الجمعة 16 من ذو الحجة 1427هـ 5-1-2007م الساعة 10:03 م مكة المكرمة 07:03 م جرينتش
RSS

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

Bookmark and Share
إعدام صدام.. فشل جديد لواشنطن

إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا

إعدام صدام.. فشل جديد لواشنطن

 


إعداد وترجمة: مروة عامر


مفكرة الإسلام: أثار إعدام الرئيس العراقي السابق "صدام حسين" حفيظة وحنق مختلف المثقفين المسلمين والأجانب على حد سواء، الذين انطلقوا ينددون بالعملية برمتها، في تحليل للأهداف الأمريكية من وراء تلك الجريمة والعواقب التي قد تسفر عنها، ففي مقال لأستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة مدريد المستقلة "أوجوستو ثامورا" نشرته صحيفة "الموندو" الإسبانية تحت عنوان "العراق.. بعيد عن الله قريب من الولايات المتحدة"، كتب:


"يبدو أن الولايات المتحدة تراهن على تدمير ما تبقى من العراق، فلم تكتفِ بتخريب الدولة وارتكاب أكبر مذبحة إنسانية خلال الأعوام الأخيرة والتحطيم الاجتماعي لمجتمع بأسره، بل فجرت الآن كذلك، باغتيالها للرئيس العراقي السابق "صدام حسين"، وأقول اغتيال وليس إعدام، أحد السدود التي كانت تحجز الكراهية الطائفية، فلم يُحاكَم صدام حسين من قِبل محكمة نزيهة، وإنما من قِبل محكمة تضم شيعة وأكراد، الأعداء الألداء للرئيس السابق، في محاكمة لم تتوفر بها على الإطلاق أدنى ضمانات يمكن أن تسمح بالاعتراف بها. فلا يمكن منح أية شرعية لمحكمة معينة من قِبل حكومة تفرضها قوة غازية، انتهكت بذلك الغزو كل القواعد الرئيسة للقانون الدولي.


لقد كانت المحاكمة، من البداية إلى النهاية، بمثابة تمثيلية صامتة فظة تهدف إلى منح شكل ومظهر شرعي لتلك العملية، التي لم تكن سوى تصفية حسابات وانتقام واضح من رجل حكم العراق بالحديد والنار لمدة ما يقرب من ثلاثة عقود. لم يثق أحد على الإطلاق في تلك المحاكمة؛ لذلك لم يتوقع أحد أن تجترئ تلك المحكمة الزائفة وتنفذ بالفعل إعدام رجل مجرد من أبسط الضمانات القانونية والحقوق، فقد كان أبسط فكر سياسي يرجح الإبقاء على شخص كان من الممكن بأهميته وتأثيره أن يسهم في وقت ما في إرساء السلام في العراق وإعادة الوفاق بين الشيعة والسنة، إلا أنه لم يكن هناك أي اعتبار يمكن أن يوقف رغبة الانتقام الأعمى.


إن إعدام صدام حسين، سرًا ودون شهود سوى من أدانوه، يشكل خطوة جديدة في عملية انتهاك القانون والأخلاقية الدوليين، تلك العملية الوحشية التي بدأتها الولايات المتحدة، ففي البداية شهدنا سجن جوانتانامو المشين، حيث لا يزال مئات الأشخاص معتقلين دون محاكمة ومجردين من حقوقهم في توكيل محامٍ أو الدفاع عن أنفسهم؛ الأمر الذي تلاه الكشف عن عمليات التعذيب المروعة في سجن "أبو غريب"، ثم رحلات الطيران السرية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بالتواطؤ المخزي من قَِبل الكثير من الحكومات الأوروبية، فضلاً عن السجون السرية التي يتم نقل أشخاص مشتبه باتصالهم "بالإرهاب" إليها من أجل تعذيبهم بهدف الاعتراف، تلك الفضائح التي يعقبها الآن إعدام رئيس سابق اعتقلته قوات غازية دون أية شرعية.


وليس بالضرورة أن تكون عرافًا لتتنبأ بعواقب هذه الجريمة، فسوف تتزايد كراهية السنة للشيعة لتتزايد على إثرها الهجمات والقتلى، فضلاً عن تدمير الجسور الجديدة للحوار لتصبح الرغبة في الانتقام لإعدام الرئيس العراقي السابق الهدف الرئيس للقوى السياسية الداعمة له. وعليه فقد تصبح الحرب أشد ضراوة وعنفًا.


وقد يستمر بوش في خداع نفسه بشأن مهمته في العراق. لقد تم إعدام صدام شنقًا لقتله 148 شيعيًا، بينما قتل بوش مئات الآلاف من العراقيين. فلعل الأرقام تغني تمامًا عن التعليقات.


ومسترجعًا لمقولة الدكتاتور المكسيكي السابق "بورفيريو دياث" "يا للمكسيك المسكينة، بعيدة عن الله قريبة من الولايات المتحدة" (في إشارة إلى انتشار النظام الشيوعي، وفي الوقت ذاته القرب الجغرافي بينها وبين الولايات المتحدة ونفوذها بها)، يمكن القول الآن "يا للعراق المسكين بعيد عن الله قريب من الولايات المتحدة".


وفي ربط آخر بين إعدام الرئيس العراقي السابق وجرائم إدارة بوش، كتب الروائي والدبلوماسي والصحافي الكوبي " ليساندرو أوتيرو" مقالاً نشرته مجلة "لا ربليون" الإسبانية، جاء فيه:


"لقد شكّل إعدام صدام حسين خيبة أمل جديدة للولايات المتحدة ولحكومة بوش، فقد كانت ترغب في أن يصعد الزعيم العراقي منصة الإعدام خائفًا متصدعًا نادمًا باكيًا، إلا أن من بدا هناك كان رجلاً ثابتًا قويًا رابط الجأش متزنًا وحاسمًا في آرائه، ذا كبرياء عالية تنم عن شجاعته، بينما كان جلادوه يتحركون حوله كغوريلات قبيحة تثير السخرية وعدم الاحترام، تبدو عدوانية ومسعورة وهي تقوم بمهمتها القاتلة.


وقد حاول بوش التملص من ذلك الاغتيال، حيث يحاول أن يُبدي للعالم كما لو كنا بصدد محاكمة وإعدام عراقيين تمامًا، إلا أن أحدًا لم يصدق ذلك، فقد أبرزت صحف العالم بأسره هذا الاغتيال كصناعة أمريكية. وتحاول واشنطن كذلك أن تُبدي صورة انتشار سعادة غامرة بين العراقيين عقب عملية الإعدام، حيث أظهرت الصحف بعض العشرات القليلة من الموظفين المتواطئين مع الاحتلال، بينما لم تُظهر الأفواج الهائلة التي تأخذ في التوجه إلى تكريت لزيارة قبر صدام.


ويكمن الاعتراض الرئيس على تلك المحاكمة في كونها لم تحترم القواعد المعتادة للممارسات القضائية أو الإجراءات القانونية المألوفة، فقد شابت تلك العملية الكثير من المخالفات الحقيقية. ومما يثير الجدل كذلك كيف يمكن لبلد تقبع تحت احتلال عسكري قمعي أن تنشئ نظامًا قضائيًا وتعيّن سلطات مسئولة يمكن أن تحاكم بموضوعية. وقد نددت هيومان رايتس ووتش في بيان لها بالمخالفات التي شابت محاكمة صدام، حيث أشار "ريتشارد ديكر" مدير برنامج العدالة الدولية التابع للمنظمة إلى أن "تطبيق عقوبة الإعدام في هذه القضية أمر خاطئ، خاصة في ظل الإجراءات غير العادلة التي تمت".


ومن جهتها، جددت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "لويز إربور"، في بيان تم نشره في جنيف، إبداء شكوكها بشأن النزاهة القانونية للعملية، كما أدانت كل من البرازيل وتشيلي عقوبة الإعدام التي تم فرضها على صدام حسين. ورفض رئيس الحكومة الإسباني "خوسيه لويس ثاباتيرو" كذلك من جانبه عقوبة الإعدام، كما انتقد الزعيم الليبي "معمر القذافي" تلك الجريمة، حيث صرح أمام دبلوماسيين عرب وغربيين: "إن صدام حسين أسير حرب أطاحت به قوات الغزو الأجنبي وليس الشعب العراقي؛ لذلك تعد محاكمته باطلة ومهزلة".


ويذكر الصحافي "إجناثيو رامونيت" في كتابه الحديث "مائة ساعة مع فيديل" أن الرئيس الكوبي "فيديل كاسترو" كان قد أعرب في رسالة لصدام، لدى غزو الكويت، عن قلقه من العواقب الوخيمة التي قد تنجم عن ذلك العمل: "أعتقد أنه من المحتمل بشكل كبير أن تستغل الولايات المتحدة الفرصة لتتدخل عسكريًا في النزاع وتضرب العراق بقوة"، الأمر الذي حدث تمامًا كما توقعه الزعيم الكوبي.


لقد كان صدام صناعة أمريكية، فقد عمل ريجان على إرسال رامسفيلد له لتحفيزه على مهاجمة إيران، التي كانت تقلقهم آنذاك إزاء موقف الخوميني، حيث كانت تعتزم بدعم صدام موازنة ثقل إيران في المنطقة. وعندما بدأت حرب العراق - إيران، دعمت الولايات المتحدة صدام علنًا، حيث زودته بالسلاح والمكونات الكيميائية للقنابل الخانقة.


والآن تنقصنا رؤية محاكمة بوش على جرائمه، فقد تم خلال نظام صقور النفط انتهاك الحقوق الدستورية والحريات المدنية من خلال توسيع عمليات التفتيش غير القانونية ومراقبة الهواتف والمحاكمات العسكرية على جرائم مدنية وفحص ملفات مصرفية وطبية ونفسية وطلابية، فضلاً عن التسجيلات الهاتفية والتحريات عبر شبكة الإنترنت والاعتقال لمجرد الاشتباه، تلك الإجراءات التي تمارسها الدكتاتورية النازية الفاشية، والتي تمثل انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.


وقد قام نظام الصقور كذلك بإضفاء الصفة الشرعية على عمليات الاعتقال السرية، كما تم منح العفو عن جرائم الحرب، فضلاً عن منع السلطة القضائية من التدخل في القرارات القمعية للسلطة التنفيذية وعدم اضطلاع المتهمين على دلائل اتهامهم. وقد شكّل رفض اتفاقيات جنيف دليلاً جديدًا على الهمجية التي سادت واشنطن، كما تم إلغاء قانون الإحضار habeas corpus (الذي يمنح أي شخص يتعرض لاعتداء على جسده، سواء بالحبس أو الاعتقال أو تقييد الحركة بمنع السفر أو بالإبعاد إلى مكان معيّن أو بفرض إقامة جبرية أو ما إلى ذلك، حق التظلم أمام القاضي وأن يُنظر تظلمه ويُفصل فيه خلال أربع وعشرين ساعة). وتجدر الإشارة إلى أن بوش قد أمر، خلال الفترة التي تولى فيها منصب حاكم ولاية تكساس، بمائة وستين حكم إعدام.


ويرجع أصل عائلة بوش إلى شخص انتهازي ومعاون للنازية يُدعى "بريسكوت بوش"، كان يعمل كتاجر ذخيرة، تعاون مع رجل الصناعة الألماني " فريتس تيسين" الذي اعترف بكل فخر بأنه كان من أول وأكبر الداعمين الماليين لأدولف هتلر في عقد الثلاثينات، كما اتصل بريسكوت ببعض أكثر العائلات رجعية في الولايات المتحدة مثل المستثمرين هاريمان الذين كانوا يرتبطون بعلاقات مع ألمانيا النازية.


ومن زاوية أخرى، فقد كشفت تحقيقات المكتب العام للمحاسبة تدليس في ميزانية البنتاجون يقدر بمائة مليار، نعم مليارات الدولارات سنويًا من قِبل شركات مثل هاليبورتون وكيلوج وبراون آند روت التابعين لتشيني وبطانة البيت الأبيض. وتجدر الإشارة كذلك إلى أنه بنهاية عام 2006 تم تسجيل ثلاثة آلاف جندي أمريكي قتيل في العراق، ذلك الرقم الذي يتجاوز قتلى هجمات 11 سبتمبر.


وهكذا، متى سوف يتم تشكيل محكمة نوريمبرج الجديدة لمحاكمة بوش؟ وأين سوف توضع المنصة التي سوف يتم إعدامه فوقها عقابًا على جرائمه واختلاساته العديدة؟ "