أين أنت الآن: الرئيسية

>>

أقلام القراء

يوم سقوط الخلافة الإسلامية

نشرت: الخميس 05 مارس 2009   عدد القراء : 23084

media//atatork.jpg

عبد العزيز كحيل

يوم سقطت الخلافة العثمانية في يوم 3 مارس 1924 صوّت البرلمان التركي على إلغاء نظام الخلافة بعد أن كان مصطفى كمال قد أعلن قيام الجمهورية التركية، وبذلك طويت صفحة بدأت مسيرتها منذ وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وأقام أول دولة إسلامية لتستمرّ بعد وفاته حاملة اسم الخلافة لتكون رمز وحدة الأمة الإسلامية وراعية شئونها الدينية والدنيوية، فلم يكن للمسلمين جنسية إلا هي ولا عرفوا دولاً قومية ولا انضووا تحت رايات جاهلية حتى احتلّ الغربيون معظم البلاد الإسلامية، وعملوا على إزالة هذا الرمز الّذي يمثّل قوة المسلمين حتى في حالات الضعف التي آل إليها في القرون المتأخّرة... وحدث ما لم يكن يتصوّره مسلم، فقد تولّى مصطفى كمال مهمة إلغاء الخلافة ليتفرّغ لتغيير وجه تركيا جذريًّا حتى لا تبقى لها صلة بالإسلام والعربية، فبدأ بإعلان أنقرة عاصمة للبلاد خلفًا لإسطنبول بعد أن توّج نفسه رئيسًا للجمهورية، ثم اتخذ تدابير صارمة لبلوغ غاياته، فأعلن الحرب على التديّن وجعل مدار نشاطه توطيد أركان العلمانية وإعادة "الهوية التركية" للشعب وتخليصه من التأثير العربي، ففي 1925 فرض ارتداء القبعة للرجال بدل الطربوش كإجراء رمزي لتطليق العادات الإسلامية وتبني التحول إلى العادات الغربية، فعل هذا باسم الديمقراطية التي تحترم الحياة الخاصة والاختيارات الشخصية، فلا تتدخل فيها، لكنه كان يرفع شعارها ليغطي على نزعته الاستبدادية التي تغذيها عداوته الشرسة لدين الله ولغة القرآن، حتى إنه منع الحجاب وكل الملابس التقليدية على الرجال والنساء، وقد "سمح" برفع الأذان في المساجد لكن باللغة التركية، وكم كان يتضايق من لفظ الشهادتين لأن فيهما تعظيمًا للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان يرى أنه أجدر بالذكر منه. وحوّل مسجد آية صوفيا في إسطنبول إلى متحف وأعاد الحياة لماضي تركيا ما قبل الإسلام وألغى التاريخ الهجري ليعتمد التاريخ الميلادي، كما اعتمد الحروف اللاتينية لكتابة اللغة التركية بدل الحروف العربية، وغيّر العطلة الأسبوعية من الجمعة إلى الأحد وألغى كل الضوابط الشرعية المتعلقة بالمرأة لتتساوى مع الرجل تمامًا من غير اعتبار للفوارق الطبيعية بين الجنسين، كل هذا ليخرج تركيا ـ بزعمه ـ من الظلمات إلى النور، ولا نور عنده إلا بإلغاء الشخصية الإسلامية والذوبان في الحضارة الغربية واعتمادها بخيرها وشرها وحلوها ومرّها ما يحمد منها وما يعاب!!! ولذلك أقدم على أخطر إجراءاته على الإطلاق وهو إلغاء أحكام الشريعة الإسلامية وتبنّي القوانين الوضعية، ففرض القانون المدني السويسري والقانون الجنائي الإيطالي والقانون التجاري الألماني، فاحتكم المسلمون لأول مرة في تاريخهم إلى قوانين غير ربانية بل وضعية وأجنبية. وقد اعتمد مصطفى كمال في حملته الشرسة لمحو آثار الإسلام والعربية على سياسة قمعيّة وحشية استهدفت علماء الدين بالدرجة الأولى، وطالت كل من اعترض على توجّهاته، فكان التقتيل والسجن والتشريد إلى جانب السخرية الرسمية بمظاهر التديّن كلها وانتهاك أبسط الحريات الشخصية، كل هذا باسم الديمقراطية، وأغرب من هذا أن الغربيين وأتباعهم في البلاد العربية مازالوا يمتدحون مصطفى كمال باعتباره مستنيرًا أخرج تركيا من ظلمات القرون الوسطى وأدخلها أنوار الحضارة والازدهار، ويعددون "مآثره" العظيمة وعلى رأسها النظام العلماني المعادي للدين (وليس الفاصل بين الدولة والدين فقط كما كان في الغرب) و"تحرير المرأة" من قيود الشريعة، وهم يعلمون أنه كان مستبدًّا طاغية لم يفوضه الشعب لمعاداة الإسلام ولا لتغيير وجهة البلاد، كما لم يحترم رأيًا مخالفًا، أي إنه لم تكن له علاقة بالديمقراطية في قليل ولا كثير. وبعد أن ألغى الخلافة وضيّق على المسلمين في عباداتهم وشعائرهم وقطع صلة تركيا بماضيها الإسلامي وحوّلها إلى دويلة فقيرة ضعيفة تخطب ود الغرب وتعتمد على اليهود، وبعد أن وضع البلاد تحت سيطرة العسكر وجعل من العلمانية دينًا بديلاً عن الإسلام، وعيّن مؤيديه في جميع مفاصل الدولة وظن أنه قد قضى على الإسلام نهائيًّا مات مصطفى كمال يوم 10/ 11/ 1938م بمرض أصاب كبده بسبب إسرافه في تناول الخمر، مات من سماه أتباعه (وليس الشعب التركي كما يوهم بذلك بعض المؤرخين والكتاب) أتاتورك أي أبو الأتراك. وقد أحيا القومية الطورانية وغالى فيها أشدّ المغالاة لتحلّ محلّ الانتماء العقدي لتركيا. هكذا سقطت الخلافة بعد أن عمّرت 1292 سنة، فانفرط عقد الأمّة وتهدّدها الضياع، لكن الأمل في عودة الخلافة لم يبرح المسلمين، وها هي تركيا أخذت تعود إلى الإسلام. فهل هي بشرى بين يدي عودة الخلافة الإسلامية؟

 

التعليقات

30 تعليق commemnt

أضف تعليق


    إذا وجدت إعلانا مخالفا اضغط هنا
    facebook twitter rss

    نداء إلى أهل دمشق لإغاثة الغوطة: أليس فيكم أخلاق مشركي قريش!

    دعا الدكتور احمد موفق زيدان الكاتب الصحفي المسلمين الي نصرة الغوطة فى ظل ما تتعرض له من مجازر يومية علي يد النظام السوري.<

    25 يناير 2015 03:05:00

    الزعاترة: أتباع إيران فى اليمن والعراق يتعاملون بمنطق قُطَّاع الطرق

    قال الكاتب والمحلل السياسي "ياسر الزعاترة" إن أتباع إيران فى اليمن والعراق ومليشياتها فى سوريا يتعاملون بمنطق قُطاع الطرق.

    25 يناير 2015 02:45:00

    السويدان يدعو إلى إعلان "الحوثي" رئيسًا لليمن !

    دعا الداعية الإسلامي طارق السويدان، من وصفهم بـ"علماء السلاطين" إلى إعلان "الحوثي" رئيسًا لليمن، تمامًا كما هو الحال في مصر"، وفق قوله.

    25 يناير 2015 02:15:00

    لأول مرة منذ عزل مرسي.. جماعة "الإخوان" تعين متحدثًا رسميًّا باسمها

    لأول مرة منذ عزل الرئيس المنتمي لها محمد مرسي في 3 يوليو/ تموز 2013، تعلن جماعة الإخوان المسلمين بمصر، مساء السبت، تعيين متحدث إعلامي جديد باسمها.

    25 يناير 2015 01:45:00

    أوباما يهاتف خادم الحرمين للعزاء في وفاة الملك عبدالله

    أجرى الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، اتصالًا هاتفيًّا بملك السعودية الجديد، سلمان بن عبدالعزيز، قدم خلاله التعازي بوفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي وافته المنية أمس الجمعة.

    25 يناير 2015 01:30:00

    "جبهة الشام" تحصد 10 من جنود النظام في اشتباكات بحلب

    لقي 10 أشخاص من جنود النظام السوري حتفهم، اليوم السبت؛ في اشتباكات مع جبهة الشام المعارضة، التي سيطرت على منطقة "تل البريج"، بعد أن كانت تخضع لسيطرة قوات النظام في مدينة حلب.

    25 يناير 2015 01:15:00

    هل أصبح الشرق الأوسط فارسيًّا؟!

    اليوم، ثمة مؤشرات متزايدة على أن النظام المشرقي الإقليمي، الذي ولد كأحد استحقاقات هزيمة الدولة العثمانية في الحرب الأولى وسيطرة الإمبرياليتين البريطانية والفرنسية، ما عاد قابلًا للاستمرار.

    24 يناير 2015 03:55:00

    الحوثيون ينقضون على دار الرئاسة في صنعاء: تصبحون على وطن

    اقتضت طبيعة هذه الفترة من تاريخ العرب المعاصر، أن تُشحن بالانتكاسات والهزائم التي تجد من يخفف وقعها الإعلامي والنفسي على الناس.

    22 يناير 2015 11:23:00

    هل خرجت تركيا من جلباب أمريكا ؟

    السياسة التركية بقيادة " أردوجان " شهدت في الأشهر الأخيرة تراجعاً واضحاً في المنطقة، في ظل انحصار نفوذ قوى الثورات العربية التي دعمتها تركيا في العالم العربي،واتخذت من دعمها هدفا إستراتيجيا

    19 يناير 2015 09:50:00

    الوباء الذي يهدد السعوديين..الأسباب وطرق الوقاية

    يعصف داء السكري الذي له مضاعفات خطيرة على الصحة العامة للإنسان بالمجتمع السعودي في الآونة الأخيرة بشكل غير مسبوق .

    18 يناير 2015 05:50:00

    مؤمن كويفاتيه يكشف في حوار حصري مستقبل الأسد ودور داعش في سوريا

    ـ قوي في المعارضة السورية تؤيد الحل السياسي الذي يضمن حرية وكرامة الشعب السوري، وتؤيد الحوار مع مؤسسات الدولة وليس مع بشار القاتل ونظامه.

    14 يناير 2015 08:48:00

    ما بعد شارلي إيبيدو.. الاستراتجيات الأوروبية المتوقعة تجاه العالم الإسلامي

    السؤال الذي يطرح نفسه ما الذي ستقدم عليه فرنسا وأوروبا بشكل عام من سياسات أو استراتيجيات بعد ان تهدأ العاصفة الإعلامية؟

    13 يناير 2015 08:06:00

    إغلاق