أين أنت الآن: الرئيسية

>>

أقلام القراء

يوم سقوط الخلافة الإسلامية

نشرت: عدد القراء :22709

media//atatork.jpg

عبد العزيز كحيل

يوم سقطت الخلافة العثمانية في يوم 3 مارس 1924 صوّت البرلمان التركي على إلغاء نظام الخلافة بعد أن كان مصطفى كمال قد أعلن قيام الجمهورية التركية، وبذلك طويت صفحة بدأت مسيرتها منذ وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وأقام أول دولة إسلامية لتستمرّ بعد وفاته حاملة اسم الخلافة لتكون رمز وحدة الأمة الإسلامية وراعية شئونها الدينية والدنيوية، فلم يكن للمسلمين جنسية إلا هي ولا عرفوا دولاً قومية ولا انضووا تحت رايات جاهلية حتى احتلّ الغربيون معظم البلاد الإسلامية، وعملوا على إزالة هذا الرمز الّذي يمثّل قوة المسلمين حتى في حالات الضعف التي آل إليها في القرون المتأخّرة... وحدث ما لم يكن يتصوّره مسلم، فقد تولّى مصطفى كمال مهمة إلغاء الخلافة ليتفرّغ لتغيير وجه تركيا جذريًّا حتى لا تبقى لها صلة بالإسلام والعربية، فبدأ بإعلان أنقرة عاصمة للبلاد خلفًا لإسطنبول بعد أن توّج نفسه رئيسًا للجمهورية، ثم اتخذ تدابير صارمة لبلوغ غاياته، فأعلن الحرب على التديّن وجعل مدار نشاطه توطيد أركان العلمانية وإعادة "الهوية التركية" للشعب وتخليصه من التأثير العربي، ففي 1925 فرض ارتداء القبعة للرجال بدل الطربوش كإجراء رمزي لتطليق العادات الإسلامية وتبني التحول إلى العادات الغربية، فعل هذا باسم الديمقراطية التي تحترم الحياة الخاصة والاختيارات الشخصية، فلا تتدخل فيها، لكنه كان يرفع شعارها ليغطي على نزعته الاستبدادية التي تغذيها عداوته الشرسة لدين الله ولغة القرآن، حتى إنه منع الحجاب وكل الملابس التقليدية على الرجال والنساء، وقد "سمح" برفع الأذان في المساجد لكن باللغة التركية، وكم كان يتضايق من لفظ الشهادتين لأن فيهما تعظيمًا للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان يرى أنه أجدر بالذكر منه. وحوّل مسجد آية صوفيا في إسطنبول إلى متحف وأعاد الحياة لماضي تركيا ما قبل الإسلام وألغى التاريخ الهجري ليعتمد التاريخ الميلادي، كما اعتمد الحروف اللاتينية لكتابة اللغة التركية بدل الحروف العربية، وغيّر العطلة الأسبوعية من الجمعة إلى الأحد وألغى كل الضوابط الشرعية المتعلقة بالمرأة لتتساوى مع الرجل تمامًا من غير اعتبار للفوارق الطبيعية بين الجنسين، كل هذا ليخرج تركيا ـ بزعمه ـ من الظلمات إلى النور، ولا نور عنده إلا بإلغاء الشخصية الإسلامية والذوبان في الحضارة الغربية واعتمادها بخيرها وشرها وحلوها ومرّها ما يحمد منها وما يعاب!!! ولذلك أقدم على أخطر إجراءاته على الإطلاق وهو إلغاء أحكام الشريعة الإسلامية وتبنّي القوانين الوضعية، ففرض القانون المدني السويسري والقانون الجنائي الإيطالي والقانون التجاري الألماني، فاحتكم المسلمون لأول مرة في تاريخهم إلى قوانين غير ربانية بل وضعية وأجنبية. وقد اعتمد مصطفى كمال في حملته الشرسة لمحو آثار الإسلام والعربية على سياسة قمعيّة وحشية استهدفت علماء الدين بالدرجة الأولى، وطالت كل من اعترض على توجّهاته، فكان التقتيل والسجن والتشريد إلى جانب السخرية الرسمية بمظاهر التديّن كلها وانتهاك أبسط الحريات الشخصية، كل هذا باسم الديمقراطية، وأغرب من هذا أن الغربيين وأتباعهم في البلاد العربية مازالوا يمتدحون مصطفى كمال باعتباره مستنيرًا أخرج تركيا من ظلمات القرون الوسطى وأدخلها أنوار الحضارة والازدهار، ويعددون "مآثره" العظيمة وعلى رأسها النظام العلماني المعادي للدين (وليس الفاصل بين الدولة والدين فقط كما كان في الغرب) و"تحرير المرأة" من قيود الشريعة، وهم يعلمون أنه كان مستبدًّا طاغية لم يفوضه الشعب لمعاداة الإسلام ولا لتغيير وجهة البلاد، كما لم يحترم رأيًا مخالفًا، أي إنه لم تكن له علاقة بالديمقراطية في قليل ولا كثير. وبعد أن ألغى الخلافة وضيّق على المسلمين في عباداتهم وشعائرهم وقطع صلة تركيا بماضيها الإسلامي وحوّلها إلى دويلة فقيرة ضعيفة تخطب ود الغرب وتعتمد على اليهود، وبعد أن وضع البلاد تحت سيطرة العسكر وجعل من العلمانية دينًا بديلاً عن الإسلام، وعيّن مؤيديه في جميع مفاصل الدولة وظن أنه قد قضى على الإسلام نهائيًّا مات مصطفى كمال يوم 10/ 11/ 1938م بمرض أصاب كبده بسبب إسرافه في تناول الخمر، مات من سماه أتباعه (وليس الشعب التركي كما يوهم بذلك بعض المؤرخين والكتاب) أتاتورك أي أبو الأتراك. وقد أحيا القومية الطورانية وغالى فيها أشدّ المغالاة لتحلّ محلّ الانتماء العقدي لتركيا. هكذا سقطت الخلافة بعد أن عمّرت 1292 سنة، فانفرط عقد الأمّة وتهدّدها الضياع، لكن الأمل في عودة الخلافة لم يبرح المسلمين، وها هي تركيا أخذت تعود إلى الإسلام. فهل هي بشرى بين يدي عودة الخلافة الإسلامية؟

 

التعليقات

30 تعليق commemnt

أضف تعليق


    إذا وجدت إعلانا مخالفا اضغط هنا
    facebook twitter rss

    الشريم: لهذا خصومة العلمانيين مع الإسلام وليس سياساته

    قال إمام الحرم المكي الشيخ سعود الشريم: إن خصومة العلمانيين مع الإسلام ذاته وليست مع سياساته.

    25 أكتوبر 2014 02:53:00

    بالفيديو.. مسلح يهاجم رجلي شرطة بفأس في نيويورك

    قالت الشرطة في مدينة نيويورك الأميركية: إن رجلًا مسلحًا بفأس هاجم مجموعة من رجال الشرطة في المدينة، بينما كانوا يستعدون لالتقاط صورة فوتوغرافية لهم أمس الخميس.

    25 أكتوبر 2014 02:34:00

    أحداث سيناء ونظرية الصدمة

    إن مصر اليوم تدفع ثمن سنوات الفشل المصري منذ كامب دايفيد وما بعدها ، حيث كانت دائمًا ما تستخدم الحلول الأمنية للمشكلات السياسية

    25 أكتوبر 2014 02:33:00

    تهديدات بالقتل لماليزي بسبب "مداعبة الكلاب"

    تلقى رجل نظم حدثًا لمداعبة الكلاب للمسلمين في ماليزيا تهديدات بالقتل من عناصر أصولية تعتبر الكلاب نجسة، لا يتعين لمسها.

    25 أكتوبر 2014 02:24:00

    إيران تعدم فتاة سنية قتلت ضابط مخابرات حاول اغتصابها

    إيران في طريقها لإعدام الفتاة المسلمة السنية (ريحانة جبارى) بعد قتلها لضابط شرطة شيعي حاول اغتصابها فقاومته!.

    25 أكتوبر 2014 02:19:00

    الحكومة المصرية تقطع الخدمة عن 10 مليون خط محمول

    أعلنت الحكومة المصرية اليوم السبت أنها قطعت الخدمة عن نحو ١٠ ملايين اشتراك بخدمات الهاتف المحمول في البلاد.

    25 أكتوبر 2014 02:15:00

    هل تتحول ليبيا إلى فيتنام العرب ؟

    قرار التدخل العسكري الجزائري والمصري المشترك ضد ليبيا لن يُتخذ إلا من تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي والذي وضع بنفسه الإستراتيجية الأمريكية نحو تقويض ثورات الربيع العربي

    04 أغسطس 2014 08:46:00

    الشعب المصري أسقط السيسي ومشروعه

    نعم انهارت خارطة السيسي، وما يحدث من محاولات للاستمرار مجرد حلاوة روح، وهم شعروا بالزلزال أكثر من الكثير منا، ففقدوا صوابهم وتخبطوا وسنرى ما يسر الشعب الصابر بإذن الله.

    30 مايو 2014 08:13:00

    رمال الخليج المتحركة

    قبل حوالي 3 عقود، وتحديدًا عام 1981، تأسس «مجلس التعاون الخليجي» لمواجهة الخطر الإيراني المتنامي بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979 .

    10 مارس 2014 09:41:00

    مفارقات بين تركيا أتاتورك وأردوغان

    وفي الأخير، أقول: إن الصخرة التي تعتري طريقنا لا تعيقنا، بل نصعد عليها إلى الأرقى بإذن الله تعالى.

    06 يونيو 2013 02:42:00

    عن الموقف الطائفي والموقف المبدئي

    هذا هو الفرق بين الموقف الحر، وبين الموقف المذهبي أو الطائفي أو الحزبي الذي يتدثر بالمقاومة والممانعة ليخفي سوأته، فيما الأولى أن ينحاز أولا وقبل كل شيء لحرية الشعوب.

    05 يونيو 2013 01:49:00

    الشركات الأمريكية والأوروبية وخطة السطو على النيل

    علينا أن نستعيد قوة الدولة المصرية وأن نوقف عمليات الاستنزاف الحادثة الآن، وعلينا أن نسعى لجمع عمقنا الاستراتيجي الشعبي والعربي والإسلامي لقطع الطريق على من يريدون ذبحنا بكل ما يملكون،

    04 يونيو 2013 09:25:00

    إغلاق