإعلام نجاحها وحوّلت رصيدها بالكامل لدعم شخصية بوش وسياساته في الحملة الانتخابية, كما أنّ الأوروبيين انتشلوه مرّات عديدة من مأزقه في العراق وكان آخرها موافقتهم على تمرير المشروع الأمريكي في مجلس الأمن والمتعلق بالعراق ونقل السيادة.... إلخ.


وفي الختام, نقول: إنّه ليس من واجبنا أن نؤيد أحدًا في الفترة الراهنة وإن كنت أميل إلى جانب بوش في حملته الانتخابية لأنّه لو نجح في دورة ثانية فإنه سيدفع الولايات المتحدة إلى الانهيار, ونحن كعرب وكمسلمين ليس من مصلحتنا انتشال أمريكا ممّا هي فيه أو مساعدتها على الخروج من محنتها و تأييد المرشح الديموقراطي جون كيري.


 


بقلم: علي حسين باكير


 





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق