إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               السبت 19-ربيع الأول-1433

التاسع من إبريل .. سقوط الأقنعة
السبت 09 ابريل 2005

مفكرة الإسلام : بداية أود أن أعتذر لأمي الحبيبة عن قولي 'سقطت بغداد'، فلقد عاتبتني بشدة عندما أخبرتها أنني سأكتب عن الذكرى الثانية لـ 'سقوط بغداد'، وقالت: كيف تقول سقطت بغداد، والأمريكان هم الذين سقطوا، فالأسود لا يسقطون......



هكذا لخصت أمي الحبيبة ورفضت بكل بساطة ما يحاول دهاقنة السياسة ومروجي الإعلام في الزمن الأمريكي أن يفرضوه على عقولنا، رغم الزعم بأنهم المبشرين بحرية الرأي والتفكير وأنهم حاملي لوائها، وإطلاق العنان للعقل لاستنتاج الحقائق، أو هكذا يزعمون.



ويبدو أن وجه استنكار أمي الحبيبة لمقولة 'سقطت بغداد' هو ما تعرضه وسائل الإعلام ـ على استحياء ـ من مستنقع ظن الأكلة أنه اللقمة الجديدة من القصعة الكبيرة.



فأكثر الناس سذاجة لا يحتاج لكبير جهد لاستنتاج ما يعانيه جيش الاحتلال الأمريكي في مستنقعه، فهذا النذر اليسير مما يتسرب عن عمليات المقاومة المتصاعدة والمتطورة بشكل أكثر عمقًا وبطبيعة الحال أكثر إيلامًا، فضلا عن كونه مستنقعًا بحد ذاته، فهو أيضًا كافيًا لتخيل الوضع في حال نشر الحقيقة كاملة.



وانطلاقًا من هذا، فمن العبث الحديث أو محاولة إثبات ما يعانيه جيش الاحتلال الأمريكي في العراق، فهذا مثل قول أحدهم:



وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل



وإذا أصر البعض على الدليل فدونهم شارع حيفا وسط بغداد فليسألوه، أو مقر قيادة الاحتلال والحكومة المعينة من قبله في المنطقة الخضراء، والتي لم يبقى من اسمها حتى لونها، حتى أنه قد ظهرت اقتراحات ساخرة بتغيير اسمها إلى المنطقة الحمراء، لتتناسب مع السمة البارزة لها هذه الأيام من كثرة تعرضها للقصف.


وحفاظًا على مشاعر الاحتلال الأمريكي والموالين له، فلن نذكر اسم تكريت، أو نضغط على أعصابهم أكثر ونقول الرمادي وسامراء، وحتى لا نتحمل المسؤولية القانونية لما سيحدث لهم، فلن نقول الفلوجة.



وتنازلاً ـ مع تجديد الاعتذار لأمي الحبيبة ـ سنقول مر عامان على 'سقوط بغداد'، ولا يخفى على أحد ما شهدته خلالهما المنطقة العربية باعتبارها قلب الأمة الإسلامية، من تغيرات وتحولات من السذاجة القول بأنها دراماتيكية أو مفاجأة، فمن نافلة القول في هذا الصدد التذكير بالتخطيط الأمريكي المدروس، فمراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الأمريكية تعمل على قدم وساق منذ زمن في رسم تلك الخطط والبدائل المطروحة، والمعوقات المنتظرة وسبل التغلب عليها.



كما أنه من الإجحاف القول بأن هذه الخطط والدراسات قوبلت بتغافل وعدم اكتراث من جهة المسلمين، فهناك العديد مما نحسبهم مخلصين من أبناء هذه الأمة ظلوا ومازالوا يصرخون تنبيهًا من الخطر القادم، محاولين وضع بعض الطرق المضادة، فضلا كون مجرد ترجمة تلك المخططات المنشورة علنًا كان كافيًا لأخذ الحيطة، ولكن:



قد أسمعت لو ناديت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي



وفي هذه الأسطر القليلة القادمة، نحاول تملس بعضًا من ظواهر تلك التغيرات والتحولات، التي لم تكن كما ذكرنا مفاجأة، ولكنها تسارعت بعد 'سقوط بغداد'، ومن أهمها أن هناك العديد من الأشياء قد سقطت مع 'سقوط بغداد'، بعضها سقط مباشرة وأخرى تساقطت مع مرور الوقت، نشير إليها بشكل موجز:



بسقوط بغداد ومنذ بدأ العدوان الظالم على الشعب العراقي سقطت ما تسمى بـ 'الشرعية الدولية' وما ينبثق عنها من أمم متحدة ومجلس أمن وما شابه ذلك، فمن المعلوم أن أمريكا شنت الحرب دون موافقة من هذه المؤسسات الهزلية ، والتي يبدو أن بوصلتها مصممة باتجاه الدول الإسلامية فقط، فالتواجد السوري في لبنان بالاتفاق بين البلدين هو جريمة استحقت انتفاضة دولية عارمة، أما العدوان الغاشم على أطفال العراق فلعب الجميع دور الشيطان الأخرس بكل جدارة.



أول من سقط بٌعيد السقوط المزعوم لعاصمة الرشيد، هو الاحتلال الأمريكي ذاته، فكما سقطت هيبة جيش اليهود 'الذي لا يقهر' في أول 6 ساعات من حرب العاشر من رمضان، سقطت القوة 'الهوليودية' لزعيمة العالم في اليوم التالي مباشرة لمسرحية إسقاط التمثال في قلب بغداد، حيث انطلقت أولى عمليات المقاومة يوم 10/4/2003 [بحسب أول بيان للمقاومة نشرته القدس العربي 22/4/2003]، وتتداعي سريعًا صورة الفلاح العراقي وبندقية الصيد المتهالكة التي أسقطت الأباتشي الأمريكية قبيل الغزو.



بالطبع سقطت الدعاوى والأكاذيب الأمريكية والحجة الرئيسة لغزو العراق، فتقارير الاستخبارات الأمريكية والبريطانية تتوالى فضائحها في الآونة الأخيرة لتأكد عدم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وإن كانت تصف ذلك بمجرد 'أخطاء' في التقديرات وجمع المعلومات.



كما سقطت الحجة الثانية لغزو العراق، حيث بشر الرئيس الأمريكي بوش بتخليص العراق من الديكتاتورية ونشر الحرية وحقوق الإنسان، إلا أن فضائح سجن أبو غريب واعتقال أمهات وأخوات رجال المقاومة، تشير إلى حقيقة حقوق الإنسان التي بشر بها بوش.



الأنظمة العربية وهي الساقطة بالأساس أمام شعوبها، ازداد انحدارها وانكشفت تمامًا، ولم تعد قادرة حتى على الحفاظ على مناصبها التي قاتلت فقتلت شعوبها من أجلها.



سقطت بدورها الأقعنة، فالطابور الخامس أسفر عن وجهه القبيح تمامًا، وأصبح مشهد دخول 'الجلبي' على ظهر الدبابة الأمريكية هو الرمز والغاية الكبرى، وتجلى الأمر بصدور بتزعم 3 من غلاة العلمانيين الجدد لتوجيه بيانًا إلى الأمم المتحدة تحت قيادة واشنطن، يطالبون فيه بمحاكمة من وصفوهم بـ 'شيوخ الإرهاب'، في إشارة إلى أي فتوى تؤكد على الحق في والدفاع عن المقدسات والحرمات بالمقاومة المشروعة.



وفي الإطار ذاته، يدخل التشجيع الأمريكي لما يسمى 'الإسلام المعتدل'، ويكفي للتعرف على خطورة ذلك، نشرت وكالة انترناشونال برس سيفرفس [7/4/20074] مقالاً عن جهود 'دانيال بايس' أحد أهم رموز اليمين الصهيوني المسيحي، لتشجيع 'المسلمين الليبراليين'، وهو ما حقه بإنشاء مركز 'التعددية الإسلامية' والذي يديره شيوعيًا متطرفًا سابقًا، وأزهري طرده الأزهر بسبب إنكاره للسنة النبوية المطهرة.



الإصلاح ، الكلمة الأكثر تداولاً خاصة في الفترة الأخيرة، الكل ينادي بها الآن:ـ إسلاميين ويساريين.... وبطبيعة الحال الأنظمة الحاكمة بعدما قالتها واشنطن، وإلا فإنها كلمة قديمة نادى بها الجميع، لكنها لم تكن في حينه من مفردات قاموس النظم العربية.


دعاوى الإصلاح أيضًا سقط القناع عنها، فالإصلاح الأمريكي بما يشمله من مطالب الحرية وحقوق الإنسان وديمقراطية سقطت منذ بدء قصف العراق واستمرت في التساقط أكثر فأكثر كلما كٌشف عن فضيحة جديدة لقوات الاحتلال والإدارة الأمريكية، نقل الأسرى إلى دول معروفة بتعذيب السجناء مثال بسيط على ذلك.



واختصارًا، نترك المفكر الأمريكي الشهير 'نعوم شومسكي' ليشرح لنا حقيقة ماتريده واشنطن، حيث قال الأربعاء 31/3/2005 في العاصمة السلوفينية ليوبليانا: إن واشنطن لا تود عراقا ديمقراطيا، وأشار في تصريحات لقناة تليفزيونية سلوفينية إلى أن وجود عراق ديمقراطي ومستقل قد يشكل كابوسا بالنسبة لواشنطن، موضحًا أن العراق بقواه الاقتصادية الكبرى وشعبه المتعلم، قد يتحول إلى أكبر قوة إقليمية، الأمر الذي لا تود الولايات المتحدة السماح به بأي شكل من الأشكال.


وعلى الصعيد العربي ككل، قالت 'كيركبا تريك' المستشارة في إدارة الرئيس 'ريجان' وممثلة أمريكا في الأمم المتحدة: 'ينبغي علينا عدم تشجيع الديمقراطية في وقت تكون فيه الحكومة المؤيدة من قبلنا تصارع أعداءها من أجل البقاء، وإن الإصلاحات المقترحة بعد ذلك لا بد أن يكون منها إحداث التغيير، وليس إقامة ديمقراطية'.



لهذا رأينا أن اللغة الأمريكية الضاغطة باتجاه الإصلاح المزعوم قد هدأت تمامًا وغيرت مسارها عندما فهمت إشارات حلفائها في المنطقة بأن الاتجاه بقوة في فتح الحريات سيأتي حتمًا بمن لا تريدهم واشنطن ولا أي دولة أخرى، وكان المثال الجزائري هو دليلهم.



ورغم ذلك، فقد رأينا كيف استغلت فئات عديدة هذا الضغط الأمريكي باتجاه ما يسمى الإصلاح، وقد حققت بعض النجاحات، وهنا يلح تساؤل أين الإسلاميين في كل ما يحدث، وهم بالأساس أصحاب مطالب الإصلاح منذ زمن بعيد؟



اعتقد أن المشكلة الحقيقة أن هناك مأزقا يتمثل في أن أي مطالبة بالإصلاح تفهم الآن على أنها استغلال للظروف، خاصة في ظل تصعيد الحكومات العربية لهذه الاتهامات، كما أن تلك الحرية المطلوبة ستتعارض مع الكثير من المباديء الإسلامية وما ينادي به الإسلاميون.


وإذا كانت فئات عديدة من المطالبين بالإصلاح لن يكترثوا كثيرًا لتلك الاتهامات أو ما سينشأ من حريات مخالفة للشرع، فضلا عن كونهم مطالبين بها، فإن الصوت الإسلامي الرافض للهيمنة الأمريكية والمحذر من التعامل مع واشنطن هو الذي 'سقط' وحده في هذا المأزق.


لذلك، فإن التساؤل الذي يدور الآن، هو كيف يمكن للمطالب الإسلامية بالإصلاح في تبوأ مكانها الطبيعي بعيدًا عن الاتهامات، كيف؟؟



عمرو توفيق


amr@islammemo.cc







موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق