
مصطفى محمود
Mostafa1424@hotmail.com
مفكرة الاسلام: تصاعدت الأزمة السياسية بشكل خطير في باكستان وازدادت الضغوط المتتابعة للائتلاف الحكومي؛ فلم يبقَ أمام رئيس البلاد "برويز مشرف" سوى خياريْن اثنين، وكلاهما مرٌّ، فإما أن يظل متشبثًا بمنصبه الذي ارتقى سدته قبل تسع سنوات، وإما أن ينحني للعاصفة ويقبل بواقع التنحي مختارًا كبديل عن مساءلة برلمانية تؤدي به إلى التنحي مجبرًا .. بل وإلى ما هو أسوأ من ذلك.
رضخ مشرف للضغوط واختار أخفَّ الأمريْن ضررًا، وقدم استقالته بشكل لم يكن مفاجئًا لكثيرٍ من المراقبين للأزمة الباكستانية، وإن تفاجأ به الشعب الباكستاني الذي استيقظ على استقالة رئيسه؛ فكأنه لأول مرة يرى صباح يوم جديد بدون "مشرف"؛ فأشرقت شمسه ساطعةً وملأ الدنيا ابتهاجًا وفرحًا برحيل الجنرال قائد الجيش السابق.
صفقة الاستقالة:
لم يأتِ الرئيس الباكستاني في خطابه المتلفز الذي أعلن فيه استقالته على ذكرِ أيِّ صفقةٍ أو اتفاق مع خصومه السياسيين تنحَّى بموجبه، وإنما الأمر، كما يقول هو: "بعد دراسة الوضع واستشارة المستشارين القانونيين والحلفاء السياسيين، وبعد نصيحتهم قررت الاستقالة". لكنَّ رجلاً مثل "مشرف" لم يكن ليقدم على التنحي بهذا الشكل دون أن يكون لديه ضمانات قوية بأنه لن تتم مساءلته على ما يمكن وصفه بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبها في حق الشعب الباكستاني إبان فترة حكمه خاصةً تلك السبع سنوات التي قضاها حليفًا للولايات المتحدة الأمريكية في ما بات يُعرف بـ "الحرب على الإرهاب" والتي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر في واشنطن ونيويورك.
تحدثت دوائر باكستانية مختلفة عن صفقة ضمِنت لـ "مشرف" في حال قبوله بالتنحي من الرئاسة، عدم محاكمته وعدم نفيه أو إجباره على مغادرة البلاد.
الغريب لم يكن في وجود هذه الصفقة نفسها؛ فهي، فيما نرى، أمرٌ لم يكن منه بدٌّ، جنَّب الفريقيْن (مشرف وخصومه) فوضى سياسية واقتصادية عارمة كان الخاسر الوحيد منها هو الشعب الباكستاني. ولكن الغريب هو تورط المؤسسة العسكرية، في الخفاء، في هذه الصفقة؛ حيث سعى قائد أركان الجيش الجنرال "اشفاق كياني" (صديق مشرف السابق) في إقناع قيادات حزب الرابطة الإسلامية بزعامة نواز شريف بتسوية الأمر على هذا النحو.
ومعلومٌ أن "نواز شريف" كان الشريكَ الأشدَّ إصرارًا على محاكمة "مشرف" في الائتلاف الحكومي؛ لسابقِ عداوةٍ بينهما، على خلاف آصف علي زرداري"، رئيس حزب الشعب الباكستاني، الذي كان مقتنعًا بعدم محاكمة "مشرف"، ولكنه كان محرجًا أمام "شريف" الذي هدَّده عدة مرات باستقالة وزرائه في الحكومة.
نجح كياني في إقناع "شريف" بخروج "مشرف" من السلطة ضمن هذه التسوية حفظًا لماء وجه القائد السابق للجيش. ويبدو أن "كياني" تدخل لإنهاء الأمر على هذا النحو ليس لأجل عيون صديقه القديم وحسب، وإنما حفاظًَا كذلك على هيبة الجيش الباكستاني الذي يتولى قيادته والذي طالما لعب دورًا هامًا على صعيد الأحداث السياسية التي تشهدها البلاد؛ ما يُوحي بأن العسكر ليس لديهم أية نية في التخلي عن لعب هذا الدور في مستقبل باكستان بعد الرئيس المستقيل.
دور "كياني" في صفقة تنحي "مشرف" يدفعنا إلى الإشارة إلى دور المؤسسة العسكرية في إضعاف موقف "مشرف" في صراعه مع خصومه السياسيين؛ حيث نأتِ المؤسسة العسكرية بنفسها عن التدخل في الأزمة السياسية؛ ما أفقد "مشرف" مساندةً قويةً كانت كثيرًا ما ترجّح كفته في صراعاته السياسية خاصةً في المدة الطويلة التي احتفظ فيها بمنصب قيادة أركان الجيش قبل أن يتنازل عنها للجنرال "اشفاق كياني" في نوفمبر الماضي وتحت ضغوط داخلية شديدة.
ولم يكن موقف المؤسسة العسكرية وحدها هو الذي خذل "برويز مشرف" في صراعه من أجل البقاء في منصب الرئاسة، بل الضربة الأكبر جاءته من قبل حليفته اللصيقة الولايات المتحدة التي ظل سبع سنوات من سني رئاسته يقدم لها كل ما يستطيع في حربها ضد "الإرهاب" ولم يدخر في ذلك جهدًا حتى أصبحت الأراضي الباكستانية والمناطق القبلية على وجه الخصوص مستباحة من قبل المقاتلات الأمريكية تضرب من شاء وقتما تشاء؛ فتقتل من المدنيين مَن تقتل دون أن يحرك حليفُها المقرب ساكنًا إلا ما كان من استنكار هنا أو هناك مداراةً لشعبه وامتصاصًا لغضب خصومه السياسيين.
ما بعد رحيل مشرف:
رحل "مشرف" وابتهج خصومُه السياسيون والشعب الباكستاني، لأول وهلة؛ فرحًا برحيله، ولكن هل سيستمر هذا الابتهاج أم سيصطدم بواقع مرير خلَّفه "مشرف"؟.
عبر نظرة فاحصة على الأوضاع في باكستان، ندرك تمامًا أن "مشرف" رحل وترك وراء ظهره فوضى سياسية واقتصادية وأمنية تكاد تُغرق البلاد، وتحتاج لأشهر إن لم تكن لسنوات للتغلب عليها.
فسياسيًّا: تعيش باكستان توترًا سياسيًّا محتدمًا منذ نحو خمسة أشهر، ولا يبدو في الأفق بوادر انفراج لهذا التوتر رغم أن استقالة مشرف قضت على جزء ليس بالهين منه؛ حيث يخشى المراقبون أن ينخرط شريكا الائتلاف الحكومي (نواز شريف، وآصف زرداري) في صراع حول منصب الرئاسة لا يؤدي بالبلاد إلا إلى مزيدٍ من الفوضى السياسية.
ولا يغيب عن الساحة السياسية الرجل الأقوى موقفًا الآن "اشفاق كياني"، رئيس أركان الجيش، والذي لعب دورًا كبيرًا في صفقة تنحية "مشرف" والذي يبدو أنه سيلعب دورًا بارزًا في مستقبل باكستان السياسي، خاصةً إذا استطاعت واشنطن إيقاعه في شراكها وإقناعه بتنفيذ الدور الذي كان يقوم بها حليفها الراحل "برويز مشرف".
واقتصاديًّا: بات الوضع الاقتصادي في باكستان مترديًا إلى حد بعيد في ظل الأزمة السياسية المتصاعدة، حتى وصل معدل التضخم إلى 25% ، في وقتٍ فقد المستثمرون ثقتهم في الاقتصاد الباكستاني.
إلا أن استقالة "مشرف" حفزت المستثمرين بعض الشيء على شراء العملة الباكستانية، آملين في انحسار التوتر السياسي في البلاد وتحسين مناخ الاستثمار فيها. وهو ما رفع من سعر الروبية الباكستانية أكثر من 2 % مقابل الدولار. كما ارتفع مؤشر الأسهم الباكستانية في بورصة كراتشى بنحو 4.5 %.
وهذه مؤشرات إيجابية على الصعيد الاقتصادي إلا أن الوصول إلى مزيد من الاستقرار والازدهار الاقتصادي يعتمد بشكلٍ أساسٍ على الاستقرار السياسي الذي يشجع المستثمرين ويمنحهم مزيدًا من الثقة.
وعلى الصعيد الأمني: خلَّف الرئيس المستقيل إرثًا أمنيًا لا زالت البلاد تعاني منه حتى اللحظة عبر عملياته العسكرية في المناطق القبلية وإقليم بلوشستان، بالإضافة إلى عملية اقتحام "المسجد الأحمر" التي خلفت احتقانًا بالغًا في الشارع الباكستاني وألَّبت على "مشرف" بوجه خاص المقاتلين الإسلاميين في المناطق القبلية.
واستنادًا إلى الأرقام الرسمية، فإن عمليات الجيش الباكستاني في المناطق القبلية، خلال الأعوام الماضية، خلَّفت ألف قتيل، سقط نصفُهم أو أكثر خلال عشرة أيام فقط من المعارك الأخيرة للجيش الباكستاني في مقاطعة "باجور" القبلية.
ولا يمكن بحالٍ إعفاءُ الحكومة الحالية من تحمُّل المسئولية عن تلك السياسة المتشددة في المقاطعات القبلية التي تهدف إلى إرضاء الولايات المتحدة ربما بشكل أكثر مما كان يقدمه "مشرف".
تداعيات رحيل مشرف:
لا يشكُّ متابعٌ للشأن الباكستاني أن لرحيل "مشرف" عن سدة الرئاسة في باكستان تداعياتٍ خطيرةً عليه هو نفسه أولاً وعلى تحالفه العتيد مع الولايات المتحدة في حربها ضد ما يسمى بالإرهاب، وعلى ملفات الأزمة الباكستانية التي خلفها الرئيس المستقيل وراءه.
فحول مصير "برويز مشرف" نفسه بعد استقالته، تدور تكهنات متعددة. والذي يرجحه كثيرٌ من المحللين أن مشرف لن يستقر بباكستان خوفًا من ملاحقته قضائيًا في ظل حكومة لا تستطيع أن تضمن له أي حماية من التعرض لمثل هذه الملاحقة.
وفي حالة مغادرته باكستان فهناك تقارير ترى أنه سيتوجه إلى المملكة العربية السعودية، إلا أن سفير المملكة لدى "إسلام أباد" علي عواض عسيري نفى تلك الأنباء، فيما يتجه سيناريو آخر إلى أن مشرف سيتوجه إلى السعودية لأداء فريضة الحج قبل أن يتوجه إلى العاصمة البريطانية لندن للاستقرار بها. كما سرت شائعات بأن مشرف قد يستقر في مدينة "إسطنبول" التركية التي اشترى فيها قصرًا قبل مدة.
التحالف الأمريكي الباكستاني بعد "مشرف":
ظلَّت باكستان، طيلة سنوات حكم الرئيس المستقيل "برويز مشرف"، حليفًا مقربًا للولايات المتحدة في حربها على ما يُسمى "الإرهاب"، ورأس حربة في ملاحقة عناصر القاعدة وطالبان. فما هي تداعيات استقالة "مشرف" على هذا التحالف الأمريكي الباكستاني؟.
ذكرنا سابقًا أن أحد الأسباب القوية التي أدت إلى سقوط "مشرف" كان تخلي الولايات المتحدة عنه في أزمته مع خصومه السياسيين. ولم تكن الولايات المتحدة لتخسر حليفًا من نوع الرئيس المستقيل إلا وفي يدها حليف آخر يستطيع أن يقدم ما كان يقدمه "مشرف" وربما أكثر.
فأمريكا لا تشغلها الأسماء أو المناصب كثيرًا، الأهم في الأمر كله هو تحقيق مصالحها ورغباتها حسب إراداتها دون أن تكون هناك عثرات معيقة أو معرقلة.
لقد عثرت واشنطن على ضالتها في الحكومة الائتلافية الجديدة في باكستان، والتي يسعى جميع المتنفذين فيها إلى إرضاء واشنطن بشتى السبل وبأية كيفية. حتى إن رئيس الوزراء الباكستاني "يوسف رضا جيلاني" ليعلن من حديقة البيت الأبيض، أثناء زيارته للولايات المتحدة الشهر الماضي، أنها "حرب ضد باكستان وسنحارب لأنها قضيتنا" في إشارة إلى حرب أمريكا على ما تسميه "الإرهاب" والتي لم تكن يومًا من الأيام حربًا لباكستان ولا نفعتها في شيء إلا ما جرَّتْه عليها من تفجيرات وهجمات جعلت الأوضاع الأمنية بالبلاد متردية إلى أبعد الحدود.
وجد بوش، إذن، في هذه الحكومة الجديدة من التعاون والاستعداد لتقديم كل ما يلزم، ما شغله عن الدفاع عن حليفه الذي أصبح يمثل عبئًا ثقيلاً، فضلاً عن عدم قيامه بالدور المنوط به على الوجه الأكمل خاصةً في المناطق القبلية المتاخمة للحدود الأفغانية. ولعل من الأسباب التي تقف قويةً وراء تخلي واشنطن عن "مشرف" أيضًا اعتقاد الإدارة الأمريكية بأن مشرف لم يعُد مسيطرًا على الأوضاع في البلاد بشكل جيد خاصةً بعد التفجير الذي ضرب السفارة الهندية في العاصمة الأفغانية كابول، حيث اتهمت الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية الاستخبارات الباكستانية بالتورط فيه.
نخلص مما سبق إلى أن الحرب الأمريكية على "الإرهاب" لن تتأثر برحيل "برويز مشرف" بل ربما تأخذ منحى أكثر شدة وقسوة إمعانًا في إظهار الولاء لأمريكا. ولا أدل على ذلك من أن العملية العسكرية التي نفذها الجيش الباكستاني مؤخرًا في إقليم "باجور" القبلي سقط فيها خلال 10 أيام فقط أكثر من نصف عدد القتلى الذين سقطوا خلال عمليات الجيش الباكستاني في المناطق القبلية طيلة الأعوام الماضية.
أزمات أخرى خلفها رحيل "مشرف":
حتى لحظة كتابة هذه السطور، وبعد مرور ثلاثة أيام تقريبًا على استقالة مشرف، ما يزال قادة الائتلاف الحاكم في باكستان يحاولون تجاوز خلافاتهم بشأن أزمتيْن هما من أبرز الأزمات التي خلفها رحيل "مشرف"، وهما أزمة اختيار خليفة له في رئاسة البلاد، وأزمة إعادة القضاة الذين أطاح بهم.
ويضم الائتلاف حزب الشعب الباكستاني التي كانت ترأسه رئيسة الوزراء السابقة الراحلة "بينظير بوتو"، ورابطة باكستان الإسلامية-جناح نواز شريف خصمها خلال التسعينات رئيس الوزراء السابق. بالإضافة على حزبين صغيرين آخرين.
ويبدو أن قادة الحزبين الأساسيين في الائتلاف لا يريد كلٌّ منهما أن يتنازل عن منصب الرئاسة لصاحبه؛ ما يُنذر ببوادر أزمة سياسية جديدة في البلاد.
وحول قضية إعادة القضاة المبعدين إلى مناصبهم، نشهد افتراقًا في الرأي بين الحزبين الكبيرين في الائتلاف الحكومي، حيث يطالب نواز شريف بإعادة القضاة إلى مناصبهم فورًا، بينما يدعو حزب الشعب إلى التريث قبل البتّ في مسألة إعادتهم إلى مناصبهم، وإلى وضع إستراتجية معينة لكي لا ينبش القضاة مسائل قديمة حلت في عهد "مشرف" مثل قضايا الفساد والرشوة.
لقد رحل "مشرف" وغاب عن الساحة السياسية في باكستان .. نعم، ولكنه خلف وراءه إرثًا ثقيلاً من الديكتاتورية والتوترات السياسية والاقتصادية ربما تحتاج باكستان إلى أعوام للتخلص منها.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"