إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الخميس 26-جمادى الثانية-1433

حكم السفر للجهاد ضد الكفار المحتلين لبلاد المسلمين وخاتمة في أهمية تقوية الجبهة الداخلية وتكاتف الجهود ووحدة الصف.
الثلاثاء 15 نوفمبر 2005

و- مسألة في حكم السفر للجهاد ضد الدول الكافرة المحتلة لبلاد المسلمين:


مفكرة الاسلام: إن حكم السفر للجهاد عامة فرع عن حكم هذا القتال؛ وهو يدور بين أمرين:


الأول: أن يكون فرض عين.


الثاني: أن يكون هذا القتال فرض كفاية.


فأما الأول فمثل أن يحتل الكفار بلداً من بلاد المسلمين؛ حيث إنه من المتقرر في كتب الفقه أن الجهاد فرض عين إذا دهم العدو بلدًا من بلاد المسلمين (أي فرض عين على أهل تلك البلدة) فإن لم يكفِ أهل تلك البلدة لدفع العدو، امتد الوجوب إلى البلدة التي تليها أو تجاورها، فإن لم يكْفوا وجب الجهاد على من يلي تلك البلاد، حتى يعم الوجوب المسلمين في كل الأرض، إذا لم يمكن دفع العدو بما دون ذلك من البلدان.


وهذا الحكم لا مجال لإنكاره، فهو مدون في مذاهب الفقهاء، ولكن كلامنا يتعلق بنقاط يجب تأملها عند كيفية تطبيق ذلك في واقعنا، حتى يتوافق عملنا مع علة هذا الحكم وحكمته؛ إذ هو حكم أريد به تحقيق النصرة ودفع العدو الصائل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هو كغيره من فروض الأعيان، بمعنى أنه لا يخرج عن مناط التكليف وهو القدرة.


 وليس العجز محصورًا في العجز البدني عن المقاتلة، بل يشمل أسباب العجز، غير المتعلقة بالعجز البدني عن المقاتلة، كالعاجز عن الوصول إلى ساحة الجهاد؛ لانقطاع الطريق، أو حصول الهلكة فيه قبل الوصول إلى ساحة الجهاد.


ولا يقال: إن الجهاد مبني على هلكة النفس والمال في سبيل الله، لأن تلك المقالة إنما تنطبق على الممارسة العملية في ساحة الجهاد، من جهة المعلوم ضرورة من سقوط شهداء في المعركة، وذلك غير مانع للجهاد؛ بل هو من ثمرات الجهاد المباركة؛ إذ المسلم يرجو منه إحدى الحسنين النصر أو الشهادة، أما الهلكة بدون الجهاد؛ كما لو كانت الطريق للجهاد منقطعة، أو مؤدية للهلاك.


 فطلب الهلكة في ذلك ليس مما انبنى عليه وجوب الجهاد؛ بل ذلك من مسقطات الإثم عمن لم يجد الطريق الآمن، على نحو إسقاط الله تعالى الإثم عمن لم يهاجر؛ لعدم تمكنه من طريق آمن للهجرة، لما هو فيه من استضعاف وقلة حيلة.


وهذه نقطة هامة، لأن الفقهاء حين نصوا على حالة كون الجهاد فرض عين، إنما تحدثوا عن الأصل العام في الحالة الطبيعية؛ التي لا يحول فيها حائل بين العبد وبين الجهاد، ولم يتحدثوا عن الاستثناءات في حق بعض الأشخاص؛ الذين تلم بهم بعض الأعذار، التي لا يستطيعون معها الجهاد، والتي منها عدم الاهتداء إلى طريق للجهاد، أو وجود من يمنعه من سلوكه.


ومن ثم نعلم أن ما يمارسه البعض من ضغوط على الشباب، بمطالبتهم بالسفر، وإيجابه عليهم كلما وقع جهاد في بلد من البلدان، بناء على تلك النصوص الفقهية، دون اعتبار لحال العجز والتعرض للهلكة، ووجود الموانع، لهو نوع من الاستدلال في غير محله، ينشأ عنه تعرض الشاب للتمزق النفسي، بين شعوره بالعجز، وشعوره بالإثم، في آن واحد؛ لأنه فهم أنه آثم بتركه الجهاد، وفي نفس الوقت يشعر بوجود الخطر المانع له من السفر للجهاد، فإما أن يترك السفر للجهاد، مع تألمه وتأنيب نفسه ليل نهار، بسبب ما دمغه به المنكرون عليه، من الإثم والتخاذل إلى غير ذلك، وإما أن يلقي بنفسه إلى الهلكة، في مجرد السفر مع غلبة ظنه وقناعته بالتعرض للأذى أو الهلاك، دون أن يصل للجهاد، لكنه يفعل ذلك، لينجو من وصمة الإثم والعار، بقعوده عن الجهاد.


ثم إذا وقع المحذور، ووجد نفسه في العذاب والأغلال، وهو ما توقعه من قبل، دارت في نفسه صراعات، وهل كان ما فعله هو الصواب أم كان الأفضل التأني؟، وهل كان الجهاد سيقوى به بالفعل، أم كان سفره غير مفيد للمجاهدين؟، وهل كان السفر مع التعرض للهلكة واجبًا عليه بالفعل، ووجب على جميع أمثاله، أم أن الحكم يختلف من شخص لآخر، ومن حال لحال، ولا يعمم حكم واحد على الجميع؟.


 إلى آخر تلك الهواجس والتساؤلات، والحوارات والأحاديث، التي تدور وتتصارع داخل النفس، وتحدث فيها من التعب والضنى والتمزق ما تحدثه، لا سيما إذا أوذي بسببه أهلُه وجيرانُه وأصحابُه، من رجال ونساء.


هذا فيما يتعلق بالموانع وحالة العجز، أما ما ذكرناه أولاً مما قرره الفقهاء في تعين الجهاد، واتساع دائرة الوجوب من بلدة لأخرى، حتى يتم دفع العدو والتغلب عليه، فإنما أرادوا به تحقيق النصرة لمن وقع عليهم الاعتداء، والتمكن من دفع العدو الصائل، ولا يليق أن ينفك الحكم عن علته، أو أن يكون غير محقق للمقصود، وهذا نقوله بسبب تغير صور الجهاد وآلاته، وما يحتاجه المجاهدون، وما يمكن به حسم المعركة، وما لا يمكن، إلى غير ذلك مما تتغير به موازين القوى.


فالحكم الذي قرره الفقهاء، يمكن، على سبيل المثال، تطبيقه وتحقيق المقصود منه، إذا خوطبت به دول وحكومات مجاورة لبلد الجهاد، تتبنى قضية الإسلام؛ بحيث يتوفر لأهل البلدة المحتلة ما يمكنهم به دفع العدو بالفعل؛ إذ الغالب في هذا الزمان قيام الحروب على آليات حديثة، أكثر من قيامها على تكثير عدد الأفراد بدون تحصيل تلك الآليات.


 وذلك بخلاف حروب العرب قديمًا، حين أتتهم رسالة الإسلام؛ إذ كان عمادها المواجهة المباشرة بين الأشخاص، وكل شخص معه سلاحه أو سيفه الشخصي، دون انقسام المجتمع إلى مدنيين وعسكريين، ودون وجود جيوش نظامية، مخصصة للقتال، ومجهزة بصفة مستمرة، بأحدث التجهيزات؛ التي تفوق في قوتها القوة البدنية المجردة، للجموع الغفيرة من الأفراد.


ولهذا نجد أن الناحية العددية كانت الأساس في حسابات القوى في القديم، والسبب الأساس في إلحاق الهزيمة بالخصم، وهذا يمكن تصوره في الحروب الأرضية بالأيدي والسيوف أو الأسلحة النارية ونحوها، أما لو تصورنا مئات المسلمين على الأرض، معهم أسلحة يدوية، ولا يواجهون العدو مباشرة، وإنما تحل بهم قذائف تبيدهم، يتحكم في إطلاقها من بُعد بضعة أفراد؛ ففي تلك الحال، لا يصح أن ينحصر تصورنا للقيام بفرض العين في حشد مزيد من الأفراد، في المنطقة المهاجَمة أو المعتدي عليها.


فالشاهد والمقصود من سوق تلك الصور أو الأمثلة، التنبيه إلى ضرورة فهم الأحكام، وما نص عليه الفقهاء فهمًا دقيقًا متأنيًا، دون تعجل أو اندفاع أو تعميم، يخرج بها عن مقاصدها وعللها وحكمها، أو يؤدي لتحمل وزر فتوى معيبة أو خاطئة من متعجل، يلزم بها شخصًا معينًا بما لا يلزمه، أو يوجب عليه ما لم يوجبه عليه الله ورسوله.


وأما إذا كان القتال على سبيل فرض الكفاية أي إنه غير متعين على كل أحد؛ فإن هناك شروطًا إضافية عما ذكرنا لابد من تحققها للقول بجواز هذا الخروج تتمثل في إذن الوالدين؛ ولا يجوز بحال من الأحوال أن يخرج الرجل للجهاد دون موافقتهما الصريحة على ذلك؛ لأَنَّ طَاعَةِ الوالدين فرض عين، وفرض العين مقدم عَلَى فرض الكفاية. وقد روى البخاري ومسلم أن رجلاً استأذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد، فقال عليه الصلاة والسلام: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد.
إضافة لاشتراط موافقة إذن الحاكم المسلم؛ لما ينشا عن الافتئات عليه في هذه المسألة في ظل العلاقات الدولية الحديثة من مفاسد كبيرة تلحق بالدولة المسلمة كلها.


ومن ثم فإن القول الذين نقول به ونرتضيه في هذا المسألة هو عدم جواز السفر للجهاد في الأماكن التي احتلت من قبل الدول الكافرة؛ سواء قلنا بكونه فرض عين أو فرض كفاية دون الرجوع للحاكم المسلم، وبشرط موافقة الوالدين في حال كون هذا الجهاد فرض كفاية في بعض صوره والله أعلم.


ز - خاتمة في أهمية تقوية الجبهة الداخلية وتكاتف الجهود ووحدة الصف:


لا يخفى على كل ذي لب ما تمر به أمتنا الإسلامية من أحداث متسارعة متلاحقة, وما تواجهه من تحديات وتآمرات من أعدائها في ظل حالة التفكك والضعف والوهن الذي لا يكاد يسلم منه بلد من بلاد الإسلام.


ومن نافلة القول التأكيد على أن طبيعة الصراع الحالية التي تواجهها أمتنا لا علاقة لها بالغلو ولا بالإرهاب، وإنما بالدرجة الأولى تتجه إلى الأمة كلها بجميع طوائفها لاستئصالها وجعلها مسخًا مشوهًّا لا قيمة له ولا عقيدة.


ومن ثم فإن الجميع في سفينة واحدة بغرقها يغرق الجميع، لذلك فإن مواجهتنا جميعًا لهذا الخطر الماحق هي واجب الوقت، ومن واجبات الوقت أيضًا أن يعمل الجميع على:


التأكيد على وحدة الجبهة الداخلية بجميع طوائفها بعد تنقيتها من الدخلاء وأذناب الطابور الخامس والمتآمرين على هذا البلد وعقيدته وثوابته، والعمل على تقوية الجبهة الداخلية وتبصيرها بطبيعة المؤامرة وواجب الوقت.


التأكيد على تلاحم الجميع لمواجهة أعداء الأمة.


 وعلينا أن ندرك أن الجميع هو الخاسر الأكبر من هذا الصراع، والمستفيد الوحيد هو العدو الخارجي الذي يتربص بنا.


هذا والله تعالى أعلى وأعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


الفريق الشرعي لمفكرة الإسلام


&     &     &


 


 


 


 


 



روابط الملف الصحفي


موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق