
كتبه للمفكرة / شريف عبد العزيز
مفكرة الاسلام: مرة آخري يثبت رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان ، أنه رجل هذا الزمان ، والمعبر عن آمال الشعوب الإسلامية و العربية ، والمتحدث الوحيد بما يدور في صدر كل عري ومسلم ، و الواجهة المشرفة للعالم الإسلامي في المحافل الدولية ، والذي دائماً ما ينحاز للشعوب المستضعفة وقضايا الأمة التي لا تجد في هذا الزمان المليء بالعملاء والخونة من يدافع عن حقوقها .
أردوجان وقضايا الأمة
ففي الوقت الذي كانت فيه عصابة رام الله تبرهن بما لا يدع مجالاً للشك علي خيانتها للقضية الفلسطينية ، وعمالتها للكيان الصهيوني ، وانحيازها الكامل لأمن المواطن الإسرائيلي شعباً وحكومة ، وتلقي خلف ظهرها ، وتحت دائرة أطماعها ومصالحها الخاصة دماء الشهداء والجرحى ، و لا تبالي بآهات الثكالى واليتامى ، في هذا الوقت العصيب والأجواء الخانقة لقلب كل مسلم وحر على وجه الأرض ، كان لرجب طيب أردوجان رأي آخر .
|
رجب طيب أردوجان قرر في العاشر من شهر أكتوبر الجاري إلغاء مناورات عسكرية مشتركة مع عدد من الدول الأوروبية ، بالإضافة لأمريكا وإسرائيل |
رجب طيب أردوجان قرر في العاشر من شهر أكتوبر الجاري إلغاء مناورات عسكرية مشتركة مع عدد من الدول الأوروبية ، بالإضافة لأمريكا وإسرائيل ، وذلك وفقاً لاتفاقيات سابقة وقعت في فترة حكم ما قبل العدالة والتنمية ، وقد أعلنت المصادر المقربة من أردوجان ، أن السبب وراء الإلغاء يرجع لأن الطائرات الإسرائيلية التي ستشترك في المناورات هي نفسها علي الأرجح التي قصفت قطاع غزة في عملية الرصاص المصبوب الذي سقط فيه ألاف القتلى والجرحى .
هذا الموقف يضاف لسجل أردوجان الحافل بالمواقف المشرفة والمعبرة بحق عن القيادة المسلمة المعنية بقضايا الأمة كلها ، وليس قضايا وطنها فحسب ، القيادة المسلمة التي تحدت الغطرسة الصهيونية ، وتصدت للعنجهية الأوروبية ، والهيمنة الأمريكية ، في زمان لم يجد فيه أعداء الإسلام إلا أقزاماً يستأسدون عليهم بالشروط المهينة والإملاءات المخزية ، أو نعالاً ومطايا من عينة عصابة رام الله وغيرهم ، يحققون من خلالهم أغراضهم .
أردوجان والخطوط الحمراء
خطوة الإلغاء من جانب أردوجان تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات التركية الإسرائيلية حالة من التوتر الملحوظ والمتصاعد منذ أواخر العام الماضي ، عقب حرب غزة الأخيرة والتي أدت لارتفاع وتيرة وحدة النقد التركي للكيان الصهيوني الذي كان ينظر لتركيا علي أنها من أوثق حلفائه في المنطقة .
|
أردوجان سجل العديد من المواقف المشرفة في حرب غزة ولعب دور الوسيط بين الفرقاء العرب الذين أضنتهم الخلافات الفرعية ، والمصالح الجانبية ، ووقف موقفاً شجاعاً في منتدى دافوس للإقتصاد أمام غطرسة بيريز والغرب المنحاز بالكلية للصهاينة |
أردوجان سجل العديد من المواقف المشرفة في حرب غزة ولعب دور الوسيط بين الفرقاء العرب الذين أضنتهم الخلافات الفرعية ، والمصالح الجانبية ، ووقف موقفاً شجاعاً في منتدى دافوس للإقتصاد أمام غطرسة بيريز والغرب المنحاز بالكلية للصهاينة ، واستقبلت الشعوب المسلمة هذه المواقف الجريئة بكل ترحاب ، ونودي به زعيماً جديداً للعالم الإسلامي .
ولكن أردوجان تجاوز كل الخطوط الحمراء والمقدسات الإسرائيلية التي لا يجرؤ كائن من كان علي الاقتراب منها أو الإشارة إليها ولو من طرف خفي ، وذلك في يوم 28 سبتمبر هذا العام عندما وقف في الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وطالب المجتمع الدولي بالحياد والنزاهة في التعامل مع قضية السلاح النووي الإسرائيلي الذي يهدد المنطقة بأسرها ، وأشار لطرف من استخدام إسرائيل للأسلحة المحرمة دولياً في حربها الأخيرة علي غزة ، ثم تساءل مغزى الحرب علي العراق ، ذنب مئات الألاف الذين قتلوا في غزوها ، وأين هي أسلحة الدمار الشامل التي شنت الحرب علي العراق من أجلها ، وتطرق للكلام عن الملف النووي الإيراني ، والتخاذل الدولي في فك الحصار علي غزة ومعالجة آثار الحرب المدمرة عليها .
|
لم يترك أردوجان ملفاً مهماُ يخص العالم الإسلامي إلا أثاره وتطرق للحديث عنه |
بالجملة لم يترك أردوجان ملفاً مهماُ يخص العالم الإسلامي إلا أثاره وتطرق للحديث عنه ولو بصورة مختصرة لضيق الوقت ، مما جعل كثير من المحللين يتوقعون فترة جمود وبرود في العلاقات التركية الإسرائيلية التي كانت تشهد دفئاً كبيراً أيام العلمانيين السابقة ، كما سيجعل كل من أمريكا وإسرائيل يفكران بجدية في حليف جديد في المنطقة بدلاً من الحليف التركي الذي اختار الانحياز لقضايا العالم الإسلامي والمنطقة العربية ، يعتمدان عليه في الأيام المقبلة في حالة دخول أي مغامرة عسكرية جديدة في منطقة الشرق الأوسط الكبير .
أردوجان ليس ظاهرة كلامية
في ثنايا الاحتفاء العربي والإسلامي والشعبي بمواقف الزعيم أردوجان الشجاعة أثناء حرب غزة، تساءل البعض فقال ما مغزى كل هذه المواقف التركية إذا كانت تركيا عضواً في حلف الناتو الغربي ، وعلي أراضيها تقع أكبر القواعد العسكرية الأمريكية خارج الأراضي الأمريكية ، وهي قاعدة انجرليك الجوية ، والعلاقات الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل وأمريكا علي أرفع المستويات ، ومعدلات التبادل التجاري بينهما في أعلي درجاتها ، وتركيا تتمتع بوضع الدولة الأولي بالرعاية في سجل الخارجية الأمريكية ، وهي منزلة لا يشاركها فيها إلا إسرائيل نفسها ، لذلك والكلام للمراقبين أن مواقف أردوجان ما هي إلا للاستهلاك الداخلي والإعلامي فقط لا غير.
|
أردوجان أثبت أنه من طراز فريد من القادة والرجال ، الذين تتطابق أفعالهم مع أقوالهم ، بسلسلة من الخطوات والاجراءات الواقعية بدأها بمنتدى دافوس وشجاعة أبهرت العالم ، وآخرها إلغاؤه للمناورات العسكرية مع إسرائيل |
ولكن أردوجان أثبت أنه من طراز فريد من القادة والرجال ، الذين تتطابق أفعالهم مع أقوالهم ، بسلسلة من الخطوات والاجراءات الواقعية بدأها بمنتدى دافوس وشجاعة أبهرت العالم ، وآخرها إلغاؤه للمناورات العسكرية مع إسرائيل ، فأردوجان ليس من الطراز الإيراني الذي يلعن أمريكا وإسرائيل ليل نهار ، ويتفاوض معهما خلف الأبواب المغلقة ، يهاجم الدول العربية والسنية بسبب علاقاتها مع أمريكا ، وهو يتعاون معها ويسهل لها احتلال العراق وأفغانستان ، وليس من الطراز الليبي الذي يناقض نفسه في اليوم الواحد عدة مرات ، ويبحث عن كل غريب وعجيب في الأقوال والأفعال والملابس ، ويميل للمواقف الاستعراضية التي لا تخدم قضية ولا تعيد حقاً ، وهو أيضاً ليس من الطراز الخطابي الذي يدغدغ مشاعر الجماهير ويعبث بمشاعرها ، ويتاجر بدماء شهدائها ، بخطب رنانة وإطلالات يومية ، لصب الزيت علي النار وتفريق الصف العربي والإسلامي المهتز ، ممن له أجندة خاصة تخدم طائفته ولا تنظر لمصالح الأمة كلها .
بالجملة أردوجان ليس كما يروج عنه الخائرون والمنهزمون والذين لم يروا يوماً رجلاً يقول وتأتي أفعاله مطابقة لما قال ، فهو ليس ظاهرة صوتية أو كلامية من أمثال الظواهر الكلامية الكثيرة التي تذخر بهم الساحة العربية هذه الأيام ، ونحن إزاء هذه المواقف المشرفة من جانب سليل الدولة العثمانية ، ندرك كم كانت جناية الشريف حسين عندما أعلن ثورته العربية المشئومة ضد الدولة العثمانية ، وما أورثته هذه الثورة علي العالم العربي والإسلامي .
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"