
باتريك كوبرن([1])/ الإندبندنت البريطانية
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الاسلام: ينبغي على بريطانيا أن تبدأ في سحب وليس في تعزيز جيشها بأفغانستان. فإرسال قوات إضافية أمر لا طائل منه وسيُثبت تأثيره العكسي. والأعداد الإضافية من القوات البريطانية ليست كبيرة، لكن الولايات المتحدة تستعد لإرسال عشرات الآلاف من الجنود الإضافيين إلى البلاد.
إن الصراع تتغير طبيعته؛ وما ينبغي أن يكون حربًا تقاتل فيها الحكومة الأفغانية ضد طالبان قد تحول إلى حرب يخوضها بشكل أساسي الجيشين الأمريكي والبريطاني. وهو ما يراه العديد والعديد من الأفغان على أنه احتلال إمبريالي.
وبالنظر إلى الجدل الدائر في كل من واشنطن ولندن بشان إرسال المزيد من القوات، فإنه نادرًا ما يُشار إلى حقيقة أن الأفغان أنفسهم يعارضون ذلك الانتشار العسكري.
وعلى النقيض من الخطط الغربية، فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته كلً من هيئة الإذاعة البريطانية وشبكة "إيه بي سي نيوز" و قناة "أيه آر دي" الألمانية في وقت سابق من هذا العام، أن 18% فقط من الأفغان هم من يريدون مزيدا من القوات الأمريكية وقوات الناتو/ إيساف في أفغانستان، بينما هناك عدد أكبر بكثير- من الأفغان- يريدون انخفاضًا في أعداد القوات الأجنبية.
إذن فليس من المستغرب ان تمكنت طالبان من كسب التأييد. فقد أصبح أي نوع اعتمد عليه الغرب من القسوة التي اتسم بها حكم طالبان قبل عام 2001 مجرد ذكرى بعيدة كما فاقت الجيوش الغربية كل ماقيل عن قسوة طالبان بمراحل بعيدة .. والآن فطالبان يصورون أنفسهم بنجاح كبير كحماة للبلاد ضد الاحتلال الأجنبي. وكان "ماثيو هوه"،الممثل المدني الأمريكي الأعلى في ولاية زابول شرقي قندهار، قد استقال الأسبوع الماضي على قناعة منه بأن الجيش الأمريكي ينبغي ألا يكون في أفغانستان.
ويقول ماثيو، الذي خدم بالعراق سابقًا كضابط بمشاة البحرية الأمريكية، في خطاب استقالته أن الولايات المتحدة انضمت إلى جانب طرف واحد ينخرط في حرب أهلية عمرها 35 عامًا بين طائفة الباشتون وأعدائها، مضيفًا أن: "التواجد العسكري الأمريكي في أفغانستان يسهم إلى حد كبير في دعم شرعية تمرد الباشتون ورسالته الإستراتيجية ... كما أن دعمنا للحكومة الأفغانية في وضعها الحالي لا يزال يوسع الهوة بين الحكومة والشعب".
وما ينطبق على الأمريكيين في زابول ينطبق أيضًا على البريطانيين في هلمند. وقد يبدو للقادة العسكريين على الأرض أنه بتواجد مزيد من القوات سيتمكنوا من فرض السيطرة على مزيد من المناطق وإرسال مزيد من الدوريات الأمنية.
وعلى مر التاريخ، طالما اعتقد القادة العسكريون أن ليس بينهم وبين تحقيق النصر سوى توفير بضعة آلاف من الجنود؛ إلا أن الأفغان، والذين لديهم خبرة طويلة في الحرب، يؤمنون بأن وجود مزيد من القوات الأجنبية يعني مزيد من العنف، ومزيد من القتلى والجرحى الأفغان.
إن أعلى درجات التأييد لطالبان توجد في تلك المناطق التي شهدت عمليات قصف أو غارات جوية من قبّل الولايات المتحدة أو الناتو وأسفرت عن وقوع إصابات في صفوف المدنيين. بعبارة أخرى: إن أفضل وكلاء لتجنيد المتطوعين لدى طالبان هما الجيشين الأمريكي والبريطاني.
ووفقًا لـ "جوردون براون" فضمان مستقبل جيد لأفغانستان ليس هو السبب الأول لكون بريطانيا تساهم بجيش قوامه 9.000 جندي هناك. فقد صرح براون أن الجنود هناك من أجل حماية المواطنين الذين يسيرون في شوارع بريطانيا وقال: "إن أطفالنا سوف يتعلمون من بطولة أبنائنا من الرجال والنساء الذين يقاتلون اليوم في أفغانستان من أجل حماية أمتنا والعالم من تهديد الإرهاب العالمي". وأضاف: إننا نقاتل هناك حتى نكون آمنين في منازلنا ومحصنين ضد الفظائع التي ترتكبها القاعدة، ليس في لندن فقط بل في جميع أنحاء العالم.
ومشكلة هذا الافتراض أن القاعدة تتمركز حاليًا في باكستان وليس في أفغانستان. وليس هناك سبب يضطر قياديها بالعودة إلى أفغانستان بما أنهم يستحوذون على قدر من التأييد من جانب أجهزة الاستخبارات الباكستانية والجماعات الجهادية الأصولية.
إن بريطانيا إذا ما أرسلت 9.000 من قواتها إلى الخارج لقتال القاعدة، فإنهم إذن في البلد الخطأ. وقد حاول السيد براون بدهاء التهرب من هذه النقطة بادعائه أن "ثلاثة أرباع المخططات الإرهابية بدأت في المناطق الحدودية بين باكستان وأفغانستان". إلا أن عدم دقته الجغرافية المفاجئة قد تجنبت ضرورة الاعتراف بأن هذه المخططات بدأت في باكستان وليس في أفغانستان. كما أن الجيش الأمريكي يقول أن مائة عنصر فقط من القاعدة هم من يتواجدون داخل أفغانستان.
وفي واقع الأمر، فإن وجود أعداد أكبر من القوة العسكرية البريطانية في أفغانستان يجعل بريطانيا مكانًا أكثر خطورة وليس أكثر أمانًا للعيش فيه.
وتكشف الاستجوابات التي خضع لها "انتحاريين" مفترضين أُلقي القبض عليهم قبل أن يتمكنوا من تفجير أنفسهم أن دافعهم الرئيسي إلى ذلك من بعد أحداث11 سبتمبر كان معارضتهم للحرب في العراق، وفي أفغانستان.
وبقيام السيد براون بتصوير بريطانيا على أنها في حالة حرب مع القاعدة، فإنه مثله مثل الرئيس بوش و"توني بلير" قد انزلق إلى الفخ الذي صنعته القاعدة في توقيت 11 سبتمبر. فلم يكن الهدف فقط إظهار الولايات المتحدة هشة وغير حصينة أمام الهجمات المسلحة، بل كذلك التحريض على الثأر من الدول الإسلامية. وكان "أيمن الظواهري"- كبير الإستراتيجيين بتنظيم القاعدة- قد ذكر في أعقاب 11 سبتمبر أن القصد من الاستفزاز كان إغواء الولايات المتحدة للانزلاق إلى الانتقام وفتح الطريق أمام "جهاد صراح ضد الكافرين".
وواجهت الولايات المتحدة وبريطانيا في أفغانستان والعراق نفس المعضلات. فهاتين الحربين قد أطلق شرارتهما الرئيس بوش فيما يهرول في أثره "توني بلير" على أمل أنها ستكون قصيرة الأجل ومنخفضة التكلفة. وقد كانت الهجمات العسكرية الأولية ناجحة تمامًا إلا أن الجيشين الأمريكي والبريطاني تورطا بعد ذلك في حروب عصابات طويلة ومنهكة. وحينها كان الكثير من الهيبة على المحك، والكثير من الدماء قد أُريقت من أجل الانسحاب. ويفاقم ضعف إمكانات المقاومة المسلحة في العراق وأفغانستان- نحو بضع آلاف مقاتل في كل منهما على حدة- من حجم المهانة التي يمثلها الانسحاب.
إن السبب الرئيسي وراء الالتزام العسكري لبريطانيا في أفغانستان كان الحفاظ على مكانتها كأهم حليف للولايات المتحدة في العالم. وفي عام 2006، كان ذلك يبدو كإستراتيجية معقولة، غير أن أي تدخل في أفغانستان، كما سوف تُظهر لك أي نظرة سريعة على تاريخ المنطقة، دائمًا ما سوف تحفه المخاطر. إن طالبان لم تُهزم فعليًا في ساحة المعركة عام 2001: فقد رحل مقاتلوها إلى قراهم أو اتخذوا ملاجيء لهم على الحدود في باكستان. وقد استغرق الأمر وقتًا من حكومة باكستان لتقرر أنه من غير الخطير فك حصارهم مرة أخرى وذلك نظرًا لانشغال الولايات المتحدة في العراق إلى درجة لا تجعل في إمكانها فعل الكثير حيال ذلك.
في الوقت نفسه أيضًا، قطعت حكومة الرئيس "حامد كرزاي" شوطًا كبيرًا في إلحاق الأذى بسمعتها. وهي لا تمثل في عرف الإدارة أكثر مما يمثله مشروع مضلل؛ فمسئوليها يجنون الأموال من تجارة الأفيون والهيروين ربما أكثر من طالبان. ويعيش حوالي 12 مليون أفغانيًا- 42% من السكان- تحت خط الفقر محاولين البقاء على قيد الحياة بـ 45 سنتًا في اليوم؛ ويعانون من سوء التغذية أو الجوع ولا يشعرون بأي ولاء تجاه حكومة يعيش وزرائها في قصور- تم بنائها من عوائد تجارة المخدرات- ومستشارين للمساعدات الخارجية تصل رواتبهم إلى 250.000 دولار سنويًا.
وقال السيد براون: "للأسف، حكومة أفغانستان أصبحت مردافًا للفساد"، وأضاف: "أنا لست على استعداد لوضع حياة أبناء بريطانيا من رجال ونساء في طريق الخطر من أجل حكومة لا تقف في وجه الفساد". وأخذًا بالمعطيات الشكلية فقط، فإن هذا يعني أن بريطانيا سوف تسحب قواتها نظرًا لكون الحقيقة في أفغانستان أن الحكومة التي يضربها الفساد في العمق لن تقوم بالإصلاح.
واستطرد رئيس الوزراء البريطاني:"ينبغي ألا يكون هناك أي مكان لأمراء الحرب وأوليائهم في مستقبل أفغانستان"؛ إلا أن الفوز الذي حققه السيد كرزاي في الانتخابات الأخيرة قد جاء بتحالفه مع أكثر أمراء الحرب دموية في البلاد. غير أن تعهد براون ليس إلا مجرد عبارات طنانة.
لقد سقطت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى حرب ثانية في أفغانستان لم يكونا متوقعين لها.وفي محاولتهم لتبرير سوء تقديرهم ذهب القادة الأمريكيون والبريطانيون إلى ادعاء أن أفغانستان حربًا يجب خوضها لأنها مركز الحرب ضد "الإرهاب العالمي". وجميع تلك التهديدات تنطوي على مبالغات ضخمة. إن طالبان الأفغانية تنحدر من طائفة الباشتون، التي تمثل 42% من السكان. وستعارضهم دائمًا الأغلبية. وبطبيعة الحال فإن القادة الأفغان أو الباكستان الحاليين لديهم كل المصلحة في تصوير أنفسهم أمام حلفائهم بالخارج على أنهم البديل الأوحد لطالبان.
ويقول السيد هوه أن:"تمرد الباشتون يتغذى على ما يرى شعب الباشتون أنه اعتداء متواصل ومستمر- منذ قرون مضت- على أرضهم وثقافتهم، وتقاليدهم ودينهم من قبّل أعداء محليين وخارجيين". وينبغي على بريطانيا ألا تكون جزءًا من ذلك الاعتداء الذي لن ينجح في سحق تمرد إقليمي للباشتون لصالح دولة غير الباشتون. وما دام ذلك مقبولاً، إذن فالحاجة إلى وجود قوة قتالية كبيرة جنوبي أفغانستان تتلاشى. وما يحدث في النهاية لأفغانستان ينبغي أن يُترك للأفغان أنفسهم.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"