
مفكرة الاسلام: تعيش الصومال حقبة من تاريخها متواصلة مع سابقتها من السنين تتزايد فيها الصراعات وتتداخل فيها الرؤى , وتتصارع فيها القوى الداخلية وتتسابق إليها القوى الخارجية , في مشهد ضبابي مؤلم , ويعيش المواطن الصومالي مأساة متواصلة تتجدد في صباح كل يوم جديد..
وقد تواصلت مفكرة الإسلام مع أحد أبرز الدعاة الصوماليين النشطاء و المؤثرين في ساحتها خارجيا وداخليا , هو فضيلة الشيخ محمد إدريس رئيس المراكز الإسلامية الصومالية في أمريكا وأمين اتحاد علماء الصومال , وكان لنا معه هذا الحوار المتميز :
المفكرة : تعتبر الرؤية الآن في الصومال ضبابية إلى حد كبير؛ فهل يمكنكم وصف وتشريح الواقع الصومالي الآن خاصة فيما يتعلق بطبيعة واتجاهات وأفكار الجماعات الإسلامية داخل الصومال و الاختلافات بينها، وما هي الفروق الجوهرية بين هذه الأطراف ؟ وما حقيقة انتماء شيخ شريف أحمد؟

الجواب : الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد، نشكر الأخوة في مفكرة الإسلام على إهتمامهم بأوضاع إخوانهم في الصومال، ونسأل الله أن يوفقنا وإياهم إلى الهدى والسداد.
أما بالنسبة للسؤال، فالواقع الصومالي اليوم بلا رتوش بلد منهار، غابت عنه الحكومة المركزية منذ 19 عاما عمّت فيه الفوضى، يعيش بين التناحر الداخلي والتدخلات الأجنبية الخارجية، ما إن يخرج من هذه حتى يدخل في الأخرى، لم يرح رائحة الأمن والأستقرار طوال هذه السنوات العجاف إلا في مدة الستة أشهر التى سيطرت فيها المحاكم الإسلامية على العاصمة مقديشو، والهدوء السائد في مناطق (صومال لند) (وبونت لاند). لم تتوفر القناعات بعد- فيما يبدو- لدى أهل البلد على التصالح والتعايش على مصالحهم المشتركة، ولم يجد من الأصدقاء والأخوة القريبين من يقف بجدية إلى جانبه ويعينه على نفسه، ووجد أعداؤه المتربصون الذين لا يرقبون فيه إلا ولا ذمة فرصتهم الذهبية في الإثخان فيه بكل وجه والإجهاز عليه. قتل ما لا يقل عن نصف مليون خلال هذه السنوات، وتفرق نحو مليون آخر لاجئين في الآفاق من أمريكا إلى الصين، ومن جنوب أفريقيا إلى القطب الشمالي في أقصى فنلندا والنروج والسويد، ويعيش نحو نصف مليون في مخيمات اللآجئين في الحدود، ويموت آخرون أثناء موجات الهروب في الصحارى والبحار، ويكونون طعاما للأسماك والوحوش، نحو مليون شاب في سن الدراسة لم يتلقوا أي تعليم خلال العشر سنوات الأخيرة فقط، العاصمة التى تجري فيها معظم الصراعات عبارة عن (كتلة هائلة من الركام والخراب والنفايات).
لا توجد فيها أدنى الخدمات الإنسانية، ولا قيمة للإنسان فيها مطلقا بل هو أهون من الذباب، أو من (ثمن الطلقة) التى يقتل بها، وما يقرب من مليون شخص مشردون حول (العاصمة) المنكوبة، يعيشون في الأحراش، وتحت الأشجار، وتنتشر فيهم الأمراض والأوبئة. إنها أكبر مأساة إنسانية (منسية) في هذا العصر (بشهادة الهيئات والمنظمات). بلد مقطع الأوصال، منكوب بكل معاني الكلمات، فيه شركاء متشاكسون، مستودع للآلآم والأحزان والآهات، لا تمر فيه ساعة من ليل أو نهار إلا وتسمع المواجهات، والضحايا لأتفه الأسباب. إنه بلد يعيش بإختصار بين عقوق الأبناء ومكر الأعداء وعجز الأصدقاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومع ذلك فلا يزال الشعب الصومالي بحمد الله بعمومه متمسكا بأهداب الدين الحق، مصمما على الحياة، متشبثا بالأمل في فجر جديد، رغم كل المحن والآلآم من منطلق (إنه لا يأيئس من روح الله إلا القوم الكافرون). هذا إن سألتني أيها الحبيب عن الواقع. أما عن الإسلاميين الذين يحتلون (العناوين الرئيسية) اليوم، فهم من كل الأطياف والإتجاهات والمدارس الموجودة في العالم الإسلامي، من سلفيين، وإخوان المسلمين، وجهاديين ، وصوفيه، وغيرهم. وقد إشتركوا جميعا – بدرجات ونفوذ متفاوت – في منظومة المحاكم الإسلامية التى ضمّت – إلى جانب هؤلاء – بعض التجار، ورجال العشائر، وحتى بعض أمراء الحرب السابقين، والفروق الجوهرية بينهم هي في المستوى العلمي والثقافي والكوادر والخلفية التكوينية لدى كل منهم،وكذلك الفروق في المناهج والفروق في الرؤية والقراءة للواقع المحلي والإقليمي والدولي، وأيضا الإمتدادات (الفكرية أو التنظيمية) لكل منهم بالتنظيمات المشابهة في العالم الإسلامي. أما بالنسبة لإنتماء الشيخ شريف شيخ أحمد، فلا نستطيع أن نجزم شيئا، لأن الرجل يقول إنه لا ينتمي لتنظيم معين، ولكن الشائع في الساحة الصومالية أنه محسوب على الأخوان المسلمين المحليين.
المفكرة : رحبت الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم الدول الغربية بانتخاب شيخ شريف أحمد رئيساً للصومال، في الوقت الذي كانوا يعارضون فيه المحاكم الإسلامية وقد كان زعيمها ، ما السبب في ذلك ، وهل قدم شيخ شريف تنازلات ليكون رئيس الصومال؟ خاصة أن هناك اتهامات له من خصومه الإسلاميين في هذا الشأن؟وهل سينعكس ذلك على مستقبل الصومال ؟
الجواب : لا شك أن للشيخ شريف كغيره من الإسلاميين السياسيين له طموحه السياسي سواء في الرئاسة أو ما دونها ولا إشكال في ذلك في رأيي، وموافقة أو معارضة الولايات المتحدة يمكن أن يفهم أنه من منطلق مراعاة مصالحها كما ترى هي في كل وقت. أما من ناحية التنازلات، فلا شك أن من يخوض في المعترك السياسي لابد وأن يكون مستعدا للتنازلات خاصة إذا كان هو الطرف الأضعف في التفاوض، ولا ننسى أن الشيخ شريف دخل في المفاوضات وهو مكشوف الظهر من زملاءه في المقاومة، ونعرف أن ميدان السياسة ليس فيه تبرعات أو هبات توزع مجانا، وسيكون لذلك إنعكاساته على الواقع الصومالي بلا شك.
المفكرة : هل لدى الرئيس الصومالي مشروع سياسي حقيقي, وما هي أبرز ملامح هذا المشروع؟ وهل يملك قوة حقيقة تمكنه من تحقيق مشروعه؟ وما رأيكم فيمن يشكك بشرعية الحكومة الجديدة وشريف ؟
الجواب : أنا شخصيا أشك أن هناك مشروعا سياسيا حقيقيا أورؤية سياسية واضحة لدى أي من الأطراف المتصارعة على المسرح حاليا، سواء من جهة الشيخ شريف أو من جهة معارضيه ورفقاءه بالأمس، وإنما تطلعات سياسية - مصحوبة أحيانا بنيات طيبة لكن غير مدعومة ببرنامج سياسي مرحلي وعمل مدروس- وعلى هذا الأساس فربما يبدأ الشخص من نقطة بسيطة وينتهي إلى نهايات لم يكن يحسب حسابها. وتجارب الساحة الصومالية في السنوات العجاف تعلمنا أنه لا غالب ولا مغلوب، أو هكذا يخطط لها. أما من ناحية الشرعية، فهذا يحتاج إلى تحديد المقصود بمصطلح (الشرعية) فاذا كان المقصود الشرعية الإسلامية أو ما تنعقد به الإمامة شرعا، فهذا مفتقد في العالم الإسلامي منذ زمن بعيد، وإن كان المقصود الإنتخاب الحر من قبل الشعب أو ممثليه فهذا أيضا غير موجود في الصومال وفي غيره من الدول الإسلامية والعربية، وإن كان المقصود الإعتراف والتسليم به رئيسا وحكومته حكومة، فأعتقد أن الذي سيحدد ذلك هو الواقع وتغلب حكومته وتمكنها، فهو حتى الآن حقق جزءا من هذه الشرعية وهو إشتراكه في المؤتمرات الدولية والإقليمية وإستقبال الدول له كرئيس للصومال، ويبقي الشطر الأهم من الشرعية وهو أن يحقق التمكّن والإعتراف به كرئيس في أرض الواقع في الصومال، فحكومة الشيخ الشريف حتى الآن لا تسيطر إلا على جزء بسيط جدا من أراضي الجمهورية الصومالية، حتى العاصمة مقديشو ليست تحت سيطرة الحكومة الكاملة. وينحصر وجود حكومة الشيخ شريف على أجزاء من العاصمة مقديشو، وإقليم شبيلي الوسطي وعاصمته جوهر وبعض إقليم هيران وعاصمته بلدوين، وهي في أغلبها مناطق نفوذ قبيلة أبجال التى ينتمي إليها الشيخ شريف، أما مناطق الشمال الشرقي والغربي من الصومال ففيها حكومات بونت لاند وصومال لند، والمناطق الوسطي في جلدود وأجزاء من هيران، وكذلك جميع المناطق جنوب العاصمة بدءا من مقديشو إلى الحدود (الإستعمارية) مع كينيا وإثيوبيا وهي تضم أقاليم شبيلي السفلى وباي وبكول وجدو وجوبا الوسطى وجوبا السفلى كلها خارج سيطرة حكومة الشيخ شريف وتهيمن عليها الأطراف المعارضة له من حركة الشباب أو الحزب الإسلامي، أو غيرهم، كما إن من إنضم إلى الحكومة من أطراف المقاومة الميدانية وفعاليات (المحاكم السابقة) يعتبر ضئيلا بالنسبة إلى المعارضين، وهذا في الحقيقة يمثل تحديا كبيرا لا يمكن الإستهانة به لحكومة الشيخ شريف، ولذلك دعونا وما زلنا ندعو الأطراف جميعا إلى المصالح والحوار والمشاركة والتعايش لمصلحة البلد والشعب، ونصحنا الحكومة خاصة وما زلنا ننصح بأن عليها أخذ زمام المبادرة، وإتخاذ خطوات شجاعة نحو التصالح مع المعارضين المسيطرين على الميدان، وأن عليها أن تقتنع بأن القوات الخارجية سواء كانت أفريقية أو عربية لن تستطيع أن تفرض حكومة، لا يسندها الواقع والميدان.
المفكرة : ما هي برأيكم أبرز المعوقات التي تعوق الاستقرار في الصومال ؟ و كيف تصنفون العوامل المغذية للصراع في الصومال هل هي عوامل داخلية فقط أم هناك عوامل خارجية أخرى؟
الجواب : أبرز المعوقات في نظري هم الصوماليون أنفسهم في مكوناتهم الفكرية، وذلك لسيطرة الأنانية، وضيق الأفق، وأحادية التفكير ونفي الآخر، وقلة الخبرة، على كثير ممن يتعاطون الشأن العام والمسرح السياسي، وهذا ما يؤدي إلى ما نراه من عراك وخصومات حيث لا وقت للخصومات، ومواجهات حيث لا داعي لمواجهات، ومن ثم إتاحة المجال لتدخل الأعداء في كل مرة، ولا شك أن هناك عوامل داخلية وخارجية تغذي وتستثمر هذه المكونات. وأنا دائما أميل إلى أن العوامل الداخلية هي المحك وهي المنبع كما في التعبير القرآني ((قل هو من عند أنفسكم)) فليس من المعقول أن نلوم عدوّنا أنه إستغلنا حين نسمح له الإستغلال، ونشكو من أنه يغزونا ولا يدعنا في حالنا في حين نفتح له الثغرات والأبواب التى يدخل منها، والقانون لا يحمي المغفلين كما في التعبير الدارج.
ولا نقلل من دور التدخل الدولي في الشأن الصومالي وهو الذي يغذي الصراع الداخلي ، ويستخدم الفرقاء كأدوات تمثيل لمصالحه، والتدخل الدولي في شؤون الصومال يعود إلى القرن الخامس عشر، حيث تدخل البرتقال في الصراع الصومالي الأثيوبي لصالح أثيوبيا ، ما أدى أخيرا إلى مقتل الإمام أحمد بن إبراهيم على يد البرتقاليين، ويعود سب هذا التدخل إلى عنصرين أساسيين، وهما : الأهمية الإستراتيجية للصومال كبلد، وحوية أبناءه وتأثيرهم في شرق أفريقيا وفي القارة عموما إضافة إلى أنهم مسلمون 100% ما يصنف دوليا على أنه خطر استراتيجي يستدعي التعامل معه بكل جدية، وهذا ما جمع الأتحاد السوفييتي مع أمريكا على الإصطفاف مع أثيوبيا ومحاربة الصومال في حرب عا 1977 ، مع أن الحرب الباردة كانت في أوجها وقتذاك.
المفكرة : هل تعتقد أن ثمة إمكانية للمصالحة بين زعيم المعارضة الشيخ أويس والشيخ شريف؟ وهل هناك آية تحركات ايجابية للحل من أطراف إسلامية خارجية؟ و ماذا عن مبادرة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة العلامة يوسف القرضاوي ؟
الجواب : نعم أعتقد أن هناك إمكانية للصلح بين الشيخ شريف وبين معارضيه ومن أبرزهم زميله السابق في المحاكم وفي تحالف أسمرا الشيخ أويس، بشرط توفر النية الصادقة للصلح من أجل مصلحة الصومال بلدا وشعبا (وفي هذا تكون فيه مصلحة الطرفين ضمنا) كما قال الله تعالى (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) فالقضية الأساسية هي توفر الإرادة. ثانيا أن تتوفر الشجاعة والصراحة لدى الطرفين، فكل من الفريقين يعرف الآخر جيدا، فالمنطق أن يقول: الشيخ شريف مثلا.. تعال يا فلان، نجلس سويا، سرا أو جهرا، ماذا تريد؟ خذ هذا وأعطني هذا؟ هذا نصيبك وهذا من نصيبي؟ وانتهى الموضوع.. ولا حاجة لكل هذا الدوران في حلقات مفرغة وإرهاق العلماء والمشايخ من الداخل والخارج في حوار طرشان لا نتيجة له!! ونحن الصوماليين ندرك هذه الحقائق جيدا، ولا بد أن يكون حل أي مشكلة من أقرب وأقصر الطرق الممكنة، وهذا هو أقصر الطريق في نظري. ولكن يجبن الإنسان أحيانا عن مواجهة المشكلة، فيهرب منها ويتوه في الأودية، ويدخل الناس في متاهات ولا داعي لذلك، ومبادرة إتحاد العلماء برئاسة العلامة يوسف القرضاوي وكذلك هيئة مقاومة العدوان، كانت مشكورة وفي محلها، ولكن أعتقد أنها لن تحقق كثيرا بمعزل عن العلماء الصوماليين الذين يدركون خفايا القضية و هناك (خبايا في الزوايا) والمثل المعروف (أهل مكة أدرى بشعابها) فمن المستحسن أن تنسق جهود العلماء من الخارج مع هيئة العلماء في الصومال، ويمكن عند ذلك تكوين لجنة مشتركة وموحدة تقوم بالمهمة.
المفكرة : ماهو المطلوب برأيكم لإنجاح الصلح بين الحكومة الصومالية الجديدة والفصائل المسلحة كحركة شباب المجاهدين؟ و كيف ترى الموقف الصائب الذي يجب أن يتخذه قادة الفرق الصومالية المختلفة؟
الجواب : المطلوب إرادة الإصلاح لدى الأطراف أولا وبدونها سيدورون الناس في حلقة مفرغة وهم غير مقتنعين بالإصلاح أصلا، وإنما يريد كل منهم أن يأكل (الوليمة) دون أن يشاركه أحد، مع أنه في الواقع ليس هناك (وليمة) ولا حتى (حبة حمّص) -كما ذكرت في تصوير الواقع آنفا -. ثانيا أن تكون أجندات الأطراف المتصارعة نابعة ومنطلقة من واقع ومصلحة الصومال بلدا وشعبا وليس من أجندات خارجية لا تصب في مصلحة المسلمين في الصومال سواء كانت من مسلمين أو غير مسلمين، فلا يقبل من الحكومة أن تكون مهمتها تنفيذ أجندات من قبل الدوائر الدولية والإقليمية على حساب مصلحة الصومال وهذا مرفوض، وبنفس المقدار لا يقبل من بعض الإسلاميين أن ينفذوا أجندات من قبل إسلاميين آخرين في الخارج على حساب مصلحة وإستقرار المسلمين في الصومال. والموقف الصائب في رأيي أن تدرك الفصائل الإسلامية الصومالية أنها في إمتحان عسير اليوم، وهي اللاعب الرئيسي في الساحة بعد إندحار الغزو الحبشي، وإندحار أمراء الحرب، وإنقماع العالمانيين، والإسلاميون على الطرفين اليوم في الحكومة وفي المعارضة، وإن لم يدركوا أهمية الجلوس مع بعضهم، والحوار والتصالح فيما بينهم لإقامة حكومة موحدة قوية، تدافع عن البلد ودينه وشعبه، ولم يستفيدوا من الفرصة السانحة لهم اليوم، فإنني أتوقع – مع الأسف – أن يكون مصيرهم مصير أمراء الحرب المندحرين، وأن يخرجوا من الساحة قريبا – حكومة ومعارضة – مصحوبين بالفشل الذريع، والسعيد من اتعظ بغيره، والتاريخ مليئ بالعبر، وسنن الله لا تحابي أحدا، ونسأل الله أن يوفق إخواننا للإصغاء إلى نصائح العلماء، وأهل التجربة، وأن يتداركوا مواقفهم قبل فوات الأوان.
المفكرة : الصومال بلد مسلم لا يوجد فيه طوائف دينية أو أحزاب علمانية تعارض تطبيق الشريعة, فما هي مبررات الحكومة في تأخير وتسويف تطبيقها؟
الجواب : الحمد لله أن الدعوة الإسلامية في الصومال في العقود الثلاثة الماضية قد أتت أكلها وإن كان الطريق أمامها لا يزال طويلا، وقد وجدت في الساحة ولله الحمد رغبة عامة في تطبيق الشريعة وإن كانت لا تزال في حاجة إلى تأصيل وترسيخ علمي وعقدي وتربوي، والحكومة أعلنت أنها تريد تطبيق الشريعة، ولكن مبرراتها في الأساليب والتمكن،( أفلا وتطبيقها للشريعة مما يعجل في تمكينها وإكتسابها لثقة الشعب الصومالي ولذلك على الحكومة أن تدرك أن هذه القضية من الأسس التى يتوقف عليه وجودها وتمكنها أو عدمها وإضمحلالها وبإجتماع وتصالح الإسلاميين في الحكومة والمعارضة، وتعاضدهم، وتكتلهم، وضمّ قوة بعضهم إلى بعض، وتوسيع أفقهم للتعاون والمشاركة، يمكن – في نظري -الحفاظ على المكتسبات الحالية، وتحقيق المزيد من المكتسبات المأمولة، والحفاظ على حرية الصومال وإستقلاله ودينه ودمائه، وبذلك أيضا تكون الحكومة حكومة نابعة من الداخل وليست مفروضة من الخارج ، إذ أن من الحقائق المشهودة أن الحكومات النابعة من الداخل ومن ثقة الشعب وإختياره، لا يمكن أن تؤثر عليها الرياح الخارجية بسهولة، وبدون ذلك ستكون الأجندات الخارجية هي الكاسب الوحيد.
المفكرة : ما هي الرؤية الحقيقية لظاهرة القرصنة الصومالية ؟
الجواب : ظاهرة القرصنة إحدى الظواهر التى أفرزها غياب الدولة الصومالية المركزية التى تحفظ سيادة الصومال وحدوده البرية والبحرية الطويلة (ثلاثة آلآف كيلومترا) على المحيط الهندى وخليج عدن عند مدخل البحر الأحمر، وتداعي أمم الأرض لإستغلال هذا البلد المنكوب من جهتين : 1) نهب الثروات البحرية لهذه البلاد وقد قدّرت قيمة الأسماك التى نهبت من سواحل الصومال خلال عام عام واحد بنحو 300 مليون يورو. وقد عانى صيادوا السمك في السواحل الصومالية من إعتداءات هذه السفن الحديثة المسلحة، حيث كانت تقطع شباكهم، وتقلب قواربهم الصغيرة، وتطلق عليهم النيران، و في حادثة واحدة سنة 2006 قبضت سلطات بونتلاند على 27 سفينة صيد تنهب الأسماك، ومعروف أن الدول الأوروبية تتلمظ لهذه السواحل وقد وقعت سنة 2007 مع الحكومة الموريتانية إتفاقية بقيمة 500 مليون يورو يسمح بموجبها (200) سفينة أوروبية للصيد في المياه الموريتانية بالإضافة إلى 20 مليون يورو لتحسين بعض الموانئ. وحتى منظمة الفاو بالأمم المتحدة لم تستطع السكوت فأطلقت سنة 2007 نداءا تحذيريا حول ما يجري من نهب منظم في السواحل الصومالية، هذه كلها حقائق معروفة ومنشورة – وليس هذا مجال بسطها ولكن نشير إلى خلفيات القضية التى يراد لها أن تطمس- ولذلك بدأ عدد كبير من الصيادين العاملين في السفن الصومالية والبحرية السابقة يتسلحون بقوارب سريعة وبرشاشات ويطاردون هذه السفن لاسيما وقد شاهدوا أن بعض أمراء الحرب كانوا يتقاضون مبالغ طائلة من السفن الشرقية والغربية مقابل السماح لها بالصيد، ثم توسعت الظاهرة، وتحولت إلى (صناعة منظمة) –بزنس- وصارت لها أبعاد دولية، وآليات وطرق لوجستية، واحتشدت مئات السفن الحربية من الدول المختلفة في السواحل الصومالية، لمآرب في نفسها.
2) الأمر الثاني لإستغلال السواحل الصومالية هو دفن النفايات النووية، وقد وجدت في السواحل بعض براميل هذه النفايات، كما نشرت موافقة بعض أمراء الحرب في مقديشو في وقت مبكر سنة 1992 على دفن هذه النفايات السامة في السواحل الصومالية مقابل مبالغ زهيدة من المال. (أنظر بعض الصور المرفقة).

فهذه بإختصار بداية ظاهرة القرصنة وتطوراتها، وهي تضخم لتغطية جريمة كبرى تمارس ضد الصومال منذ إنهيار الحكومة المركزية، ومن المعروف أن الصومال يتمتع بأطول ساحل في أفريقيا،( بعدجنوب أفريقيا) ومياهه الإقليمية نحو 370 كيلومترا من الساحل الصومالي الى عمق المحيط الهندي، غنية بأغلى أنواع الأسماك من اللوبستر والجمبري والتونة وغيرها، ولكن توسعت الظاهرة كما ذكرنا وأصبحت نوعا من (الصناعة) الدولية التى تدر على شبكات مترابطة أموالا طائلة، كما طالت بعض سفن الشحن العادية، وصاحبتها حوادث غير جيدة، غير أن الظاهرة الإعلامية المقصودة يجب أن لا تحجب عنا الجرائم المنظمة التى ترتكب بحق الصومال والصوماليين، وهي قضية مرتبطة بعودة الحكومة المركزية القادرة على حفظ سيادة البلاد.
المفكرة : كيف ترون الموقف الدولي من الصومال على حقيقته؟ خصوصا إريتريا وأثيوبيا ومن وراءهم ؟
الجواب : الموقف الدولي والإقليمي من الصومال متفاوت حسب مواقف الدول، ورأس الحربة فيه (إثيوبيا) التى لها صراع عقدي وسياسي إستراتيجي مع الصومال منذ القدم، وكانت الحرب سجالا بينها وبين الصومال عبر القرون، آخرها حرب 1977، قبلها سنة 1964 ومن قبلها أيام المجاهد السيد محمد عبدالله حسن، وقبله الإمام المجاهد أحمد بن إبراهيم الذي انطلق من هرر وسيطر على كل أنحاء الحبشة حتى حدود السودان وطرد ملك الحبشة إلى خارج الحدود. وقد وجدت إثيوبيا فرصتها (لأول مرة) حين لجأ إليها بعض الضباط الصوماليين في مقدمتهم العقيد عبدالله يوسف، فاتخذت من تشكيل المعارضات القبلية المسلحة وسيلة لهدم الكيان الصومالي بأيدي الصوماليين أنفسهم، واستمر ذلك لمدة إثنى عشر سنة من سنة 1978 الى 1990 حين أنهك نظام زياد برى وأنهار الكيان وتمزق ثم غذّت إثيوبيا وأغرت أمراء الحرب والقبائل بعضها على بعض، تسلح هذا، وتدفع ذاك، وغرست سكاكينها في الجمل بعد أن وقع على الأرض. وأقنعت إثيوبيا بعض الدول الغربية أنها الحارس الأمين على مصالحهم، فأطلقوا يدها في الصومال، ودعموها، وإن كانت هناك بعض مراكز البحث الأميركية والخبراء الأميركيين الذين كانوا ينصحون الحكومة الأميركية أن لا تسمح لإثيوبيا بالغزو المباشر للصومال، لكن الإدارة الأميركية السابقة تبنت الموقف الإثيوبي. حيث إجتاحت القوات الإثيوبية البلاد لإسقاط المحاكم واحتلت البلد إحتلالا مباشرا لأول مرة، لكن الشعب الصومالي قاوم هذا الإحتلال حتى إندحرت بفضل الله ولكنها لا تزال تتربص، وتغذّي كل خطوط النزاع والتقاتل والشقاق، أما أرتريا فليس لها موقف عدائي أو أطماع داخل الصومال، غير أنها تريد الصوماليين أن يقيموا حربا بالوكالة عنها ضد إثيوبيا وأن يستمر توحل (الدب الإثيوبي) في المستنقع الصومالي، حتى ينشغل عن أرتريا. وعموما ليس من الحكمة أن يعلق الصوماليون آمالا على الموقف الدولي، فهو يتعامل معهم على حسب ما يكون عليه حالهم.
المفكرة : بماذا تفسرون غياب الدور العربي والإسلامي في الصومال مقارنة بتدخلهم في جهود المصالحة في لبنان وفلسطين,وأين دور الجامعة العربية في هذا الإطار؟
الجواب : غياب الدور العربي والإسلامي في الصومال ربما عبر عنه مراسل النيويورك تايمز الأميركية في بداية التسعينيات حيث كتب يقول: الصومال ضائع بين العرب والأفارقة، فالجامعة العربية لا تراه عربيا بالقدر الكافي لذلك لا تهتم به كما تهتم بالدول العربية الأخرى، والأفارقة لا يرونه أفريقيا بالقدر الكافي لذلك لا يهتمون به، فهو ضائع منسي بين الإثنين! ونحن نجد دولا أخرى واجهت نفس الأزمات ولكنها وجدت النجدة السريعة الكافية لمساعدتها على النهوض، مثلا إثيوبيا سقط فيها النظام بعد سقوط نظام زياد برى ولكن الدول الغربية ساعدت إثيوبيا على تجاوز الأزمة. وحصل في كينيا عند تزوير الرئيس كيباكي نتائج الإنتخابات وصارت البلاد على أبواب حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، لكن الدول الغربية والأفريقية تنادت لمساعدة كينيا بسرعة على تجاوز الأزمة وأرغمت الطرفين على المصالحة وتقاسم السلطة. لكن الصومال لم يجد هذا الإهتمام بالقدر الكافي وإن كنا نعود ونضع اللوم الأكبر على الصوماليين، إلا أن ضعف الإهتمام العربي والإسلامي كان واضحا، ولكن العزاء ربما أن العالم الإسلامي والعربي هو نفسه يعيش في حالة شلل وعجز كبير، وهو في غرفة الإنعاش منذ زمن، وفاقد الشيئ لا يعطيه، فربما أنه لا يدخر وسعا ولكن هذه طاقته الحالية.
المفكرة : هل يمكن أن تؤثر دعوة تنظيم القاعدة في تصعيد الصراع , وما هو رأي فضيلتكم في هذه الدعوة التي رفضتها هيئة علماء الصومال؟
الجواب : دعوة تنظيم القاعدة تؤثر بلا شك، ولكنه تأثير سلبي هدّام، لا يصب في مصلحة الإسلام ولا المسلمين في الصومال أو بشكل عام، وتأجيج الصراعات والقتال داخل الأمة الإسلامية وبلادها وبين أطرافها المختلفة لم يحقق في التاريخ الإسلامي كله إلا الكوارث والمحن وضعف المسلمين وإنهاك قوتهم وإشغال بعضهم ببعض وإغراء العدو في الإستيلاء على بلاد المسلمين وغزوها، فهي دعوة لا تفيد المسلمين في الصومال ولا غيرهم فضلا عن كونها دعوة متناقضة تماما مع أصول أهل السنة التى تدعوإلى جمع كلمة المسلمين، وحقن دمائهم، وإصلاح ذات بينهم، ومنع الفتن فيما بينهم. والموقف الذي صرح عنه فضيلة الشيخ بشير أحمد صلاد رئيس هيئة علماء الصومال هو موقفنا جميعا تجاه هذه الدعوة التى وقعت في غير محلها.
المفكرة : ما هي رؤيتكم لمستقبل الصومال في ظل تشبث الأطراف المتناحرة بموقفها,وفشل جهود الوساطة؟
الجواب : لقد عبرت عن موقفي في العديد من الكلمات والمقالات بالصومالية والعربية والحوارات مع بعض وسائل الإعلام، وموقفي هو موقف هيئة العلماء في بيانها الصادر بعد إجتماع مقديشو في الشهر الماضي، وهوموقف جمهور العلماء والدعاة في الصومال، وخلاصته أن على أطراف الصراع (الحكومة والمعارضة) ومعظمهم من الإسلاميين أن يتقوا الله في دينهم وأمتهم، وأن يجنحوا إلى الحوار والمصالحة فيما بينهم، وحل الخلافات بالطرق السلمية فيما بينهم، وأن لا يكونوا سببا في إراقة مزيد من دماء المسلمين في الصومال. كما أننى أرى أن الإسلاميين من كلا الطرفين أمامهم فرصة ثمينة لإقامة حكومة قوية يشتركون فيها جميعا تعيد الأمن والإستقرار، وتطبق الشرع، وتصد عدوان المتربصين، وتفشل مكائدهم ومخططاتهم، وإن أضاعوا هذه الفرصة بالتعنت والأنانية وتشبث كل طرف برأيه (كأنه وحده) الموكل بالإسلام والمسلمين، دون إعتبار بنصائح العلماء من الداخل والخارج، فستكون العواقب وخيمة على الجميع ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنني آمل أن يتغلب العلم على الجهالات، والتواضع على الغرور، والعقل على جموح العواطف، والرغبة الصادقة في الآخرة على الحرص على أعراض الدنيا الزائلة.
وفي الختام هنا نقطة: وهي أن بعض الأخوة يقولون: أننا تركنا أولادنا وأهلينا وتركنا متاع الدنيا وعشنا في الأحراش نقطع الوديان مع الجوع والعطش، وذلك كله لرفع راية الدين، فكيف نتهم بالدنيا؟ وهذا من تلبيسات إبليس اللعين، وهو أنهم يهتمون بالأمور الظاهرة، ويغفلون عن الأمراض القلبية الخطيرة من الكبر والغرور وإعجاب المرء بعمله الصالح من عبادة وجهاد وإنفاق، والتطلع إلى مدح الناس، والرغبة في التشفي من الآخرين والمنافسين، وكل هذه أمراض خطيرة أسرع إلى العباد والمجاهدين من غيرهم، فليتأمل، نسأل الله لنا ولأخواننا المسلمين العافية في الدنيا والآخرة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه..
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"