أم عبد الرحمن محمد يوسف
قد يظن البعض أننا سنتحدث عن العملات النادرة ذات القيمة العالية؛ ولكن ليس ذاك.
وقد تظن أخريات أننا سنتحدث عن الذهب أو الماس وما شابه؛ وأيضًا ليس ذاك.
إننا بمعرض الحديث عن فتاة تبادر إلى الطاعة، وتحذر من المعصية، وتسارع إلى عمارة الأرض، من تلقاء نفسها.
تلك العملة النادرة التي يمكن أن نطلق عليها الشخصية الملتزمة، التي رزقها الله وازعًا من نفسها جعلها تبتعد بنفسها عن المعاصي والمحرمات، لا مخافة البشر، بل لما رزقها الله من وازع داخلي، من محبة الله والخوف منه.
وبالطبع الفتاة صاحبة هذا الخلق وهذه المبادئ الرفيعة التي تحافظ عليها في السر والعلن عملة نادرة، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بندرتهم بين الناس حينما قال: (إنما الناس كالإبل المائة؛ لا تكاد تجد فيها راحلة) [متفق عليه].
الخلاصة عزيزتي هذه الشخصية التي نتحدث عنها هي: (شخصية تحركها مجموعة من القيم تمثل مبادئ عليا، وهي مستعدة للالتزام بهذه المبادئ في شتى المواقف والظروف) [كيف تغرس القيم، د.محمد صديق، (21)].
وهذه محاولة مني لتوضيح سمات هذه الشخصية حتى تسعى فتاة الإسلام سعيًا نحو تمثل هذه الشخصية مع نفسها ومع الآخرين.
ما هي المبادئ التي نلتزم بها؟
هي المبادئ النبيلة السامية التي جاء بها ديننا الحنيف، كالعدل والأمانة والحياء والعفة ... وغيرها من المبادئ الأخرى، وهي واضحة جدًّا في كلام الله تعالى وحديث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
وإليكِ سمات هذه الشخصية الملتزمة:
السمة الأولى ـ الوازع الداخلي:
هدى طالبة في الصف الثانوي، تعبت كثيرًا في المذاكرة حتى تتأهل للجامعة التي تريد، ولكن للأسف الشديد لما بدأ الامتحان تفاجأت بسؤالين لا تعرف إجابتهما البتة؛ مما يهدد مجموعها بنقص في الدرجات غير يسير ... ولكن ... ورقة زميلتها بجانبها واضحة جدًّا بحلولها وإجاباتها، ولو ندت من هدى التفاتة لورقة زميلتها لن ترَها المدرسة .... إنها تريد أن تغش ولكنها حقيقة في حاجة ماسة للمعلومة ... ولا رقيب من البشر يراها ... تُرى ماذا تختار هدى؟! هنا عزيزتي يظهر الوازع الداخلي.
أما سلوى فهي مهندسة تعمل مديرة لقسم ما لأحد الشركات، وللأسف أخطأت خطأ عرَّض الشركة لخسارة مبلغ من المال، ولكن لم ينتبه لخطئها إلا واحد من الموظفين فقط ... فإذ به يعرض عليها صمته على خطئها في مقابل أن تدفع له مبلغًا من المال ... فماذا ستختار سلوى؟! هنا أيضًا يظهر الوازع الداخلي.
في الموقفين السابقين عزيزتي، يظهر لنا السمت الأول للشخصية التي نتحدث عنها؛ فهي شخصية تعيش بالمبادئ، فأخلاقها دائمًا ما تمنعها من الخطأ ومما يغضب الله تعالى، وإن ندت منها زلة أو خطأ فإذ بنفسها تلومها بشدة وتأبى إلا أن تتوب وتكفِّر عن خطئها.
ولو تعلمين عزيزتي، أن الفطرة السليمة بنفسها تدعو إلى هذا الوازع الداخلي، فـ(مع بدايات مرحلة المراهقة، وخاصة عند دخول الجامعة تتكون لدى الفرد ـ من خلال الخبرات السابقة ـ مفاهيم محددة عن الصواب والخطأ، وعن الحق والباطل، وعن الفضيلة والرذيلة، ويصبح أكثر قدرة على التعامل مع المواقف المختلفة من خلال منظومة القيم لديه، دون ضغط من الخارج) [شباب بلا مشاكل، د.أكرم رضا، ص(158)].
فالالتزام والاتسقامة حاجة داخلية، فـ(حاجة الإنسان إلى عبادة الله أمر فطري ثابت؛ وهو ما يحسه الإنسان على وجه الخصوص في حالة الشعور بالذنب أو في حال الشدة والخطر، فيتوجه إلى الله خالقه لفك كربته، وحل أزمته) [المراهقون دراسة نفسية إسلامية، د. عبد العزيز النغيمشي، ص(39)].
وبالمثال يتضح المقال:
السؤال العجيب:
ومثال ذلك من سيرة الصحابة الأماجد، ذلك الشاب الذي حدَّثته نفسه بالمعصية ولكن أبت أخلاقه التي تعلمها من الإسلام أن يعصي الله تعالى؛ فجاء ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: (يا رسول الله ائذن لي بالزنى)! [صححه الألباني] فتحدث إليه النبي صلى الله عليه وسلم بحجته الباهرة حتى شفى الله قلب الشاب من مرض المعصية.
ولكن الشاهد أخيتي في هذا السؤال العجيب، والاستئذان الغريب، أن الشاب منعته أخلاقه ومبادئه من الوقوع في براثن المعصية والمحرمات، حتى دفعه ذلك إلى سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، فلما صادف كلام النبي صلى الله عليه وسلم هذه النفس النقية والأخلاق الرفيعة كانت الهداية من الله تعالى.
أبت نفسه إلا التوبة:
وحتى لو وقعت هذه الشخصية في الخطأ، فكل بني آدم خطاء؛ فإن مبادئ الإسلام التي تربت عليها الفتاة المسلمة تردها مرة أخرى إلى الصواب؛ مثل ماعز رضي الله عنه، حينما وقع في الزنا، أبت عليه نفسه إلا التوبة والرجوع إلى الله تعالى، فجاء كما في الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله طهرني، فقال: (ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه)، فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فيمَ أطهرك؟)، قال: من الزنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبه جنون؟)، فأُخبر أنه ليس بمجنون، فقال: (أشرب خمرًا؟)، فقام رجل فاستنكهه [أي شم رائحة فمه] فلم يجد منه ريح خمر ... [رواه مسلم]، فهكذا الأخلاق والوازع الداخلي والمبادئ لا تترك صاحبها في الخطأ، بل تلومه نفسه وتوبخه حتى يغادر الخطأ ويتوب منه.
السمة الثانية: لأمتها من حياتها نصيب:
هل تعرفين ما هو ثمن حياتكِ؟!
قد يثير السؤال في نفسكِ التعجب أخيتي، ولكن بالفعل لكل واحد منا ثمنًا، وثمن حياة الإنسان وقيمته تُقدر بحسب الفائدة التي تعم الآخرين على أيدينا، فالتي تدعو صويحباتها إلى الله لها أثر، والتي تكفل يتيمًا لها أثر، والتي تتكفل بأسرة مسكينة لها أثر، والتي تنجح في دراستها وتعلم غيرها أيضًا لها أثر ... وهكذا.
لذلك كان الصحابة الكرام من أغلى الناس ثمنًا حيث سخَّروا حياتهم لهداية الخلق، وبعد فضل الله تعالى وبذل الصحابة وجهودهم لما وصل الإسلام لي ولكِ هكذا لتعرفي طريق النور.
وبالمثال يتضح المقال:
النبي خير مثال:
ولو قلَّبنا صفحات التاريخ لنعثر على شخصية بذلت من حياتها للآخرين؛ لما وجدنا مثل النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قد سخَّر حياته كلها لنصرة الإسلام وهداية الخلق.
فهاجر من مكة لخدمة الإسلام، وسخَّر نفسه لبيان الحق، وسخَّر زواجه وبيته لخدمة الإسلام، وسخَّر ماله أيضًا لخدمة الإسلام، فكان يعطي هذا ويعطي ذاك ليتألف قلوبهم لدين الله تعالى؛ فقد جاء رجلًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه غنمًا بين جبلين فأعطاه إياه، فأتى الرجل قومه فقال: (أي قوم أسلِموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر) [رواه مسلم].
وحتى أنه صلى الله عليه وسلم سخَّر مشاعره لخدمة دين الله تعالى، فحينما يغلظ رجل له في الكلام، أو يجذبه آخر؛ ترينه يبتسم ويصفح عن ذلك الرجل، ولكن ما تُنتهك محارم الله تعالى إلا ويحمر وجهه ويغضب لله جل وعلا.
وللآخرين نصيب:
وأختم الأمثلة هذه بقصة شاب، ليس بمسلم، بل هو شاب ياباني يُدعى أوساهيرو، هذا الشاب جعل حياته وفترة شبابه مسخرة لخدمة قيمة غالية بالنسبة له وهي اليابان، فبذل واجتهد وضحى من أجلها، يحكي هو عن نفسه فيقول: (كانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس أصول الميكانيكا العلمية، كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى الموديل، فإذا تعلمت كيف يُصنع؛ وضعتُ يدي على سر هذه الصناعة كلها.
وفي ذات يوم قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع، ووجدت في المعرض محركًا قوة حصانين ثمنه يعادل مرتبي كله، فأخذت الراتب ودفعته وحملت المحرك، وذهبت إلى حجرتي ووضعته على المنضدة، وجعلت أنظر إليه وكأنني أنظر إلى تاج من الجوهر، وقلت لنفسي: هذا هو سر قوة أوروبا، لو استطعت أن أصنع محركًا كهذا لغيَّرت تاريخ اليابان.
رسمت المحرك بعد أن رفعت الغطاء عنه، ثم جعلت أفككه قطعة قطعة، وكلما فككت قطعة رسمتها على الورق بغاية الدقة وأعطيتها رقمًا، وشيئًا فشيئًا فككته كله، ثم أعدت تركيبه وشغلته فاشتغل؛ فكاد قلبي يقف من الفرح.
استغرقت العملية ثلاثة أيام، كنت آكل في اليوم وجبة واحدة، ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل.
فأتى لي رئيس البعثة بمحرك أصابه العطب وطلب مني أن أصلحه؛ فكلفتني هذه العملية عشرة أيام عرفت أثناءها موضع الخلل، فقد كانت ثلاث قطع من قطع المحرك بالية متآكلة صنعت غيرها بيدي، صنعتها بالمطرقة والمبرد.
ولكي أستطيع أن أفعل ذلك التحقت بمصانع صهر الحديد وصهر النحاس والألومنيوم، بدلًا من أن أُعد رسالة الدكتوراة كما أراد مني أستاذي الألماني، تحولت إلى عامل ألبس بدلة زرقاء وأقف صاغرًا إلى جانب عامل صهر المعادن، مع أنني كنت من أسرة ساموراي، قضيت في هذه الدراسات والتدريبات ثماني سنوات كنت أعمل خلالها ما بين عشر إلى خمس عشرة ساعة يوميًّا، وبعد انتهاء العمل كنت آخذ نوبة حراسة، وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة، ولكنني كنت أخدم اليابان، وفي سبيل اليابان يهون كل شيء)[مجلة المجتمع، العدد (998)، نقلًا عن صناعة الهدف، هشام مصطفى عبد العزيز وصويان الهجري وآخرون، ص(202-205)].
فتأملي(في هذا الشاب البوذي، الذي يبذل كل ذلك في سبيل اليابان، تأملي قوله: (ولكنني كنت أخدم اليابان، وفي سبيل اليابان يهون كل شيء)، وتأملي في مقابل ذلك حال كثير من شباب الإسلام، الذي لا يعبأ بدينه ولا يهتم لأمته؛ تعرفي سر تقدم أمم الباطل، وسر ما نحن فيه المسلمين) [لو أن له رجالًا، فريد مناع، ص(104)].
إجمال بعد تفصيل:
اعلمي أخيتي في النهاية أن هذه الشخصية التي نريد، والتي شبهتها بالعملة النادرة، من أهم سماتها أنها:
· (لديها توجه لتقييم الصواب من الخطأ، والحسن من السيئ، مع التشديد على وجوب فعل الصواب والحسن.
· الشعور بالالتزام الشديد تجاه المعايير الاجتماعية الجماعية.
· الشعور بالمسئولية تجاه الاهتمام بمصالح الآخرين، والحرص على حقوقهم.
· الالتزام بالصدق والإخلاص في العلاقات الشخصية.
· الشعور بحالة مزاجية سلبية عند التعامل مع المواقف غير القيمية، وبمعنى آخر: النفور من الأمور التي تخالف قيمه ومبادئه) [كيف تغرس القيم، محمد صديق، ص(20)، بتصرف].
فما نبغيه منكِ عزيزتي أن تكوني مثل هذه الشخصية، صانعة الحضارات ومعلمة الأجيال.
العلم يهتف بالعمل:
1- خصصي لنفسكِ موعدًا في الأسبوع للمحاسبة؛ فهذا مما يقوي الوازع الداخلي.
2- خذي بيد مجموعة من صويحباتك إلى الخير، فإن الدعوة إلى الله مما يعين العبد على الثبات.
3- خصصي من مالك، أو من مجهودك، أو من علمكِ شيئًا تفيدين به الأمة.
أهم المراجع:
1-المراهقون دراسة نفسية إسلامية، د.عبد العزيز النغيمشي.
2- كيف تغرس القيم في طفلك، د.محمد صديق.
3- شباب بلا مشاكل، د.أكرم رضا.
4- صناعة الهدف، هشام مصطفى وصويان الهاجري وآخرون.
5- لو أن له رجالًا، فريد مناع.