إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               السبت 19-ربيع الأول-1433

قبل رحيله
الخميس 19 نوفمبر 2009
أم عبد الرحمن محمد يوسف
دقت ساعة الحائط، معلنة بلوغ الساعة تمام التاسعة مساء؛ فنظرت إليها هدى وتثاءبت في تململ شديد وهي جالسة في غرفتها، وفجأة؛ ارتفع رنين الهاتف بجوارها، فألقت عليه نظرة ملول، ثم رفعت سماعته في فتور وهي تجيب؛ فإذ بها صديقتها أمال.
قالت لها أمال: (كيف حالك؟ وماذا فعلتِ في مذاكرة اليوم؟)؛ فأجابتها هدى بصوت ناعس: (من الساعة السادسة وأنا جالسة في مكاني، لا أستطيع أن أبدأ)، فقالت أمال: (ما رأيك أن نلتقي ونتسامر)، فقالت هدى بشيء من السرور: (نعم، فإن الملل قد بلغ مني غايته، أريد أن أقتل الوقت قتلًا) ...
عزيزتي؛ هذا الموقف ليس بغريب، بل أظنكِ وزميلاتكِ مررن به كثيرًا، (نقتل الوقت)، فكم من واحدة منا أعطاها الله وقتًا وصحة وفراغًا، فإذا به يعق وقته ويضيع حقَّه.
(يا عاق): هكذا أطلق أحد البلغاء على مضيع الوقت الذي يعق الأيام، فقال: (من أمضى يومًا من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد شيده، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه؛ فقد عق يومه وظلم نفسه) [أدب الدنيا والدين، الماوردي، (1/57)].
وقتكِ حياتكِ
ما أسهل وأيسر تضييع الوقت؛ فقائمة تضييع الوقت تعج بمشهيات الفشل:
(شاهدي القنوات الفضائية وأدمنيها.
أكثري من النوم، واجعلي بين كل نومين فترة راحة!!
أعرضي عن القراءة الجادة إلى قراءة الجرائد والمجلات غير الهادفة.
أدمني الثرثرة بالهاتف أو الشات لغير فائدة.
أكثري من الأسفار ورحلات الترفيه البريء وغير البريء) [شباب جنان، خالد أبو شادي، ص(48)، بتصرف].
ثم في النهاية تفاجئين بما يعقب خمر الكسل من سكرة الفشل، وأن لذة الخمول آخرها آلام الأيام والدهور؛ فماذا جنى من بذر الراحة والخمول، والكسل والفتور:
(بعد فوات الأوان ... يريد أن يبر أباه وأمه وقد فارقا الحياة.
بعد فوات الأوان ... يريد أن يختم سورة الكهف يوم الجمعة، ولم يتبقَ على أذان المغرب سوى خمس دقائق.
بعد فوات الأوان ... يريد أن يصلي الفجر والشمس توشك أن تشرق.
بعد فوات الأوان ... يريد أن يدرك موعدًا بينه وبينه 20 كم.
بعد فوات الأوان ... يذاكر والامتحان بعد ساعة.
وأخيرًا .. وبعد فوات الأوان ... يريد أن يتوب وقد بلغت الروح الحلقوم، وداهمته الغرغرة وزاره ملك الموت!) [شباب جنان، خالد أبو شادي، ص(49)].
من أجل أن لا يقع الواحد منا في مثل هذا الموقف؛ صاح فاروق أمتنا: (إني أكره الرجل أن أراه يمشي سبهللا؛ لا في أمر دنيا، ولا في أمر آخرة) [الآداب الشرعية، محمد المقدسي الحنبلي، (4/303)].
وبالخبرة والحياة، والعلم والإدارة، بيَّن علماؤها أهمية الوقت، وأن الإنسان لو فقد قيمة الوقت لما استطاع أن يحقق شيئًا؛ فيقول جون ماكسويل:
(إذا أردت أن تعرف قيمة سنة؛ اسأل طالبًا رسب في الامتحان النهائي.
إذا أردت أن تعرف قيمة شهر؛ اسأل أمًّا أجهضت في الشهر الأخير.
إذا أردت أن تعرف قيمة أشبوع؛ اسأل محررًا صحفيًّا في جريدة أسبوعية.
إذا أردت أن تعرف قيمة ساعة؛ اسأل صديقين ينتظران اللقاء.
إذا أردت أن تعرف قيمة دقيقة؛ اسأل مسافرًا فاتته الطائرة.
إذا أردت أن تعرف قيمة ثانية؛ اسأل شخصًا نجا للتو من حادث.
إذا أردت أن تعرف قيمة جزء من الثانية؛ اسأل الفائز بالميدالية الفضية في سباق 100 متر عدو) [اليوم وأهميته، جون ماكسويل].
ومن أجل أن تدركي قيمة الوقت لدى كل من حاز النجاح؛ وأن اغتنام الوقت هو سنَّة حياة الناجحين، ووصفة نبوغ النابغين، وسر تفوق المتفوقين؛ مسلمًا كان أو لا، فينبيكِ من عرك الحياة، وتمرس في النجاح؛ فأدرك سره، نابليون، ينطق بلسان خبرته قائلًا: (إذا أردت أن تنجز مهمة فأعطها إلى رجل مشغول!!) [شباب جنان، خالد أو شادي، ص(46)].
إنه قد نطق بما نطق به المسلمون بعد مئات السنين؛ لأن لسان الجد واحد، وروح العزم ثابتة بين بني البشر أصحاب الجد والعزائم.
مضيعات الوقت
أولًا ـ ما هي مضيعات الوقت؟
(هي العوامل التي تحول دون أداء الأعمال الهامة ذات القيمة العالية.
هي الأعمال التي تستهلك كمية كبيرة من الوقت لا تتناسب مع القيمة الناتجة عنها.
هي الأعمال التي تشغلنا كثيرًا ولكنها تساهم مساهمة محدودة في تحقيق أهدافنا.
إن مضيعات الوقت تنبع دائمًا من مصدرين؛ أحدهما: هو البيئة المحيطة، والآخر: هو نفسك أنت) [كيف تدير وقتك، د.صلاح الدين محمود، ص(56)].
ومن أمثلة مضيعات الوقت من البيئة: المكالمات الهاتفية، الانتظار، الطوارئ والمشكلات، المواصلات.
ومن أمثلة مضيعات الوقت الذاتية: الافتقار إلى التخطيط، الفوضى، التأجيل، عدم القدرة على الرفض، فقدان الرغبة والملل، الرغبة الزائدة في المثالية.
ثانيًا ـ كيف نتعامل مع مضيعات الوقت:
الانتظار والمواصلات:
نحن نقضي وقتًا طويلًا في انتظار اجتماع أو محاضرة أو موعد، أو حتى في وسائل المواصلات؛ يمكنكِ الاستفادة بوقت الانتظار لتضيفي ليومكِ عدة ساعات، لا ينبغي أن يصبح وقت الانتظار وقتًا ضائعًا، بل لو أحسنتِ استغلاله لكان وقتًا إيجابيًّا في يومكِ؛ وذلك بالآتي:
1-لا تنفقي وقتًا طويلًا في انتظار من أعطاكِ موعدًا: تأكدي من الموعد والمكان، واحضري أنت في موعدكِ، ثم انتظري قليلًا عشر دقائق مثلًا؛ فإن لم يأتِ انصرفي.
2-استغلال هذا الوقت: احتفظي دائمًا في جيبكِ أو حقيبتكِ أو سيارتكِ بعدد من الأشياء الآتية (مصحف للقراءة أو الحفظ، كتاب مفيد للثقافة والاطلاع، ورقة وقلم لتكتبي خططك وأفكارك، مسجل وشريط لتستمعي إلى محاضرة مفيدة ...إلخ) [مستفاد من كيف تدير وقتك، صلاح الدين محمود، ص(61-62)].
فقدان الرغبة والملل:
بعضنا يمل من كثرة الأعمال، وحينما يعتريه الملل يقلل من نسبة إنجازه بشدة؛ لذا يعد الملل وفقدان الرغبة في العمل من أحد مضيعات الوقت الخفية، ففي الظاهر أنت تعملين، ولكن حقيقية تستنزفين الوقت بشدة.
ومن أساليب معالجة الملل ودفعه:
1-أعيدي ترتيب عملكِ أو أضيفي إليه شيئًا جديدًا.
2-أحدثي تغييرًا في عملك أو مذاكرتكِ؛ غييري المكان، أو طبيعة العمل أو المذاكرة، أو الأشخاص الذي يعملون أو يُذاكرون معكِ.
3-إذ بلغ منكِ الملل مبلغًا؛ خذي وقتًا للراحة والاسترخاء والتنزه والاستمتاع.
4-ناقشي أسباب الملل مع زميلاتك؛ فإن ذلك مما يدفع عنكِ الملل [مستفاد من كيف تدير وقتك، صلاح الدين محمود، ص(64)].
عدم القدرة على الرفض:
كثيرًا ما نضع الخطط، وندبر لأوقاتنا؛ ثم يدق جرس الهاتف، فتطلب منكِ صديقتكِ الخروج، أو قضاء الوقت معًا أو ...إلخ، وتكونين في حاجة لاستغلال ذلك الوقت، ولكن يمنعكِ الحرج، أو حبك لصديقتكِ من قول: (لا).
إن كنتِ كذلك؛ فاعلمي أنك في حاجة ماسة لتتعلمي قول (لا) في مثل تلك المواقف، وإن كنتِ تخشين الحرج؛ اجعلي لها بديلًا؛ أي قولي لها: (نعم، ولكن بعد الساعة التاسعة) أو (من الغد)، فتجمعين بين أهدافكِ وبين رغبة صديقتكِ.
الرغبة الزائدة في المثالية:
انتهت سلوى من محاضراتها الأربعة ثم رجعت إلى بيتها، وأخذت تكتب المحاضرة الأولى في (كراسة) خارجية، وتهتم بخطها جيدًا لمدة ثلاث ساعات، ثم أخذت تحفظ ما في هذه المحاضرة جملة جملة، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا؛ حتى فوجئت أن الساعة تعلن تمام الثانية عشرة وأن اليوم قد انتهى؛ ولم تنتهِ بعد من المحاضرات الثلاثة الأخرى؛ فأصابها ذلك بإحباط شديد.
عزيزتي؛ يخطأ البعض حينما يظن أنه يتحكم في الوقت؛ كلا، فالصواب أننا نتحكم في الأهداف ونحسن توظيف الأوقات.
فأمثال سلوى أصحاب المثالية؛ لا يدركون قيمة الوقت، فيظنون أنهم بذلك يحسنون صنعًا، وأن هذا التدقيق اجتهاد، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك؛ فالمجتهد هو من حدد أهدافه بواقعية وأحسن استغلال وقته لتحقيق تلك الأهداف.
الفوضى:
(كان امتحان الجامعة يوم الأربعاء، واليوم هو الثلاثاء، وفي ذلك اليوم أرادت عبير أنت تنتهي من مذاكرتها لتستعد للامتحان.
ولكن هناك مذكرة فيها دروس هامة لا تدري أين احتفظت بها!! فأخذت تبحث في أدراج مكتبها، وعلى سطح المكتب، ثم بحثت في المكتبة التي تعلو سريرها، وجابت أركان بيتها ركنًا ركنًا تبحث فيه عن المذكرة، وبعد بحث مضني منها وبمساندة أمها وأخيها استطاعت أخيرًا بعد ثلاث ساعات أن تجد المذكرة)!
تُرى ما شعور عبير بعد فوات هذا الوقت الثمين ليلة الامتحان؟!
يظن البعض أنه لو وضع المذكرة هنا، والكتاب هناك لاختصر من الوقت والمجهود، ولكن الحقيقة أن من يعطي ترتيب أغراضه وغرفته وحاجياته وقتًا فهو بذلك يوفر الوقت في المستقبل.
واعلمي عزيزتي أن ترتيب غرفتكِ دليل على ترتيب أفكارك وعقلكِ، وأن الفوضى الحادثة في غرفتكِ تنم عن فوضى في أفكارك، فالنظام والترتيب يعبر عن شخصة الواحد منا.
العلم يهتف بالعمل
عزيزتي، علينا أن نتخلص من مضيعات الوقت فورًا وإلا كان لسان حال المرء يقول:
(لحظة يا رب ... أرجع فيها إلى الدنيا، أسجد لك سجدة، أركع فيها ركعة، أذرف الدمع على ما بدر مني من ذنب، أطلب منك العفو، أُقبل قد أمٍّ عققتها، أو يد أب عصيته، أفعل فيها الخير، أنصر فيها الحق.
يا رب لحظة ... من ملايين اللحظات التي طالما أضعتها في دنياي؛ طاعة لشهوتي، واتباعًا لهواي، وخضوعًا للشيطان.
كم من ميت هذه أمنيته .. يتمناها وهو في النيران يتلوى، وفي الحميم يغلي، وأنت والله لا زلت إلى الآن في المهلة يا محظوظ، فمتى تصحو؟!) [شباب جنان، خالد أبو شادي، ص(54)]، فبادري قبل رحيل الوقت معلنًا رحيل العمر.
مـا هي إلا ليلـة ثـم يومـها           ويـوم إلى يوم وشـهر إلى شهر
مطايـا يقربن الجديد إلى البـلى          ويدنين أشلاء الصحـيح إلى القبر
ويتركن أزواج الغيور لغــيره           وقسمن ما يحي الشحيح من الوفر
أهم المراجع:
1-كيف تدير وقتك، د.صلاح الدين محمود.
2-اليوم وأهميته، جون ماكسويل.
3-شباب جنان، خالد أبو شادي.
4-أدب الدنيا والدين، الماوردي.
 




موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق