
الخبر: غادر وفد من حماس بقيادة إسماعيل هنية غزة من أجل جولة في دول الخليج، ومن المتوقع أن تشمل الزيارة إيران بعد أن وجهت حكومة طهران دعوة لهنية بزيارتها.
التعليق:
كتبه للمفكرة / شريف عبد العزيز
تعتبر سنة 2006 سنة فاصلة في التاريخ النضالي لحركة حماس، إذ قررت الحركة فيها دخول معترك الحياة السياسية بعد مراجعات ومشاورات بين قادة الداخل والخارج، وصدقت التكهنات واكتسحت حماس الانتخابات في المجالس التشريعية والتنفيذية، وهو النجاح الذي أدى لتحرج موقف حركة السلطة الفلسطينية ممثلة في حركة فتح.
ولأن لعبة السياسية لها تبعاتها وعواقبها خارجيًّا وداخليًّا - وربما الخارجية أكبر تأثيرًا من الداخلية - فقد بدأت الضغوط الخارجية والإقليمية على حركة حماس، وتوج هذا الضغط بالانفصال الداخلي الكبير الذي أدى لعزل قطاع غزة - التي أصبحت تحت سيطرة حكومة حماس بقيادة هنية - عن الضفة الغربية - التي أصبحت تحت قيادة فتح بقيادة محمود عباس وعصابته - بعدها تعرضت حركة حماس في غزة لحصار لا أخلاقي ولا إنساني بشع متجرد من أبسط المعاني الإنسانية، واشترك في هذا الحصار دول خارجية وأخرى إقليمية، وفقدت الحركة الدعم بشتى صوره فلم تجده في النهاية بعد الجهد والمعاناة الطويلة والصبر على أذى الجيران إلا عند إيران، فوافقت حماس مضطرة من باب مكره أخاك لا بطل.
بعض المراقبين والمحللين يرجع بداية العلاقة بين إيران وحماس لسنة 1992عندما قامت "إسرائيل" بإبعاد 400 من قادة حماس وكوادرها إلى مرج الزهور بلبنان وكان من بينهم الرنتيسي والزهار وهنية وغيرهم ممن سيستلم قيادة الحركة فيما بعد، وفي لبنان نشأت العلاقة بين "حزب الله" الشيعي ورجال حماس، ولكن هذه العلاقات لم ترق لمستوى التأثير والفاعلية حتى سنة 2006، بعد تصاعد الضغوط الخارجية على الحركة، فقد زار رئيس وزراء فلسطين وقتها "إسماعيل هنية" طهران واجتمع مع الرئيس الإيراني نجاد، ومرشد الثورة الإيرانية خامنئي، وحصل خلال هذه الزيارة على دعم مالي كبير قيل بأن السلطات المصرية قد صادرته عند مرور هنية بأراضيها إلى قطاع غزة، وقد صرحت صحيفة الديلي تلغراف البريطانية أن شخصين قد تحملا أكبر قدر من المسؤولية في مسألة تقديم يد المساعدة لحماس وهما قاسم سليماني - قائد فيلق الحرس الثوري الإيراني - ومحسن حسين أزاهي - وزير الاستخبارات - اللذان عملا على ضمان تدفق الأسلحة والأموال بشكل كامل إلى المقاومة الفلسطينية.
وأضافت الصحيفة أنه منذ سيطرت حماس على قطاع غزة عام 2007 حصلت على صواريخ جراد وصواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ ساجر روسية الصنع، فضلاً عن القذائف الخارقة للدروع وغيرها.
العلاقة بين حماس وإيران كانت ومازالت علاقة مصالح متبادلة لا تتجاوز إطارها السياسي النفعي التبادلي إلى مستواها الأيدلوجي والمنهجي، الذي قد تعذر فيه حماس لحد كبير، فحماس رأت في إيران مصدرًا هامًّا ورئيسًا في تمويل المقاومة بالمال والسلاح، وإيران رأت في حماس ذراعًا عسكرية لها تمامًا مثل "حزب الله" الشيعي في لبنان، تشاكس بها الأمريكان والصهاينة وتستخدمها كورقة ضغط لتحقيق التوازن السياسي والعسكري والاستراتيجي في المنطقة الحساسة من العالم، وقد عبر عن هذا الوضع الاستراتيجي رئيس الدائرة الإعلامية وعضو المكتب السياسي لحماس صلاح البردويل بقوله: إن العلاقة التي تبنيها حركته مع أي جهة كانت قائمة على أساس أن حماس تبحث في كل الآفاق عن الذي يؤيد الحق الفلسطيني ويدعم مقاومته، وإيران كانت إحدى هذه الدول التي ساهمت في دعم المقاومة سياسيًّا وماديًّا، وكانت العلاقة منذ البداية قائمة على أساس الاحترام المتبادل بعيدًا عن أي تدخل في القضايا الداخلية، وقد تصل في محطات معينة إلى التباين في وجهات النظر، وإيران لا تملي على حماس أي شيء، وحماس لا تقبل أن يملي عليها أحد أي شيء، والمصلحة المشتركة قائمة على أساس من احترام وجهات النظر وإيجاد أعذار لبعضنا في القضايا التي نتباين حولها.
ورغم هذا الوضوح في موقف حماس تجاه التعاون مع إيران وطبيعية العلاقة بينهما إلا أن هذه العلاقة قد جلبت على حماس الكثير من المتاعب والاتهامات الزائفة، من مسئولين فلسطينيين وعرب خصوصًا من مصر والأردن، فاتهمت الحركة أنها قد تشيعت وتركت عقيدتها من أجل المال والسلاح، واتهمت بالعمالة والخيانة والضلالة إلى آخر هذه الاتهامات الممجوجة التي لاقت رواجًا بين أوساط الشعوب العربية والإسلامية الكارهة بطبعها لإيران ومنهجها ودينها المليء بالخرافات والبدع الغليظة، ورغم إنكار الحركة المتكرر لفكرة التشيع إلا أنها تعرضت لحملات تشويه قاسية، ورغم إصدار علماء الحركة مثل "صالح الرقب" وزير الأوقاف في حكومة هنية لكتب تفضح الشيعة مثل كتاب "الوشيعة في كشف شنائع وضلالات الشيعة" وهذه الكتب تدرس في مدارس وجامعات غزة إلا أن هذه العلاقة الإستراتيجية قد جلبت على حماس كثيرًا من المشاكل والشناعات، خاصة بعد رصد حالات تشيع داخل صفوف الفلسطينيين في غزة، ولكنها حالات فردية لا يتجاوز عددها الثلاثين حالة.
حماس اليوم قد جاءتها الفرصة المواتية للتخلص من هذا الحلف التي اضطرت إليه وأكرهت عليه، فثورات الربيع العربي غيَّرت كثيرًا من قواعد اللعبة الدولية والإقليمية وبوادر الحكم الإسلامي النسبي في العديد من دول المنطقة أصبحت حقيقة واقعة، والموقف الإيراني من هذه الثورات اتسم بالسلبية التي وصلت لمرحلة محاربة هذه الثورات والوقوف ضدها، وتجسد ذلك في الدور الإيراني في البحرين والعراق، ثم المشاركة العسكرية الفعلية في سوريا، ودخول فيالق الحرس الثوري في قتال حقيقي ضد أحرار سوريا وشعبها الأبي، وموقف حماس في هذه الثورة اتسم بالتردد والتريث بادئ الأمر، بسبب اختلاف وجهات النظر بين الذراع السياسية بقيادة خالد مشعل المقيم في دمشق، والذراع الميدانية والحركية بقيادة هنية والزهار وغيرهما من قادة الداخل في غزة، ثم ما لبث أن انتقل للوضوح والتأييد للثورة الشعبية في سوريا بعد المجازر المروعة التي ارتكبها النظام الأسدي، وتمثل هذا التغير في موقف حماس في انسحاب معظم العاملين بالمكتب السياسي من دمشق، ورفض حماس التوقيع على وثيقة تأييد بشار التي وقعتها ثماني فصائل فلسطينية منها فتح والجهاد، ثم غياب خالد مشعل عن مؤتمر الصحوة الذي انعقد في طهران الشهر الماضي، ثم مداهمة قوات حماس لاحتفال أقامه عدد صغير من المتشيعين في غزة وإنهاء هذه الحفلة البدعية، مما جعل إيران تعلق مساعداتها المالية عن الحركة مما أثر بشدة على مركز الحركة المالي حتى تدخلت تركيا وتعهدت بدفع 300 مليون دولار لمواجهة الأزمة المالية التي تواجهها حماس في غزة.
واليوم وبعد أن رأت إيران أن حماس لم تتأثر بقوة من جراء وقف المساعدات المالية والعسكرية، وأن موقفها السياسي تدعم بقوة بعد ربيع الثورات، وملف المصالحة الفلسطينية قد فتح، وها هو إسماعيل هنية يزور البلاد العربية وتركيا فيستقبل استقبال الفاتحين في تونس والمغرب وتركيا ويلقى حفاوة بالغة، بعد أن رأت إيران فتح المعابر وانسياب حركة التجارة في غزة، قررت أن تستدرج حماس لمنظومة جديدة من العلاقات التي تبقي بها إيران على مستوى معقول من النفوذ في هذه المنطقة، وذلك بدعوتها لهنية زيارة طهران.
إيران لم تكن يومًا نصيرًا للقضية الفلسطينية ولا نصيرًا لأي قضية من قضايا العالم الإسلامي، فالمسألة عندها في الأول والأخير مصالح ومنافع وأيدلوجيات ثورية تجنيها من وراء شركائها ومن يتورط معها في علاقات وروابط، وهي اليوم ترى موقفها متحرج ويزداد تحرجًا، وامتدادها الجغرافي والسياسي الممثل في النظام الأسدي بسوريا على شفا الانهيار، وبالتالي سيتحرج موقف ذراعها العسكرية في لبنان ـ "حزب الله" الشيعي ـ كما أن وضعها في العراق لا يمكن الاعتماد عليه وحده فحسب دون وجود تأثير عسكري قريب من المواقع الحساسة، ولهذه الأسباب وغيرها إيران الآن تعمل على استدراج حماس مرة أخرى، لذلك كان على حماس ورئيس حكومتها هنية إدراك هذا المخطط الإيراني ورفض تلك الدعوة المشبوهة لزيارة طهران، لذلك نقول لهنية: نرجوك لا تفعلها!
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"