
آريان بيكر ـ تايم الأمريكية
عدد 30 نوفمبر 2009
ترجمة: محمد الزواوي
عبد الجميل كان مستعدًا للسلام؛ فكقائد لمجموعة صغيرة من مقاتلي طالبان في محافظة وارداك الأفغانية، استطاع عبد الجميل أن يقنع رجاله بأن يستسلموا للحكومة في مقابل العفو عنهم ونيل الفرصة للعودة إلى حياة الزراعة أو العمل في المحال التجارية. ولكنه لم يحظ مطلقًا بمثل تلك الفرصة. فبعد أسبوع فقط من تقدمه إلى الحكومة، تم قتل عبد الجميل وعدد من أفراد أسرته. ولم يتضح إذا ما كانت حركة طالبان هي من قامت بتصفيته أم خصماؤه القدامى هم الذين رغبوا في الانتقام منه. ولكن على أي حال فإن قصة جميل والتي سرعان ما انتشرت في المحافظة، قدمت رادعًا لأي قيادة أخرى من طالبان تفكر في أن تعقد مصالحة مع الحكومة، كما تقدم لنا تلك القصة أيضًا درسًا عن مدى صعوبة الحديث مع حركة طالبان.
ومع بدء حامد كرزاي فترته الرئاسية الجديدة التي تستمر لخمس سنوات، لا يزال يقول أن أجندته الرئيسية هي أن يصل إلى نهاية سلمية للحرب في أفغانستان، وذلك من خلال التفاوض مع أعضاء حركة طالبان. وذهب كرزاي إلى حد دعوة "أخوته من طالبان" إلى أن "يتبنوا قضية بلادهم" وأن ينضموا إليه في المحادثات. وفي الوقت ذاته أصبحت الولايات المتحدة أكثر قلقًا من الحرب. ففي الوقت الذي يضع الرئيس باراك أوباما اللمسات الأخيرة على استراتيجيته الجديدة تجاه أفغانستان ويفكر في الكيفية التي سيقوم فيها بإرسال مزيد من الجنود إلى الجبهة الأفغانية، يتعرض إلى مزيد من الضغوط لتحديد استراتيجية خروج واضحة من البلاد. وما كان في السابق من المحرمات ـ وهو الحديث مع العدو الذي أطاحته القوات الأمريكية عام 2001 كانتقام من إيوائه لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وشبكته ـ أصبحت يحظى الآن بقبول متزايد، وذلك لأن جنرالات الجيش أدركوا أن تكتيكاتهم وحدها لن تؤدي إلى انتصارهم في تلك الحرب. فبالنسبة للعديد من الدبلوماسيين الأمريكيين والأوروبيين والذين يعملون في الأمم المتحدة، إضافة إلى المسئولين الأفغان، فإن الحديث مع طالبان بدا أنه الوسيلة الأسرع وربما الوحيدة أيضًا للخروج من هذا المستنقع.
ولكن هل هذا صحيح؟ أم أن الحوار مع طالبان سيكون الوسيلة الأسرع للدخول في معضلة جديدة؟
فبالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن الحوار يستحق المحاولة وأن ما يسمون بالمعتدلين من حركة طالبان يمكن أن ينفصلوا عن قادتهم المتطرفين، فهناك سابقة تدعو للتفاؤل. ففي أوائل عام 2007 تم إقناع عشرات الآلاف من المقاومة العراقية بأن يلقوا أسلحتهم في مقابل الحصول على أموال ووظائف، عادة ما كان ذلك كجزء من تشكيل ميليشيات لمقاتلة حلفائهم السابقين من تنظيم القاعدة. وإذا ما قامت الولايات المتحدة بالاستفادة من ذلك المثال، فإن الولايات المتحدة والناتوا يجب عليهم أن يتعرفوا على الفرص التي يمكن أن تؤدي إلى دمج المقاتلين المتمردين من ذوي الرتب المتوسطة والدنيا في المجتمع الطبيعي، وأن نقدم لهم طريقًا للخروج، كما نصح بذلك الجنرال ستانلي ماكريستال الأمريكي قائد القوات الدولية في أفغانستان.
ويقول الجنرال جريمي لامب، الرئيس السابق للقوات الخاصة البريطانية، والذي طلب منه ماكريستال ان يقود البرنامج، والذي تم الإعلان عنه في سبتمبر الماضي، يقول أنه يجب أن نقدم للمتمردين أمنًا وتدريبًا مهنيًا ووظائف وعفوًا عن جرائهم السابقة، مضيفًا: "لقد تم عقد مصالحة في السابقة مع المتمردين وتم إعادة دمجهم مرة أخرى في المجتمع لعدة قرون في حالات سابقة، لذا يجب عقد حوار معهم يرون من خلاله أن هناك أملاً وفرصة، لأن الطريقة الواحدة لمكافحة التمرد هو توفير حياة أفضل لهم".
وقد تبنى كلا الطرفين الغربي والأفغاني من المسئولين مصطلحات جديدة: فهم يرغبون في إعادة دمج العناصر من ذوي الرتب المتوسطة والمنخفضة من طالبان والذين يفترض أنهم يقاتلون من أجل المال أو من أجل الانتقام، ويجب أيضًا عقد مصالحة مع قادة طالبان الذين يقاتلون أيضًا من أجل دوافع أيدلوجية. والخطة طبقًا للمسئولين الأمريكيين سوف يتم المضي فيها بالاشتراك مع الحكومة الأفغانية، ويقول أحد الدبلوماسيين الأمريكيين: "إننا نعتقد أن إعادة دمجهم ـ إذا ما تمت بصورة صحيحة ـ وإذا ما تمت على يد الزعماء الأفغان والشعب على حد سواء، سوف تساعد على خلق الظروف لعقد مصالحة على نطاق أوسع في المستقبل داخل البلاد".
ولكن قيادات حركة طالبان لم ترحب بتلك المبادرة، وهو ما كان متوقعًا، وقالت أن مجاهدي الإمارة الإسلامية ليسوا مرتزقة، كما صرح بذلك الملا برادر آخوند في تصريح له، والذي قال فيه: "سوف تنتهي تلك الحرب عندما يغادر كل الغزاة بلادنا وأن يتم تنصيب حكومة إسلامية تلبي طموحات الشعب الأفغاني". ومثل تلك الإدانات من حركة طالبان كانت متوقعة، ولكن حتى أولئك الذين يدعمون تلك الخطة يخشون من أن كرزاي وحكومته فاسدة لدرجة أن المال والوظائف لن تكون كافية وحدها لإغراء مقاتلي طالبان لتبديل مواقعهم. يقول إيشاق نظامي الرئيس السابق لإدارة التلفاز والراديو تحت نظام طالبان: "إن دفع الأموال للعناصر ذوي الرتب المنخفضة والمتوسطة من حركة طالبان ربما تؤدي إلى نتائج ولكن على المدى القصير وبصورة مؤقتة، لأنها لن تفلح في حل مشكلاتهم الخاصة، فهناك الكثير من الفساد ولا يوجد تطبيق للقانون، ففي الكثير من المناطق تمكنت حركة طالبان من إرساء الأمن والعدل وهو ما فشلت فيه الحكومة، وحتى إذا ما تحول بعض مقاتلي طالبان، سوف يعودون أدراجهم مرة ثانية عندما يفهمون أن حياتهم لم تتحسن".
لذا لكي تؤتي عملية إعادة الدمج أكلها فإن الأفغان بحاجة إلى حكومة يقاتل الناس من أجلها وليس مقاتلتها هي، وحتى الآن لا توجد تلك الحكومة. إن الحديث مع طالبان سوف يؤتي ثماره فقط إذا صاحب ذلك برنامج مكثف لإعادة بناء البلاد، يمكنه أن يؤدي إلى إفراز حكومة نظيفة تحمي شعبها وتعطيهم فرصًا حقيقية، ولكن للأسف هذا هو الالتزام طويل الأمد الذي تحاول الولايات المتحدة أن تتجنبه في افغانستان.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"