إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الخميس 26-جمادى الثانية-1433

الإسراء والمعراج نصر من الله وتأييد
السبت 11 سبتمبر 2004

مفكرة الإسلام : بعد أيام تظلنا ذكرى عطرة هي ذكرى الإسراء والمعراج ؛ والمسجد الأقصى المبارك لا زال يتعرض لخطر داهم ؛ والشعب الفلسطيني سادن المسجد الأقصى المبارك لا زال يتعرض هو الآخر لعدوان غاشم ؛ يستغيث بالأمة ويستنصرها ، ولكن هيهات أن يسمع صدى لصيحات الأيامى واليتامى والثكالى ؛ أو إجابة لنداء الشيوخ الركّع السجود . فحريٌّ بنا اليوم بعد أن خاب رجاؤنا من أمة يخيّم عليها صمت القبور ؛ أن نستلهم من وحي هذه الذكرى التأييد الرباني نستمد منه العزيمة والصبر والثبات ؛ نتأسى بصاحب المعجزة ونتلمس خطاه ؛ نثبُتُ على الحق كما ثبت ؛ لا نبالي بالمحن والشدائد كما لم يبالِ ؛ نتوجه إلى ربنا كما توجه إليه يوم أن ضاق أهل الأرض بدعوته في الطائف كما ضاقوا بها في مكة ، ويوم أن افتقد المعين والنصير؛ إذ توفي عمه أبو طالب وزوجه خديجة رضي الله عنها من قريب ؛ فناجى خالقه بكلمات قلبية رقيقة ' اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ؛ يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي ؛ إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ؛ غير أن عافيتك هي أوسع لي ؛ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك ؛ لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله ' رواه الطبراني .
فما أحوجنا وقد عظمت المحنة إلى مصدر القوة والنصر ؛ إليه نلجأ ومنه نطلب وعليه نتوكل وبه نستجير؛ كما لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم واستجار ؛ فرب العزة سبحانه لا يخذل عبده ولا يُسلِمُهُ لمن آذاه ؛ فأيّده من ساعته بالملائكة لتكون رهن إشارته ولتستأذنه بإهلاك من آذاه عاجلاً لو أراد ؛ قال صلى الله عليه وسلم ' ناداني جبريل فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ؛ فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين – أي الجبلين – رواه البخاري ؛ لكنه صلى الله عليه وسلم وهو المبعوث رحمة للعالمين يقول ' بل أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ' رواه البخاري . وما هي إلا سنين معدودة حتى تحقق رجاؤه فكانوا من المسلمين .
أما الدعم الأعظم والإسناد الأقوى فكان بالإسراء ؛ رحلة أرضية بين مسجدين مباركين ؛ سجلها صريح القرآن القطعيّ في آياته الكريمة ؛ ورواها الصحابة في كل أقطار الإسلام بالتواتر ؛ فكانت جزءاً من العقيدة يكفر منكرها ، وكان كذلك بالمعراج الذي سجل الحديث النبوي وقائعه وعرض طرفاً من غيب أخباره ؛ رحلة سمت به وارتفعت من الأرض إلى العالم العلوي والملكوت الإلهي ؛ فبلغ ما لم يبلغه أحد إذ جاوز البيت المعمور وسدرة المنتهى ؛ فهناك توقف جبريل وارتقى محمد صلى الله عليه وسلم درجة أقرب إلى عرش ربه ' ودنا من الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه ما أوحى ' رواه البخاري ؛ فمن هناك رجع صلى الله عليه وسلم بهدية ثمينة لأمته ؛ خمس صلوات عدلت خمسين في الأجر والثواب ؛ قال تعالى ' ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ' النجم 8-10 ؛ فهذا تعبير عن منتهى القرب ؛ وما ذاك إلا ليتلقّى منه الزاد للمرحلة القادمة وأعبائها ؛ بعد أن هيأه ربه لهذا اللقاء السَّنِيِّ بنزع حظ الشيطان منه ؛ إذ أن ' جبريل تولاّه فشق صدره وغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه وملأ صدره إيماناً وحكمة ' رواه البخاري ، وكأن الله جل جلاله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم : إن ضاقت بك الأرض فلن تضيق بك السماء ؛ وإن كذبك أهل الأرض فلك التصديق من الملأ الأعلى في السماء ، وإن أساء أهل الأرض استقبالك فسيحتفي بك من السماء .
فرحلة الإسراء والمعراج من مكة إلى بيت المقدس ومنها إلى السماوات العلا بالروح والجسد في لحظة لا تخضع لحسابات الزمان والمكان عند البشر ، انكشفت فيها الحجب والأستار عنه صلى الله عليه وسلم ؛ فرأى من آيات ربه رؤية تَثَبُّتٍ ويقين جازم ومشاهدة محققة ' مَا كَذَبّ الفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ' النجم 11-12 ، فرؤية الفؤاد أصدق وأقوى وآكد لأنها تنفي خداع النظر ولا تحتمل الشك أو الظن ؛ بل اتصال بالحقيقة التي عاينها بوضوح ، فكانت الرحلة حدثاً عظيماً يمثل معجزة جديدة للرسول صلى الله عليه وسلم إضافة إلى معجزاته العديدة ؛ تشهد على صدق دعوته وتدل بشكل قطعي على نبوته ، ونقلة عجيبة غريبة لكنها واقعية وإن لم يألفها البشر ؛ فسارع كفارهم إلى السخرية والتهكم ؛ قال صلى الله عليه وسلم ' لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلا الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه ' رواه البخاري ؛ وليس هذا بالموقف الغريب أو الجديد منهم وهم الذين كذبوا بخوارق رأَوْها بأعينهم ؛ وآيات تَحَدَّتْهُم فأعْجَزَتْهُم وهم أربابُها وخبراؤها ؛ قال تعالى ' وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ' البقرة 23 ، ومثلهم ضعاف الإيمان الذين ارتدوا إثر سماعهم خبرها . لكن أصحاب القلوب المؤمنة يوقنون أن شيئاً لا يستحيل أمام قدرة الله تعالى ولا يُستغرب ؛ فما كان منهم إلا التصديق المطلق ؛ قال تعالى ' فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا ' التوبة 124 ؛ فهذا أبو بكر رضي الله عنه رد من فوره دون تردد لئن قال لقد صدق ؛ فإني لأصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء .
فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يمنح رسله معجزات تخترق النظم الكونية ؛ وتفوق قدرات البشر وتخالف ما اعتاده الناس ؛ إثباتاً لرسالتهم وتأييداً لهم وحجة على الناس وتحدياً للمنكرين منهم ، لذلك فالمعجزة الثابتة جزء من العقيدة ؛ وتصديقها فريضة إيمانية يكفر منكرها .
وإننا على يقين بأن فرج الله آت لا محالة مصداقاً لقوله تعالى ' وَكَانَ حَقَّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين ' الروم 47 ومصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم ' لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك ' قالوا يا رسول الله وأين هم ؟ قال : ' ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس' رواه أحمد .


 


بقلم الشيخ تيسير رجب التميمي/قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي


 


 





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق