
إعداد : أحمد عمرو
مفكرة الاسلام: يمر اليمن بمرحلة من أحرج مراحله التاريخية إذ تصاعدت نزعات الانفصال في الجنوب، وقد لا تتوقف الأمور عند ثنائية الشمال والجنوب، فربما نشهد حالات تبعثر أكثر وشرذمة أخطر، حتى داخل الجنوب نفسه، وداخل الشمال نفسه، فهناك السلطنات والمشيخات المتعددة في الجنوب التي كانت قائمة في ظل العهد البريطاني حيث كان الجنوب مكونًا من 22 إمارة ومشيخة وسلطنة مستقلة عن بعضها يقودها أمراء وسلاطين ومشايخ ويشرف عليها ضباط سياسيين بريطانيين، وكذلك مناوشات الشيعة "الحوثيين" في جبال اليمن الشمالية، إضافة إلى ضعف السيطرة للسلطة المركزية في صنعاء.
وتلعب القوى الإسلامية الصاعدة في اليمن دورًا محوريًا فهي من جهة رقم في المعادلة الانتخابية، ومن جهة أخرى لها حضورها القوي في الساحة الاجتماعية والشعبية، ما يجعلنا نحاول أن نركز الضوء على التيار الإسلامي في اليمن وموقفه من أزمة انفصال الجنوب.
أولاً: موقف التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون):
يعد التجمع اليمني للإصلاح الذي أسس بعد أشهر من قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م الواجهة السياسية لحركة الإخوان المسلمين في اليمن، وقد دخلوا في سباق وتنافس مع الحزبين الحاكمين آنذاك المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، ومثلت مؤتمرات الوحدة والسلام في 1992م بقيادة الشيخ عبد المجيد الزنداني واجهة جماهيرية لمواجهة الاشتراكي اليساري.
وظلت خطابات وتصريحات قادة الإصلاح تعبر عن موقفها الثابت من الوحدة إلى أن بدأت المشكلة الجنوبية تطفو على السطح وبدأ الحراك الجنوبي في الظهور داخليًا وخارجيًا، وبدت المشكلة الجنوبية تعبر عن نفسها.
عندها بدأ التجمع اليمني للإصلاح يتناول القضية على استحياء في مؤتمراته الحزبية وتصريحات قادته، ففي المؤتمر الرابع للحزب في 26 فبراير 2007م أشار البيان الختامي إلى جزئية في القضية الجنوبية وهي التأكيد على "حق التعبير السلمي عن الحقوق والمطالب من خلال التظاهر والاحتجاج والمسيرات والاعتصامات والإضرابات السلمية"، لكنه لم يشر إلى الحراك في الجنوب، الذي لم تكن قيادات ميدانية للإصلاح بمنأى عنه.
كذلك خرج أمين عام الحزب سابقًا والقائم بأعمال رئيس الهيئة العليا حاليًا محمد اليدومي ومع تصاعد وتيرة الحراك الجنوبي ليلقي محاضرة انتقد فيها "الأصوات النشاز التي تنادي بالانفصال"، وبرر هذا بأن استهداف الوحدة "عجز عن مقاومة الظلم"، قائلاً: "سنواجه الانفصال وسنواجه الظلم ونسعى إلى تغيير الواقع السيئ ونحافظ على وحدة بلدنا".
بدت الأوضاع خلال 2008م أكثر تأزمًا، وخرجت عن سيطرة السلطة والمعارضة وحتى عن سيطرة الاشتراكي الحاكم في الجنوب سابقًا.
ويقول الدكتور محمد السعدي، الأمين العام المساعد لحزب "التجمع اليمني للإصلاح": إن "أوضاع الجنوب الحالية هي نتيجة لتراكم سياسات الحكومات المتتالية للمؤتمر الشعبي العام"، ويضيف إن آراء الحزب في هذا الشأن واضحة ومعلنة ولا تخرج عن موقف "اللقاء المشترك" الذي يمثل الإصلاح جزءًا منه. وأن رؤية الحزب لتهدئة الاحتقان القائم في الجنوب تقوم على "الاعتراف من قبل النظام بوجود أزمة"، و"دعوة القوى السياسية المؤثرة لتشخيص هذه الأزمة، ووضع الحلول بشراكة وطنية بين كل القوى المؤثرة بما فيها الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية".
ويقول الأستاذ عبد الوهاب الآنسي، الأمين العام للتجمع اليمني للإصلاح: "نحن في التجمع اليمني للإصلاح، وكأحزاب اللقاء المشترك للمعارضة، نجرم وندين وسنقف ضد أي تصرف تم في السابق أو تصرفات قد تتم لاحقًا قد تؤدي إلى إخراج هذه القضية من إطارها الوطني إلى إطار خارجي إقليمي كان أو دوليًا". لكنه في المقابل لن يكرر موقفه الذي أبداه في حرب 1994م بعد أن تنكر الرئيس صالح لدماء مقاتلي التجمع وجهود رموزه الدينية والاجتماعية لتجييش الشعب إلى جانبه!
في 12 مارس 2009م أشار الحزب في بيان مؤتمره الرابع الدورة الثانية إلى ما أسماه "الأوضاع الخطيرة في المحافظات الجنوبية ونذرها الكارثية"، واعتبر ذلك "ناجمًا عن سياسات التفرد، وإقصاء شركاء الحياة السياسية، وغياب المواطنة المتساوية".
ودعا المجتمع اليمني بكل قواه إلى "مغادرة حالة السلبية والتفرج وتحمل مسئوليتهم الوطنية والتنادي لطرح ودراسة الحلول والمعالجات الجادة متخذين من القضية الجنوبية مدخلاً للإصلاح السياسي والوطني الشامل".
واعترف الإصلاح في بيانه بانخراط "أعضاء وأنصار الإصلاح في كافة المناشط والفعاليات السلمية في المحافظات الجنوبية"، باعتبار القضية الجنوبية، كما يرى أنها "قضية سياسية حقوقية مطلبية وتعد مدخلاً صحيحًا وسليمًا للإصلاح السياسي والوطني الشامل".
ومن أمثال هؤلاء محمد مسعد ناجي وهو رئيس الدائرة القانونية لفرع الإصلاح في الضالع وينتمي في الوقت نفسه لأحد ملتقيات الحراك الجنوبي ، وهو ملتقى التصالح والتسامح والذي يشارك في قيادته شباب ينتمون للحركة الإسلامية.
يقول ناجي: "إذا كانت رؤية الإصلاح التمسك بالوحدة فأنا أيضا مع الوحدة التي قامت في 22 مايو، لكن ما هو حاصل وحدة يسيطر فيها طرف على الآخر وقد وئد كل ما تم الاتفاق عليه عقب حرب صيف 1994م". ومثل ناجي الكثير من الإسلاميين الذين تأثروا بالحراك الجنوبي.
والسؤال المطروح الآن: هل سيصمد الإصلاح أمام أزمة الجنوب خاصة إذا بلغت حدَّها الأقصى وبات الانفصال وشيكًا، أم سيشهد تصدعًا جديدًا ونرى إصلاحًا جنوبيًا على غرار اليمن الجنوبي؟
ثانيًا: موقف التيار الجهادي والقاعدة:
أما فيما يخص التيار الجهادي فإن حرب تكسير العظام بينه وبين السلطة اليمنية دعته إلى الوقوف موقفًا مختلفًا تمامًا عن موقف الإخوان المسلمين اليمنيين إذ أعلن تنظيم القاعدة رسميًا اليوم الأربعاء 12 مايو 2009 دعمه للحراك في جنوب اليمن؛ وذلك عبر تسجيل صوتي لأمير "تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب" أبو بصير ناصر الوحيشي تحت عنوان: "إلى أهلنا في الجنوب"، أكد خلاله أنها مع مطالب أبناء الجنوب باشتراط عدم إيذائهم للمواطنين من محافظات أخرى.
وكان الرئيس علي عبد الله صالح قد قال في مقابلة مع مجلة "النيوزيويك" الأمريكية نهاية أبريل الماضي بعد مواجهات شهدتها محافظات جنوبية: "إن عدونا الأساسي هو القاعدة، ولا وجود لتهديد، لا من الانفصاليين ولا من الحوثيين أو تنظيم القاعدة، لكن القاعدة تضر اقتصادنا طبعًا، إنها تضر قطاعنا السياحي وقطاع الشركات، ولذلك نحن قلقون أكثر بشأن القاعدة".
وكانت السلطات اليمنية كشفت نهاية العام الماضي عن وجود تحالف لتنظيم "القاعدة" فرع اليمن مع قادة جنوبيين يدعون لانفصال اليمن، وألقت أجهزة الأمن في المحافظات الجنوبية في شهري مارس وأبريل الماضيين القبض على مشتبهين بالانتماء للقاعدة، وقالت السلطات وقتها: إن معظمهم من الشباب وصغار السن، الذين تم تجنيدهم للقيام بعمليات انتحارية وتخريبية ضمن خلية قاسم الريمي، أحد الفارين من سجن الأمن السياسي بصنعاء في فبراير 2006.
وخاطب أبو بصير، في التسجيل الذي بثته إحدى المواقع الإلكترونية المحسوبة على تنظيم القاعدة، اليمنيين في الجنوب بالقول: "أيها الأحرار الصامدون المقاومون لهذا الظلم والقهر الذي دهى اليمن والجزيرة العربية ككل, إن ما تطالبون به هو حقكم كفله لكم دينكم، ودفعتكم إليه فطركم التي لا ترضى الظلم، ولا تعطي الدنية، وقد عرف عنكم ذلك إبان الاحتلال البريطاني الذي خرج من اليمن بصمودكم".
ودعا للحذر من الأحزاب حيث قال: "احذروا أن تخدعوا مرة أخرى، أو أن تجير جهودكم في مقارعة الظلم والعدوان لصالح من لا خلاق لهم من سدنة الأحزاب بكل أشكالها والتي لم تجن منها أمتنا إلا التفرق والتبعية والخضوع للأعداء، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين".
واعتبرت القاعدة أن ما يشكو منه أبناء الجنوب من "ظلم وقهر وإقصاء باسم الحفاظ على الوحدة هو بسبب أن السلطة في صنعاء لا تطبق شرع الله الذي بتطبيقه سينعم الناس بالأمن والعدل والسلام".
كما كان لانضمام الشيخ اليمني طارق الفضلي ـ وهو المحسوب على التيار الجهادي ـ إلى الحراك الجنوبي ردود أفعال قوية، والعامل الرئيس في عودة الاحتجاجات والمهرجانات والمواجهات بين قادة الحراك المطالبين بالانفصال والسلطات اليمنية.
الفضلي وهو صهر ثاني شخصية في النظام وقائد الجيش اليمني علي محسن الأحمر الأخ غير الشقيق للرئيس علي عبد الله صالح أصبح الآن القيادي رقم واحد في الحراك الجنوبي الذي يضم في إطاره تكوينات تطالب بانفصال الجنوب عن الشمال بعد 19 عامًا على إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م.
ومن الغريب أن الفضلي الذي شارك في جهاد السوفيت من قبل مع الأفغان، وقاتل إلى جانب ما عرف في حرب صيف 1994م تحت مسمى (قوات الشرعية) بزعامة الرئيس علي عبد الله صالح ضد (مشروع الانفصال) الذي قاده نائب الرئيس علي سالم البيض، جاء ليعلن اليوم فك حلفه بالسلطات اليمنية وانضمامه للحراك الجنوبي، معبرًا عن مطالبه بالقول: "مطالبنا هي ما يقرره شعبنا الجنوبي وقيادات الحراك ونحن معهم، والجميع مجمعون في كل قيادات الحراك ومكوناته على العمل للوصول إلى الاستقلال التام حتى يصبح الجنوب للجنوبيين فقط".
بل تعدى ذلك إلى مطالبته "الأمم المتحدة ومجلس الأمن بتطبيق قراره (924-931) لعام 94م وإصدار قرارات جديدة لحماية الجنوب".
يصف الفضلي شعب الجنوب أنه "أعزل ومحاصر ومجوع ويتعرض لأبشع أنواع الاستعمار والقهر"، في محاولة منه لإثارة عواطف المجتمع الدولي، ويقول إن ذلك من أجل "نجدة وحماية شعب الجنوب والدفاع عنه من هذه السلطة الغاشمة التي تهدده بحرب إبادة جماعية".
لقد وجدت القاعدة في التحالف مع الحراك الجنوبي وعبر زعيمها الروحي في مناطق جنوب اليمن (طارق الفضلي)، وسيلة للخروج من المأزق الذي تعيشه والحفاظ على ما أمكن من بقايا خلاياها.
ثالثًا: موقف التيار السلفي اليمني:
انتهج سلفيو اليمن في السنوات الأخيرة سياسه أقرب إلى الوفاق مع الحزب الحاكم من المعارضة. ولعلّ أبرز شخصية سلفية تمثّل الموقف العام لهذه المدرسة هو الشيخ محمّد المهدي، بوصفه أكثر الشخصيات تفاعلاً مع الحراك السياسي في البلاد، وأكثرهم حضورًا إعلاميًّا.
وقد سئل في حوارات صحفية أخيرة عن علاقة جمعيته بالسلطة المحلية فقال: "هي علاقة الرعية بالراعي، وعلى مبدأ السمع والطاعة في الخير، وفي المعصية لا سمع ولا طاعة... ولا أخفيك أنه قد توفر من المسئولين الصالحين في لواء إب ما لم يتوفر لمنطقة أخرى حسب معرفتي وعلاقتي".
وحين سئل عن الوضع الحالي ولا سيما في ظل الظروف المتوترة في المحافظات الجنوبية؟ أجاب:
"لست راضيًا عن هذا الوضع، وأنكر أسلوب الطرفين: أسلوب الغلو في المعارضة، وأسلوب الدعوة للانفصال والخروج على ولي الأمر. فلا أجيز لنفسي ولا لغيري في المجتمع أن نجعل من هذا الوضع سببًا للخروج والصراع السياسي؛ لأن هذا هو مذهب أئمة المذاهب الأربعة. حتى نرى الكفر البواح. وإذا رأينا الكفر البواح وليست لنا قدرة على الخروج لم يجز لنا ذلك للمصلحة العامة. ونعمل في تصحيح الوضع بما يتيسر لنا "فالميسور لا يسقط بالمعسور".
وكان الملتقى السلفي العام في اليمن الذي انقعد في 28 مايو، قد أعلن تمسكه بالوحدة، وقال الشيخ عبد المجيد الزنداني الذي حضر الملتقى: إن "تمزيق اليمن وإثارة الحرب الأهلية في اليمن لا تخدم إلا أعداء اليمن، والحفاظ على وحدة اليمن وأمنه واستقراره يتمثل في رفع المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها واحترام الدستور والقانون".
وأكد أن الحكومة وحدها لا تستطيع حل مشاكل اليمن، وكذلك أحزاب المعارضة وكل أطراف الأزمة سواء في محافظة صعدة الشمالية أو في المحافظات الجنوبية، كما أن العلماء وحدهم غير قادرين على حل مشاكلها.
كذلك طالب رئيس مجلس علماء السنة والجماعة بحضرموت الشيخ أحمد حسين المعلم بالوقوف في وجه من سماهم "دعاة الخروج على الحاكم" واعتبر ذلك "فتنة".
وأشار إلى أنه "يجب الوقوف في وجه دعاة الخروج على الحاكم ولو كانوا علماء، فما بالك بالمنحرفين في عقائدهم ومناهجهم ولا يلقون للدين والشريعة أي اهتمام، وإنما يرتهنون للأعداء ويسيؤون لديننا وثوابتنا ومصالحنا".
كما أشار رئيس جمعية الحكمة اليمانية عبد العزيز الدبعي -وهو أحد أقطاب التيار السلفي في اليمن- في كلمته الافتتاحية للمؤتمر إلى أن الدعوات الانفصالية المناطقية "دعوات جاهلية منتنة حرمها الإسلام".
والجدير ذكره هنا أن قضية العلاقة بين السلطة والأحزاب والتيارات في اليمن تتداخل فيه عدة عوامل دينية واجتماعية وقبلية، وهي من الأمور التي تتغير كثيرًا تبعًا لتغير الواقع وطبيعة التحالفات. وأيًا ما يكن من أمر فقد حسمت القاعدة أمرها من قضية انفصال الجنوب وهي بذلك تلتقي مع الحوثيين والحزب الاشتراكي وهما من ألد أعدائها، في حين تبنى السلفيون الرأي الآخر بكل وضوح رغم المعاناة التي يعيشها المواطن اليمني شمالاً وجنوبًا. ويحاول الإصلاح أن يجمع أعضاءه على كلمة سواء، خاصة مع انخراط عدد ليس بالقليل من قيادات الإصلاح في فعاليات الحراك الجنوبي.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"