إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاربعاء 16-ربيع الأول-1433

الإخفاق: مغامرة أمريكا بالعراق
الاثنين 30 نوفمبر 2009

 المؤلف: توماس إي. ريكس

عرض: محمد الزواوي

 

مفكرة الاسلام: كثيرًا ما يقال أن الصحافة هي النسخة الأولية للتاريخ، بمعنى أن الصحافة تؤرخ للأحداث الجارية وتقوم برصدها، انتظارًا للمؤرخين بعد ذلك ليعرضوا الصورة الأوسع والأشمل لمجريات الأحداث، بعد أن يتم ربط بعضها ببعض وتصحيح أخطاء التحقيق الأولي ـ الذي قامت به الصحافة ـ وربما يصل المؤرخون إلى استنتاجات مغايرة تمامًا عن الأحداث بخلاف ما أتت به الصحافة.

ولكن مع ذلك فمن الصعب أن نتخيل أن مرور السنوات سوف تستطيع تحسين الصورة القبيحة التي ظهر بها الجيش الأمريكي في العراق وانتهاكاته للقوانين والأعراف والاتفاقات، والتي صورها هذا الكتاب "الإخفاق: المغامرة الأمريكية في العراق" الذي ألفه كبير مراسلي البنتاجون للواشنطن بوست.

ومن العنوان نستنتج جليًا أن إدارة بوش أو مؤيديها لتلك الحرب القاسية التي تدخل الآن عامها السابع لن يسعدوا بهذا الكتاب أو يثنوا عليه؛ فهذا الكتاب لا يقدم مدحًا مفرطًا ولا ذمًا شانئًا، ولكنه كتاب واقعي استعان بمصادر قوية وتبحر في التفاصيل التي تصور فترة الإعداد للحرب ثم خوضها والمسار المدمر الذي سارت فيه بعد ذلك.

وما وراء ما حدث من مناظرات قبيل الحرب عن أسباب غزو العراق، مثل أسلحة الدمار الشامل وكل تلك المزاعم، فإن هذا الكتاب يغوص في التفاصيل التي سبقت غزو العراق، وكيف أن القيادة العسكرية الأمريكية بعسكرها ومدنييها فشلوا في التخطيط والتنبؤ بأكثر السيناريوهات احتمالاً لفترة ما بعد الحرب، وكيف تجاهلوا الدلائل القوية التي كانت تشير إلى أن قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة سوف تواجه تمردًا متصاعدًا، وهو ما رفضه وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد ووصفه بأنه مجرد "جيوب مقاومة من مجموعة من اليائسين".

ويقول ريكس في كتابه أن أسلوب الكتاب يعتمد على السرد التاريخي للأحداث التي وقعت حديثًا ويقوم بتغطيتها. وقد اعتمد المؤلف في كتابه على مئات الحوارات معظمها مع رجال الجيش الأمريكي ونسائه ومعظمهم ممن لا يزالون في الخدمة، وقد تحدث في هذا الكتاب الجنود والمارينز، من المشاة ومن الجنرالات بأربعة نجوم، كلهم تبادلوا بصراحة المعلومات وآرائهم عما حدث في العراق.

وفي معظم الفترات كان المؤلف مع الجيش في العراق، أما في الفترات التي كان يعود فيها إلى الولايات المتحدة فكان يتحدث بصورة دورية مع الجنود في ساحات القتال عبر البريد الإليكتروني، وقد تحدث إلى أولئك الذين في خضم المعارك إضافة إلى المحاربين المخضرمين الذين أنهوا جولة أو جولتين من الحرب وعادوا إلى الولايات المتحدة ويتأملون اليوم فيما قاموا بعمله أو تعلموه من تلك الحرب. وبالإضافة إلى ذلك استطاع المؤلف تجميع 37 ألف صفحة من المذكرات والشهادات والإيجازات العسكرية والصور لمستندات معظمها لم يتم الإعلان عنها حتى الآن.

والصورة التي تظهر من خلال هذا الكتاب هو عدم وجود استراتيجية من أعلى القادة نزولاً إلى الجنود على الأرض، ووجود افتراضات وردية عما سوف يحدث بعد سقوط بغداد، بالرغم من التحذيرات التي أطلقها كبار قادة الجيش، مثل رئيس الأركان آنذاك الجنرال إيريك شينسكي وجنرال المارينز المتقاعد أنطوني زيني. وقال ريكس في كتابه أن "الاستراتيجية الموجودة آنذاك كانت ترى على أنها شيء غامض ومغرقة في النظرية، وفي أفضل حالاتها قضية ثانوية، بينما على أرض الواقع فإن الاستراتيجية من المفترض أن تكون هي جوهر المهام التي يواجهوها الجنود بعد ذلك في ساحات القتال".

وقد اتهم المؤلف كلا من القادة العسكريين والقادة المدنيين بأنهم ـ في تلك الاستراتيجية ـ كانوا يخوضون حروبًا سابقة لتلك الحرب، وطبقًا لمصادر ريكس، فإن معظمهم كانوا ضباطًا ميدانيين وكبار الضباط، ولكن الجيش نسي "كل شيء تقريبًا تعلمه في حرب فيتنام عن مكافحة التمرد". ففي إحدى الأمثلة، ومع تصاعد العنف فإن "حماية القوات" أصبحت ذات أولوية قصوى للجيش، وهذا يعني وجود قواعد عمليات عسكرية كبيرة وآمنة نسبيًا على الخطوط الأمامية لمعظم الجنود عندما يلتحمون بصفة دورية مع السكان في وحدات صغيرة، وكان الحفاظ على الجنود وليس السكان هو الأولوية الأولى، وكان ذلك نوعًا كلاسيكيًا من مكافحة التمرد، كما زاد رد فعل الجيش قوة مع تصاعد العمليات التفجيرية من العبوات محلية الصنع والهجمات الأخرى التي زادت الأمور سوءًا على الجيش الأمريكي.

ويقول ريكس في كتابه: "القوات المحبطة استخدمت القوة أولاً، وانتهكت الدروس التي تعلمها الجيش من كل حملات مكافحة التمرد الحديثة والناجحة: وهو أن العنف كأداة يجب أن يكون الملاذ الأخير، وبخاصة بالنسبة لجنود أجانب عن السكان المحليين". والنتيجة المنطقية لذلك كانت إساءة معاملة المدنيين والمشتبه فيهم المقبوض عليهم، وهو ما أدى إلى زيادة التمرد بصورة أكبر. وقد انتقد ريكس ومعظم الضباط الذين حاورهم بصفة خاصة سلطة التحالف المؤقتة ومسئوليها إضافة إلى كبار الضباط مثل الجنرال تومي فرانكس والجنرال ريكاردو سانشيز، والذي تم إعفاؤه كقائد للقوات في العراق بعد انتهاكات المعتقلين التي تم الكشف عنها في أبو غريب وفي مناطق أخرى.

ولكن هناك الكثير من الأبطال في هذا الكتاب، مثل الميجور جنرال جيمس ماتيس قائد الفرقة الأولى مارينز، والميجور جنرال ديفيد بيتريوس قائد القوة 101 المحمولة جوًا، والكولونيل ماكماستر قائد الفيلق الثالث المدرع الذي كانت شهادة الدكتوراه التي نالها عن "سوء أداء الخدمة في الجيش"، والتي يقول المؤلف أن الكثير من الضباط يحتاجون إلى قراءتها اليوم، والتي ركزت على الفشل للقيادة المشتركة للأركان أثناء حرب فيتنام. بالإضافة إلى ما اعتبرهم أبطالاً من القوات التي فقدت ما يقرب من 3 آلاف جندي من زملائهم في تلك الحرب التي لا تزال بعيدة عن نهايتها.

والكتاب الأخير لبوب وودوارد "حالة الإنكار: بوش في الحرب" عن إدارة الرئيس بوش وتحدث فيه عما كان يجري في الشئون السياسية داخل البيت الأبيض. ولكن كتاب "الإخفاق" مخصص للقراء الذين يريدون صورة حقيقية لما يحدث على الأرض في تلك الحرب الطاحنة التي لم تضع أوزارها بعد.

وبالرغم من محاولة الولايات المتحدة تصحيح أخطائها بالانحياز إلى قواعد بدلاً من الانتشار المفرط في المدن، إلا أن تاريخ الولايات المتحدة في العراق وانتهاكاتها في سجن "أبو غريب" وغيره وما لاقاه المدنيون العراقيون من استخدام مفرط للقوة ومن تعذيب وتنكيل سوف يظل محفورًا في تاريخ شعب بلاد الرافدين، كما سوف تظل حرب العراق سبة في جبين الولايات المتحدة لن يمحوها الزمن.

TITLE: FIASCO: The American Military Adventure in Iraq 

AUTHOR: Thomas E. Ricks  PUBLISHER:  The Penguin Press

 





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق