إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا
أوهام التسوية في الشرق الأوسط
روجر كوهين/ نيويورك تايمز
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام: لقد أصبحت متشائمًا للغاية فيما يتعلق بقضية الصراع "الإسرائيلي- الفلسطيني" حتى إنني أجد نفسي متفقًا مع قول وزير الخارجية "الإسرائيلي" المتشدد "أفيجدور ليبرمان" أن: "كل من يقول أنه من الممكن أن يتم التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع في غضون السنوات القليلة المقبلة، فإنه ببساطة غير متفهم للوضع ولا يُروج إلا أوهامًا".
وهذا هو الدرس المستفاد من أولى خطوات أوباما. فقد حاول الرئيس إحياء محادثات السلام عن طريق مواجهة "إسرائيل" بشأن المستوطنات، وإقناع الفلسطينيين باستئناف المفاوضات، والوصول إلى العالم الإسلامي. ولكن أخفقت هذه الجهود.
كما أنها قد عزلت "إسرائيل"- التي لا يحظى أوباما فيها بتأييد واسع- واقتربت برئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس" نحو الاستقالة. وقد حان الوقت لإعادة التفكير.
فما الخطأ الذي حدث؟ لقد كانت هناك أخطاء تكتيكية، من بينها تذبذب أمريكي أخرق بشأن قبول "كبح" "إسرائيلي" لبناء المستوطنات بدلاً من وقفها. إلا أن الخطأ الأكثر عمقًا كان خطأ إستراتيجيًا وهو: افتراض أوباما أنه يمكنه البدء من حيث توقف الرئيس كلينتون عام 2000 ومواصلة فكرة الأرض مقابل السلام داخل مبدأ حل الدولتين.
وهذا النهج قد أغفل الندوب العميقة التي تسبب فيها العقد الماضي: مقتل 992 "إسرائيليًا" و3.399 فلسطينيًا في الفترة ما بين اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 وعام 2006، وقيام الجيش "الإسرائيلي" بشراسة باحتلال معظم الضفة الغربية مجددًا، وصعود حماس العنيف إلى السلطة في غزة وما صاحبه من انبعاث لأيديولوجية الإبادة، والانتشار الواسع للمستوطنات اليهودية بالضفة الغربية، وبناء "إسرائيل" لجدار فصل يمتد لأكثر من 250 ميلاً قد صد عن "إسرائيل" "الانتحاريين" بينما أضنى حياة الفلسطينيين، وانتزع أراضٍ منهم وأصبح، بحسب كلمات المحامي "الإسرائيلي" مايكل سفارد: "جزء لا يتجزأ من خطة الاستيطان في الضفة الغربية".
وهذه ليست تطورات بسيطة. فقد غيرت الشكل التضاريسي للشرق الأوسط. والأكبر من ذلك، أنها غيرت سيكولوجية مناصري القضية من الطرفين. فقد عزل "الإسرائيليون" أنفسهم عن الفلسطينيين، وأصبحوا أقل اهتمامًا عن أي وقت مضى بالتعامل مع أشخاص لا يكادوا يرونهم.
وكما يعلق "رون ناخمان"، مؤسس مستوطنة "آرييل" الشاسعة، في كتاب "رينيه باكمان" الهام: (جدار في فلسطين)، فإن موجة "العمليات الانتحارية" الفلسطينية التي سبقت العمل في الجدار في منتصف عام 2002 قد حملت معنى أن: "الشعب "الإسرائيلي" أراد الانفصال. ولا يريد الاختلاط مع العرب، ولا يريد حتى رؤيتهم. وقد يُنظر إلى ذلك على أنه عنصرية، ولكن هذا هو الوضع القائم".
وهذا تقريبًا هو حالنا الآن
فبينما يقول الفلسطينيون "لن نتنازل عن بوصة واحدة أخرى"، فإن الإذلال الذي لا حصر له الذي يمثله الجدار الملتف، الذي يفصل الفلسطينيين بعضهم عن بعض وعن "إسرائيل"، قد عزز من هذه الـ "لا".
وفي الظاهر، فإن قرار أوباما بوقف بناء المستوطنات كخطوة أولى كان منطقيًا بما يكفي؛ فلم يغضب الفلسطينيون من أي شيء أكثر من التدفق المتواصل للمستوطنين "الإسرائيليين" إلى القدس الشرقية والضفة الغربية. ودعت كلاً من اتفاقية أسلو (1993) وخارطة الطريق (2003) إلى وقف المستوطنات، إلا أن عدد المستوطنين قد تصاعد بدرجة كبيرة إلى أكثر من 450 ألف مستوطن.
وقد كان الرئيس الأمريكي واضحًا في خطابه بالقاهرة عندما قال: "إن الولايات المتحدة لا تقبل بمشروعية استمرار المستوطنات "الإسرائيلية"".
وأنا كذلك. لكن الحقائق قاسية، وأوباما حاول غض الطرف عنها. وتوضح الأحداث التاريخية التي استعرضناها بإيجاز في السطور السابقة أن حكومة "بنيامين نتنياهو" اليمينية لن تحيد عن نمط التوسع الاستيطاني الذي نشأ منذ عام 1967.
وفي الواقع، يوضح كتاب باكمان (الذي تم نقل مقولة سفارد منه أيضًا) هدفًا "إسرائيليًا" لا يلين يعززه في الوقت الراهن جدار له في الحقيقة هدف مزدوج هو: وقف "الإرهابيين" ولكن أيضًا "حماية المستوطنات، ومنحها الفرصة للتطور".
ولهذا السبب، حتى مع امتداد 250 ميلاً، فإن الجدار (الذي كان من المخطط له أن يمتد إلى أكثر من 400 ميل) فعليًا أطول كثيرًا من حدود ما قبل 1967 أو الخط الأخضر: فهو يتغلغل بالضفة الغربية من أجل إقامة مستوطنات كبيرة على الجانب "الإسرائيلي"، تضم فعليًا أكثر من 12 بالمائة من الأرض.
وقد غضت الولايات المتحدة الطرف عن بناء هذا الجدار المُعزز للاستيطان. وهو لا يمكن إزالته على الأقل في المستقبل القريب. فالسلام والجدران لا يسيران جنبًا إلى جنب. لكن ربما تسير الهدنة والجدران. وهذا- ويجب أن اعترف على مضض- هو أفضل ما يمكن أن نأمل فيه.
وينبغي على أوباما، الذي حصل بالفعل على "جائزة نوبل"، أن يُقلل من حجم التوقعات، ويتوقف عن الحديث عن السلام، ويستبعد الكلمة، ويبدأ في الحديث عن هدنة؛ وهو ما يريده ليبرمان، وما تقول حماس أنها تريده، وهو نقطة النهاية لمراوغات نتنياهو.
ولكنه ما لا يريده عباس، غير أنه خائر القوى. وقد أخبرني أستاذ العلوم السياسية "شلومو أفينيري" أن: "الوضع غير العنيف الراهن حاليًا يبعُد عن أن يكون مريحًا ولكنه ليس سيئًا. فقبرص ليست سيئة".
وأتذكر حلم صديقي شلومو بالسلام، لقد ذهب ذلك. فقد قضى العقد الماضي على الأوهام الأخيرة:ثم الحاجز بعد ذلك. لقد غادر الشجعان الشرق الأوسط. ويتعين على سلام الشجعان أن يقبل بهدنة المعتدلين في أفضل الأحوال.
على الأقل حتى تزول من نفسية "الإسرائيليين" تبعات صدمة الانتفاضة. وأنا أتفق مع الكاتب "ديفيد جروسمان" عندما كتب: "إننا نمتلك عشرات القنابل الذرية، والدبابات، والطائرات؛ ونواجه أشخاصًا لا يملكون أيًا من هذه الأسلحة ومع ذلك، لا نزال نرى أنفسنا ضحايا. وهذا العجز عن إدراك أنفسنا بالنسبة للآخرين هو نقطة ضعفنا الأساسية".