
1- أسطورة الجيش الذي لا يقهر
2- اليهود خلاصة الحقد البشري .. لا ســلام
3- فلسطين مركز الصراع، وإسرائيل طليعة المشروع الغربي
4- انكشاف زيف الديمقراطية الغربية
5- حقاً.. أمريكا هي الشيطان الأكبر
6- المنافقون.. هم العدو فاحذرهم
7- أهمية الخطاب الإعلامي الإسلامي
8- أهل السنة في الشام : لا تغيبوا عن ساحة غياب تيم
9- الحل في القوة والجهاد
10- بفجره لابد يأتي الغد : متى تحين نهاية دولة إسرائيل
هذه عناوين بعض دروس وعبر على ضوء هذه الأحداث، وبعض الحديث بحاجة إلى تفصيل ليس هذا مكان بحثه والتفصيل فيه. وسعيا للاختصار فسيقتصر الحديث على إشارات موجزة إلى بعض الدلالات والدروس المستفادة، فكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً.
إن العبرة ليست بسرد الأحداث ومتابعة الوقائع بقدر فهمهما واستلهام دلالاتها ومآلاتها، ومن أعظم دروس حركة التاريخ والأحداث فقه سنن الله في المجتمعات والأمم، في هذا الكون الذي يسير وفق سنن ونواميس ربانية، ينبغي للمسلم العاقل تدبرها. لقد بين الله سبحانه لنا سننا كثيرة في الابتلاء والتدافع، وفي عقوبات المعاصي وسقوط الدول وانهيارها، وفي النصر والهزيمة وغير ذلك من السنن الثابتة. كما أثنى سبحانه على الذين يعقلون فيأخذون العبر من الأحداث، ولا تمر عليهم مر الكرام، أما من غاب عنه فقه هذه السنن، فلن يفهم الأحداث والصراعات فهما صحيحا، ولن يستفيد منها حتى لو قرأ كل صحف العالم، ولو تابع كل القنوات الفضائية.[44]
إن كتاب الله الكريم يحدثنا كثيرا عن عقوبات الأمم السابقة بسبب كفرهم وعصيانهم وظلمهم، بعقوبات في الدنيا ليذيقهم الله بعض ما كسبوا، وفي الآخرة عذاب شديد. ولنا أن نتأمل في هذه السنة الربانية وأثرها في هذه الحرب من عدة محاور، فاليهود يعاقبون على كفرهم وإجرامهم فيصيبهم الله تعالى ببعض ما اقترفوا من كفر وإجرام وقتل ودمار في فلسطين ولبنان، ومن سننه سبحانه كذلك أن الجزاء من الجنس العمل، فلعلها استجابة لدعاء ثكالى وأطفال يتامى وعجائز مستضعفين؛ بأن يصيب الله اليهود في قعر بيوتهم بالهلع والخوف كما أصابهم.
من جهة أخرى؛ فأنواع العقوبات تنال أيضاً أولئك السادرين في غيهم في مراتع الفساد والشهوات، الذين يريدون تحويل لبنان إلى كازينو كبير. ومع أن في لبنان أهل سنة وصلاح، ولكن من يغلب فيها طوائف من المفسدين جعلوها منذ عقود مرتعا للشهوات والمجون. ويقوم النصارى بقسط وافر من هذا الفساد، من خلال إعلام هابط وكازينوهات وشواطيء، يدعمهم في ذلك بعض فساق العرب، وهم لم يتوبوا ولم يرعوا برغم ما أصاب لبنان من دمار خلال سنوات الحرب الأهلية، حيث عادت كما كانت محط السياحة الماجنة، أليس فيما حدث عقوبة وبلاء لهم أيضا ؟.
ومن جهة ثالثة، فمن المعلوم لدينا أن أهل المعاصي والذنوب الصغيرة قد يعاقبون على عصيانهم وذنوبهم، وكذلك إذا كانت المخالفات والبدع الصغيرة سبباً في ذهاب ريح النصر، فما بالكم بأهل البدع والنفاق، هل سينصرون ؟. ما بالكم بمن يسبون الصحابة ويكفرونهم ويخالفون سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد حذر الله عز وجل من ذلك قائلاً: [فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم]، وهذا القول يس تشفيا ولا فرحا بما حدث من قتل ودمار، ولكنها الابتلاءات والعقوبات التي يكون فيها فرصة للعاقل كي يراجع نفسه وحسابه مع ربه سبحانه. ولعنا تحدثنا سابقاً عن الشيعة بما يفي بالمقصود، ولكنا هنا نود التأكيد وبصراحة بأن من لا يحب أبا
بكر وعمر وعثمان وأمهات المؤمنين وخيار هذه الأمة، لا يمكن أبداً أن يوفق لنصر وعزة، بل لابد أن يعاقبه الله بالذل في الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر على نفاقه ومعصيته. والنصر الذي وعده الله لعباده المتقين الصادقين لا يمكن أن يكتب لأعداء الصحابة، ومن لم تتضح له هذه السنن والقواعد فليراجع حساباته، ولتعلمن نبأه بعد حين.
أسطورة الجيش الذي لا يقهر
لقد كان الجيش الإسرائيلي يتوقع إنهاء الحرب وتحقيق أهدافه في أيام قلائل، ولكن ما الذي حصل ؟.
هذه بعض النتائج العسكرية على أرض المعركة :
• قتل عشرات من الجنود الصهاينة لأول مرة في معركة واحدة.
• وجهت ضربة كبيرة لقوات النخبة المتميزة فيه، والمسماة بلواء جولاني الذي فشل في بعض عمليات التوغل والإنزال الخاصة.
• تدمير المقاومة لعدد من دبابات الجيل الرابع من الميركافا عالية التجهيز.
• ضرب بارجة حربية متقدمة في البحر قبالة بيروت.
• انهالت آلاف صواريخ الكاتيوشا وما هو أبعد مدى منها، على مدن وبلدات شمال فلسطين، لتكشف فشل منظومة العدو الدفاعية في التصدي لهذه الصواريخ رغم التكاليف الباهظة المعدة لذلك.
لقد صاحب هذه الخسائر العسكرية الأولية نتائج مؤثرة في الجانب الإسرائيلي منها:
• أن هذا الجيش المتقدم تكنولوجيا المدعوم أمريكيا بكل قوة، واجه إخفاقات متعددة، فقد مرغت كرامته في التراب والأثر المعنوي السلبي كان كبيراً حيث اهتزت ثقته بنفسه.
• واليهود يبقون مختبئين في الملاجيء لمدة شهر لم تستطع فيه كل تكنولوجيتهم صد الصواريخ
• والعدو يمنى بأضرار وخسائر كثيرة على شتى الصعد النفسية والمادية والطبية، وتعطلت حياته في كثير من المدن.
• ودلت المعركة على فشل استخباراتي كبير للعدو قبل المعركة، وأثناءها، حيث لم يستطع معرفة مستوى تجهيزات حزب الله مما زاد في أرباك اليهود وجعلهم يدفعون الثمن غاليا.
وفي النهاية عجز الكيان الصهيوني من تحقيق أهدافه بالقضاء التام أو شبه التام على حزب الله، ولم يستطع تجريده من السلاح في المرحلة الراهنة على الأقل، ولا طرده إلى شمال نهر الليطاني، كما لم يستعد أسيريه، فبان عجز قدرة الردع الإسرائيلية، ولعلها تضعف غرور القوة التي دعتهم إلى شن تلك الحرب الجوية الهائلة؛ حيث تبين أن الطائرات لا تصنع كل شيء في الحروب. وعلى ضوء تلك النتائج، فقد كانت بعض ضربات العدو الأخيرة متخبطة لأنه يريد الضرب بأي صورة لرد الاعتبار لأسطورة الجيش الذي لا يقهر، ولعل من جملة ذلك حجم العنف والاعتقالات التي استعرت في فلسطين في الأيام الماضية.
لقد عاشت أمتنا لسنوات تحت تأثير وتخدير ما روجته وسائل الإعلام العربية بصورة مثبطة، لأسطورة الجيش الإسرائيلي و [الجيش الذي لا يقهر]
و [أقوى جيش في المنطقة]. ولكننا نشهد بفضل الله ومنذ بداية الانتفاضة سقوطا لنظرية الكيان الصهيوني هذه، وإخفاقا لقوة الردع الإسرائيلي، وها هي مقاومة حزب الله تؤكد هذه الحقيقة الجديدة بصورة أقوى. أصبحنا نشاهد ونسمع عن الروح الانهزامية والإحباط الذي أصاب اليهود خلال الحرب، فتطالعنا عناوين الصحف الإسرائيلية التي تصف دباباتهم العملاقة بأنها [تحولت إلى توابيت للموت]، وأن [الجيش خسر وظيفته التاريخية]، كما يصرح موفاز بقوله [هزمنا شر هزيمة]، أما رئيس الموساد السابق فيقول [لم نكسب شيئا].
ومن دروس هذه الحرب وسنوات الانتفاضة الست، أن هذا الجيش الذي تتأصل فيه روح الانهزامية كان يواجه في حروبه المتعاقبة جيوشا كرتونية يقودها من لا علاقة لهم بشعوبهم، وحين لا يكون ثمة عقيدة دافعة ولا هدف؛ يكون هذا الجيش أسطورة وقوة تخيف الجيران، ولكنه حين يواجه أصحاب عقيدة ومنظمات صادقة مع شعبها لها مشروع جاد، فان الحسابات تكون مختلفة، ويظهر هذا الجيش برغم كل القوة التي يمد بها، أنه جيش جبان يخاف الالتحام والمواجهة، جيش منتفش بباطله حريص على الحياة.
أما في جانب شعوبنا، فإننا نحسب بتفاؤل كبير أننا نشهد إن شاء الله تجذراً لفكرة سقوط أسطورة الجيش اليهودي في ذاكرة الطفل وشاب المستقبل. ونحن لا نريد تسطيح الأمور ولا التهوين من قوة العدو، ولكنها حقائق يجب أن نستثمرها في الحرب النفسية وتقوية معنويات الشباب المسلم ولتكون دافعا للجهاد لا الاستكانة، فالعدو لا ينام.
اليهود خلاصة الحقد البشري
لقد اخبرنا الله تعالى عن اليهود بأنهم قتلة الأنبياء والمصلحين، وأخبرنا عن نفوسهم الخسيسة وصفاتهم الذميمة، فأخبرنا الله الحليم عن سوء
أدبهم وافتراءهم عليه سبحانه وتعالى، وأنبأنا عن سوء فعالهم وقسوة قلوبهم. وها نحن نرى ما يفعله هذا الجيش اللئيم في كل يوم، حيث لا يتلذذ بقتل الرجال المقاتلين فحسب، بل يستهدف المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، نرى جرائمهم الشنيعة التي يرتكبونها كل يوم حيث لا نرى إلا دمارا تحته جثث وأشلاء وأنين من بقي حياَ. نرى استهدافاً للبنى التحتية والفوقية ولكل شيء، فلم يسلم منهم شجر ولا حجر، ولا سيارات إسعاف ولا شاحنات تموين، ولا طواقم صحفية.
لقد رأينا من قبل أفعال هذا الجيش في فلسطين، فهل هناك جيش في العالم يسخر أفتك الطائرات الحربية لاستهداف شيخ مقعد مشلول الأطراف كلها لا يتحرك فيه إلا رأسه ولسانه، يستهدفه بالقتل وهو على كرسيه المتحرك خارجاً من المسجد بعد صلاة الفجر !. هل هناك
جيش في العالم يستهدف طفلاً رضيعاً لا يتجاوز عمره ثلاثة أيام ؟. أصحاب القيم الوضيعة هؤلاء يذكروننا بأجدادهم الذين قتلوا أنبياءهم بكل وقاحة وإجرام.
وكما في فلسطين لا يمر يوم دون تدمير أو قتل أو اعتقال وحشي، ها هم في لبنان تصب طائراتهم آلاف الأطنان من الحمم والقنابل التي يزن بعضها مئات الكيلوجرامات، وقذائف من كل الأنواع حارقة وفسفورية وذكية وغبية، في حرب بربرية تخلف دمارا هائلا شاهداً على مدى الحقد الدفين. مجازر يومية نراها في قانا من جديد وفي مروحين والقاع وغيرها كثير، تستهدف أطفالا رضعا وعجائز وشيوخا.. هذه هي دولة اليهود لا تتورع عن
ارتكاب أية جريمة, ولا تبالي بما سيقوله العالم، وهذه هي سياسة حكومات اليهود المتتابعة وزعماءهم عبر التاريخ.
إنها رسالة توجهها إسرائيل بوضوح وباختصار لكل من ينادي بسراب السلام، فهل هناك أمل في سلام أو اتفاقيات مع هذا الشعب الحقود ؟. [إنه حديث خرافة يا أم عمرو ].
فهل ستفهم هذه الرسالة أم لازال البعض يعول عليها ويامل بعودتها من جديد وبلبوس جديد ومبادرات جديدة في طبخة الحصى هذه ؟. نسأل الله تعالى أن يرينا زماناً تحين فيه فرصة لاجتثاث هذا العدو من الأرض المباركة.
حقاً.. أمريكا هي الشيطان الأكبر
لسنا بحاجة إلى دروس إضافية لإثبات عداء الحكومة الأمريكية لديننا وبلادنا وشعوبنا، ففي كل يوم وفي كل مجال تقدم الأدلة على ذلك، وتاريخ العداء الأمريكي لنا في فلسطين والعراق ولبنان والصومال وأفغانستان وفي كل مكان، تاريخ يعرفه الكل. لقد حاربت المسلمين في دينهم وفي أرزاقهم وفي سياساتهم وفي مؤسساتهم الخيرية وفي حساباتهم، حاربتنا بالقتال وبالتحالفات وبأنواع الحصار كما حاربتنا في مواقفها وفيتوهاتها في الأمم المتحدة وقعدت لنا بكل سبيل.
أظهرت الحرب الحالية الوجه الأمريكي الكالح بكل إجرامه وحقده، حيث ساندت إسرائيل في عدوانها منذ بداية الحرب بكل شيء [45]، لأنها تقوم بحقها في الدفاع عن النفس [!]، أما المتسبب في آلام الشعب اللبناني فهو حزب الله [!]. وسارعت إلى تزويد الصهاينة بالقنابل الذكية، وعارضت الإيقاف الفوري للحل، وعطلت كل قرارات الإدانة أو الشجب حتى للقتل المتعمد لموظفي الأمم المتحدة بجهود [بولتون] الكبيرة [46]، كما كان المسئولون الأمريكان يتحدثون بالنيابة عن زعماء إسرائيل المشغولون بالحرب، ويقدمون لهم كل أنواع الدعم والتأييد المطلق. لعل من أهم الحقائق التي يمكن استخلاصها من هذه الحرب العدوانية، ما تكشفه من أنها تأتي في إطار حلقة من حلقات مشروع أمريكي – إسرائيلي متكامل ينتقل من بلد إلى آخر، وتصريحات وزيرة الخارجية حول الآم مخاض ولادة شرق أوسط جديد تكشف عن رؤية بعيدة الأمد للإدارة الأمريكية. إن أمريكا تعطي رسالة واضحة مفادها أنه لا يمكن أن تكون حيادية في صراع تكون إسرائيل أحد أطرافه, فكيف لا يزال البعض ينتظر من أمريكا أن تكون وسيطاً؟.
وهنا يحق لنا أيضاً أن نجعل كل الأسئلة مشرعة وواضحة، ما هو واجب المسلمين تجاه هذا العدو المجرم الذي حاربنا في كل مكان، وأجلب علينا بخيله ورجله، وهل من خطط عملية لمواجهة هذا الصائل ؟ هل هناك أعمالاً حقيقية لأسلحة نقاوم بها ـ كالمقاطعة مثلاً ـ سؤال نوجهه للعلماء الفضلاء! حتى لا نبقى متفرجين ينتظر كل منا مصير أخيه الثور الأسود، وهو يلوم أمريكا ويتحدث عن المؤامرات منتظرا مزيدا من الضربات والخسائر.
يا أهل السنة في بلاد الشام لم الغياب عن الساحة :
أين أنتم مما يدور في لبنان وفي المنطقة ؟ ..
إسرائيل وأمريكا تخططان وتعملان في إطار مشاريع شرق أوسط جديد، ومشاريع الحفاظ على أمن إسرائيل، وإيران لها مخطط توسعي للهلال الشيعي
الفارسي، وماضية في مشروعها النووي والتسليحي فارسي المنطقة، وفرنسا لديها ترتيبات خاصة في لبنان، وعالمنا السني يقف متفرجاً. ربما تقوم بعض الشعوب بمظاهرة هنا أو هناك، وربما يكتب عالم ببيان أو مقال، ولكن هل أهل السنة في المنطقة على مستوى المسؤولية فعلاً ؟ وهل تبرأ الذمة بهذا ؟. أم أنهم رضوا في هذا العالم العربي الضعيف أن يعيشوا على هامش الأحداث والتاريخ، حيث ينطبق عليهم قول الشاعر:
ويقضي الأمر حين تغيب تيمٌ .. ولا يستأذنون وهم شهود !
قد يكون هناك تعارض بين بعض المصالح الأمريكية والإيرانية في الفترة الراهنة خاصة حول البرنامج النووي المثير للجدل، والمخطط الإيراني التوسعي في المنطقة، ولكن ألا يمكن أن تتم تفاهمات وصفقات مستقبلية بين الطرفين تحل فيه بعض الإشكالات ويصلون فيه إلى صيغ اتفاق وتقاطع مصالح ؟. لا مجال للحديث هنا عن مشاريع تقسيم وتفتيت المنطقة، وهي مشاريع أمريكية قديمة جديدة، ولكن يحق هنا طرح التساؤل عن احتمالات إخراج الأمريكان لتلك الخطط من الأدراج المغلقة في المرحلة القادمة حيث تلتقي فيها مع المصالح الإيرانية، خاصة إذا حدثت تطمينات وتعهدات من الجانب الإيراني للأمريكان بالاستقرار والإمداد النفطي ؟. لن نذكر هنا تفصيل اتفاقات الرافضة مع النصارى في تاريخنا القديم، ولكنا نذّكر بما رأيناه من اتفاق في الساحتين العراقية والأفغانية، ونحن شهود في هذه المرحلة التاريخية. إنها دعوة للتنبه والاستيقاظ.
ليس لأهل السنة في لبنان وحدهم قوة غالبة، فهم أضعف الطوائف عسكريا، ولذا فالدور يجب أن يكون لأهل السنة كلهم، ولا يمنع هذا من تذكير أهل السنة في لبنان خصوصا بواجبهم وهم الذين عانوا من الضعف الذاتي وافتقارهم إلى وجود كيان قوي لهم يحميهم بإذن الله، كما عانوا في الوقت ذاته من التغييب والمؤامرات الخارجية عليهم، هذه واحدة.
أما الثانية، فإن المراقب للساحة السنية اللبنانية منذ فترة طويلة، يرى تشرذما وفرقة في الصف الواحد ـ كحال الأمة في كل بلد ـ وكما يقال المثل الشامي العامي [دود الخل منه وفيه]، وهو المرض الأول الذي ينبغي التركيز على علاجه. لقد ابتلي أهل السنة بقيادات ناصرية قديما خطفت
الشارع السني منذ نصف قرن، وفرغته من مضمونه الحقيقي، وعلى أنغامه قام تنظيم [المرابطون ـ إبراهيم قليلات]، وفي تلك الفترة أيضا استقطبت حركة فتح والجبهة الشعبية والمنظمات الفلسطينية و[زعرانها] كثيرا من الشارع اللبناني السني. وبعد سنوات وعقب دخول الجيش السوري كانت هناك نواة جيدة متمثلة في حركة التوحيد في طرابلس، ولكن ابتلي السنة أيامها بشيخ الحركة سعيد شعبان وما اقترفه من تحالفات مشبوهة. ثم جاءت فتنة الأحباش وما أعقبها من تداعيات أحداث الضنية، وخلال ذلك وبعده ابتلوا طويلا بالنظام القمعي السوري الذي تواطأ معه الأحباش وحزب الله لقمعهم.
أما ثالثة الأثافي فهي بقاء الصف متفرقاَ رغم وضوح الرايات وحجم المؤامرة وازدياد وعي الناس، حيث ترى الجماعة الإسلامية هنا ودار الفتاوى ومشايخها هناك
وجماعة فلان في واد والصف السلفي المتشرذم في كل واد حيث ترى في المدينة الواحدة جماعات سلفية متقاربة فكرياً ولكنها غير مجتمعة على قلب رجل واحد، وليس لها وزن حقيقي في الشارع، والحر تكفيه الإشارة.
لقد مرت على لبنان وبلاد الشام مؤامرة طويلة [47]، ولا يجوز أن نلقي باللوم على أصحاب مشروع الهلال الشيعي، فأين أصحاب مشروع القمر السني ؟ .
[كما قال أحد الفضلاء]. وربما لا تكون الإجابة الكاملة حاضرة هنا في مثل هذا البحث العابر ولكنها دعوة للالتقاء والتخطيط والعمل حول البرامج والحلول المطلوبة.
o العمل على تنسيق الجهود في البداية تمهيدا لتوحيد الصف المتشرذم، واستشعار روح المسؤولية ليكون الجميع على مستوى الأحداث، واستغلال الفرص.
o تداعي أهل الحكمة والرأي لتدارس المخاطر والخروج من هذه الفتن، والتخطيط الواعي للمستقل، وهي مسؤولية وأمانة يجب أن يقوم بها أهل العلم والفكر والدعوة قبل غيرهم.
O التركيز على العمل الدعوي الجاد، خاصة وأنهم في بلد يسمح بالأنشطة والجمعيات، والعمل على تحصين الجيل المسلم من الانحراف وتيار الفساد الذي يجد بيئة مساعدة
o بيان خطورة الرافضة، والحذر منهم والانتباه لمخططاتهم، وعدم ترك الساحة لهم، فهم[إذا دخلوا قرية أفسدوها] وما صور جماعات القتل والغدر العراقي الماثل أمام الأعين إلا نموذج عملي لهذا الجحيم الرافضي فيما لو سيطر، وما مذابح المخيمات عنا ببعيد. وكل هذا يجب أن يتم بدون صدام وبحكمة.
o وهذا لا يمنع من وجود طائفة تنفر للحوار مع بعض العقلاء لدرء الاقتتال الداخلي وكف اليد، والمستضعف عليه تقدير الأمور فأوراقه ليست كثيرة.
o كما أن على أهل السنة مد اليد والتواصل مع إخوانهم في البلاد الأخرى.
O وأخيراَ لا آخراَ، فقد تكون الأمور صعبة والظروف غير مواتية وليس من الحكمة في المرحلة الحالية رفع راية السنة الجهادية علناً، ولكن لا بد من التخطيط بصورة عملية وحكيمة لإنشاء كيان عسكري جهادي، لمواجهة اليهود أولاَ، ولحماية أهل السنة ثانياَ.
الحل في القوة والجهاد
وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الذل الذي سيمر بالأمة، وبين العلاج بكل وضوح في أكثر من حديث، فقال صلى الله عليه وسلم : إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم [48]. وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم : يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير؛ ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن . فقال قائل: يا رسول الله ! وما الوهن ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت [49]. فالحل ليس في الخارج، وإنما هو في العودة إلى ديننا أولاَ والسير على هديه وتربية النفوس عليه، ولسنا بحاجة إلى مظاهرات ومسيرات احتجاج، ولا مساندة الرأي العام العالمي ولا قرارات الأمم المتحدة؛ فكل ذلك لم يمنع احتلال فلسطين ولم يعد إلينا شبرا منها، وكل القرارات الأممية وقرارات القمة العربية لم تمنع ظلما
ولا حربا، فلم توقف مذابح البوسنة والهرسك ولم تعد كشمير إلى أهلها ولم تمنع من الاعتداء على أفغانستان أو احتلال العراق.
الجهاد هو الحل الواضح الحقيقي لرفع الظلم وعودة الأرض ومنع المعتدي، وانظروا في حلقات التاريخ القديم والمعاصر، فلم يكن سبب خروج إسرائيل من جنوب لبنان إلا القتال، ولم يخرج الأمريكان من فيتنام والصومال ولبنان من قبل إلا العمليات المسلحة. إنهم يخرجون حين يعلموا أن بقائهم يعني موتهم. ولعل من الناسب هنا الإشارة إلى مشاريع السلام ومحادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية التي لم تسفر عن أي جديد رغم 12
عام من المفاوضات بعد سنوات الانتفاضة. وبعد سنوات من الاعتراف المتبادل [!] والعلاقات الشكلية الفاشلة مع العالم العربي، لم يصلوا إلى شيء عملي جراء مشاريع سراب السلام، وها هي مشاريع السلام هذه تفشل حسبما صرح عمرو موسى أمين جامعة الدول العربية الذي لا يشك احد في انه من اشد المنافحين عن سير عملية السلام.
إن ما تحقق من خطوات وانجازات خلال السنوات الماضية لا ينبغي الاستهانة، به بل يجب البناء عليه، كما أن من الواجب علينا هو بث روح الجهاد والاستشهاد في الأمة وتعزيز ثقافة المقاومة، كي تشيع بين شعوبنا لتنفض عنها غبار النوم وحب الدنيا.
بفجره لابد يأتي الغد : متى تحين نهاية دولة الباطل :
شير كثير من السياسيين والمحللين العسكريين اليهود إلى أن ما حدث كان صدمة لهم، فهم تعودوا سابقاَ على انتصارات سريعة وسهلة، ولكنهم في هذه المرة وجدوا الوضع مغايراً حيث تضعضعت أسطورة جيشهم الذي لا يقهر كما
اشرنا.
وفي مقابلة لقناة الجزيرة مع المجاهد خالد مشعل بعد أسبوعين من بداية الحرب، تحدث متفائلاً عن نتائج هذه الحرب وأنها أعطت إضاءة وحلقة جديدة تبشرنا بالنصر القادم بإذن الله
ونحن نستشرف المستقبل وننظر إلى رحمة الله في خضم الآلام، يحدونا الأمل، لعل هناك منحا في باطن المحن، ويحق التساءل عن مستقبل هذه الدولة !. فأي مستقبل لدولة إسرائيل الآن،
هذه الدولة الشاذة الغريبة وسط بحر متلاطم من المسلمين من حولها ؟. هل ستستمر في جرائمها وتوحشها، وهل ستستمر في قوتها المتفردة في المنطقة ؟. كلا، إنها إلى زوال إن شاء الله، فهي دولة بلا مستقبل، ولا عمق، وها هي تنكفيء فتبني سورا عاليا يقيها عمليات استشهادية بسيطة. وها هي طموحاتها تنحسر من إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، لتصبح دويلة صغيرة وسط المحيط العربي الإسلامي، أي مستقبل لهم سوى الانهيار بإذن الله.
ولربما يقال أن هذه آمال وأماني المستضعف حينما يرى بريق أمل بسيط، فانه يضخمه ويتمسك به إمساك الغريق بقشة، ولكنا نرى أنها مبشرات حقيقية، فلا نرجم بالغيب، ومع هذا فنحن لا نقلل من حجم التحديات، ولا ندعو إلى الركون، وقد تحدثنا قبل قليل عن أهمية الإعداد للجهاد وهو أشق
الأعمال. ولكن في المقابل لا يجوز تضخيم العدو بأكبر من حقيقته فنثير الرعب ونبث اليأس في نفوس الأمة، ولا يجوز أيضاَ احتقار ما تحقق للعدو من هزائم، على طريق نصر يعززه الوعي وعودة الناس إلى دينهم، وعززته الانتفاضة بإمكاناتها المتواضعة في ظل تراكمات أخرى إيجابية. لقد أعطت هذه الحرب مؤشراَ آخر مضيئا وبصيص أمل بقرب النصر إن شاء الله من أكثر من وجه. فلأول مرة تقف إسرائيل عاجزة بعد شهر عن إنهاء المعركة لصالحها، وعن تحقيق الأهداف التي أعلنها مسئولوها، ومن جهة أخرى فحجم الخسائر اليهودية كبير والضربة التي أصابتهم قاسية.
ويتساءل المرء بلهفة: كيف لو كانت الحدود كلها مفتوحة أمام المجاهدين، أو على الأقل كيف لو لم يجدوا حواجز واعتقالات قبل الحدود.
نحن لا نعلم الغيب فهو لله سبحانه، ولكننا متفاءلون برحمة الله ولطفه، وبما يقدره لهذه الأمة المرحومة، ولعل العاقبة خير، وقد رأينا كيف حصل الاعتداء الأمريكي على العراق، ولكن حدث عقبه ما لم يكونوا يحتسبون، فقد ظهرت رايات المجاهدين في العراق بعد زوال النظام البعثي لتذيقهم البأس الشديد. والحرب الحالية كسائر أقدار الله تعالى، ليست شراَ محضاَ، حيث تخرج أنوار الفجر من سدف الظلام، ومن يدري هل نشهد إرهاصات البشائر ؟.
لعل الانتفاضة وهذه الحرب دقتا مسماراً في نعش دولة الباطل، وأثمرتا ضعفاً مادياَ ومعنوياَ لليهود، وأعطتا بصيص أمل بإمكانية ضربها مستقبلاَ بإذن الله. لعلنا نرى بشائر تحرير بيت المقدس تخرج مع تداعيات الأحداث، لتقودها طائفة لا تزال ظاهرة على الحق في بيت المقدس وأكنافه وسائر الشام تحت راية إسلامية واضحة، وما ذلك على الله بعزيز.
________________________________________
[44] هناك كتب مفيدة في هذا الشأن، ونشير هنا إلى ما كتبه العلامة ابن خلدون في مقدمته.
[45] الحديث عن أمريكا لا يعفي الغرب، فقد كشفت الحرب عن سوءة الديمقراطيات الغربية التي تعتبر الدم اليهودي محرما، بينما يشاهدون آلة الإجرام والحقد اليهودي فيباركونه ويعطونه مزيدا من الوقت لمزيد من الخراب والضغط. من جهة أخرى رأينا الديمقراطية الغربية بكل نسخها الإنجليزية والفرنسية وهي تحرص على خروج الرعايا الأمريكان والغربيين وتوفير طرق آمنة وفسح للمجالات الجوية والبحرية!. فالإنسان الذي له قيمة عندهم هو اليهودي والغربي أما غيره فلا قيمة له.
[46] مما نقل عن وجون بولتون المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة واليهودي الهوى المرتبط بالايباك، أنه يقول
بصلافة انه لا يمكن المساواة بين الضحايا المدنيين الإسرائيليين والضحايا المدنيين اللبنانيين !!.
[47] هناك كتب مفيدة في بيان هذا الوضع ككتابي: المؤامرة على بلاد الشام، ودور الشعوبيين الباطنيين في محنة لبنان لعبد الغني النواوي.
[48] رواه احمد وأبو داود والطبراني وصححه عدد من العلماء منهم الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 11 وصحيح أبي داود 3462 والترغيب والترهيب 1389
[49] رواه الإمامان احمد وأبو داود السلسلة الصحيحة رقم 958 وصحيح أبي داود 4297
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"