إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

الآثار السياسية لحرب القوقاز وانعكاساتها على العالم العربي
السبت 23 اغسطس 2008
عصام زيدان
Essam_zedan30@hotmail.com
 
مفكرة الاسلام: الحرب التي دارت رحاها في القوقاز بين روسيا وجورجيا على مسرح أوسيتيا الجنوبية، لم تكن مجرد مناوشات عسكرية ينتهي أثرها بوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات بين الأطراف المتصارعة، وإعادة ترتيب الأوضاع مجددًا في المنطقة وفق ميزان القوى الذي فرضته الفاعليات العسكرية.
فحرب الأيام الخمسة خلفت من ورائها آثارًا أكبر مما كانت تتوقعه جورجيا بمغامراتها العسكرية غير المحسوبة.. وتعدت تلك الآثار النطاق الإقليمي إلى بنيوية النظام الدولي ذاته، الذي يبدو أنه يعاد تشكيله على وقع أقدام الدب الروسي الثقيلة في القوقاز..
وفي هذا التقرير نرصد بعضًا من الآثار السياسية التي خلفتها تلك الحرب سواء على الصعيد الدولي، أو الإقليمي، وانعكاسات ذلك على العالم العربي والإسلامي.
أولاً: على الصعيد العالمي:
نذر الحرب الباردة قد عادت لتغطي مساحة كبيرة من علاقة البلدين أمريكا ـ وروسيا ببعضهما.
على وقع المواجهة الخلفية بين الولايات المتحدة باعتبارها حليف جورجيا القوي والظهير السياسي والعسكري لها، وروسيا التي دخلت بقواتها في مواجهة مباشرة مع جورجيا، فإن نذر الحرب الباردة قد عادت لتغطي مساحة كبيرة من علاقة البلدين أمريكا ـ وروسيا ببعضهما.
ولن يتوقف الأمر، برأينا، على حالة من التوتر السياسي العابر، بل على ضوء معركة القوقاز وإفرازاتها العسكرية سيعيد الطرفان رؤية العلاقة المشتركة، وتوصيف القادم، الذي ستحاول روسيا تشكيله بما يضمن لها مساحة مناسبة من النفوذ الدولي، وتفرد بالقوة في فنائها القريب الذي يشكل بالنسبة لها [أهمية أمنية وإستراتيجية كبرى، فيما ستسعى الولايات المتحدة إلى الحد من المكاسب السياسية التي يمكن أن تجنيها روسيا من هذا الانتصار والزخم العسكري.
الصراع سيكون على تحديد الإحداثيات ومنطقة النفوذ خلال الحقبة القادمة.. روسيا، من جانبها، ستسعى جاهدة إلى توسيع هذه الرقعة، وزحزحة هذه الإحداثيات إلى أبعد مدى ممكن، بينما الولايات المتحدة ستحاول بمنظومة الصواريخ وبغيرها من الوسائل إلى إحكام القفص على الدب الروسي والحد من تطلعاته الخارجية
فالصراع سيكون على تحديد الإحداثيات ومنطقة النفوذ خلال الحقبة القادمة.. روسيا، من جانبها، ستسعى جاهدة إلى توسيع هذه الرقعة، وزحزحة هذه الإحداثيات إلى أبعد مدى ممكن، بينما الولايات المتحدة ستحاول بمنظومة الصواريخ وبغيرها من الوسائل إلى إحكام القفص على الدب الروسي والحد من تطلعاته الخارجية.. وهذا ما قد يستغرق سنوات من الصراع السياسي بين الجانبين، قد يكون له إفرازات عسكرية ومواجهات غير مباشرة.
فوضعية القوقاز في المرحلة الراهنة والمستقبلية، وكونها بؤرة التوتر السياسية المرشحة لصراعات عسكرية، قد تجعلها محل الاهتمام الأمريكي، على حساب مناطق أخرى باتت أقل حساسية، وتواضعت أهميتها السياسية. 
أما على المستوى الأوروبي وعلاقته مع روسيا، فإن هذه المعركة كشفت عن حلقة الضعف في هذه العلاقة، والتي تُكبل يد الأوروبيين، وتجعلها مغلولة عن التصرف السريع، وهو اعتمادها شبه الكلي على مصادر الطاقة والغاز الروسي.
والترجمة السياسية وآثار هذه التبعية الأوروبية لروسيا في مورد حيوي كالطاقة، والذي أثر في تفاعلها مع الأزمة الراهنة، ستكون في إطار وحلبة السعي الدءوب لمحاولة ضم الدول التي تدور في الفلك الروسي جغرافيًا إلى حلف الأطلسي (الناتو).
الأوروبيون باتوا أشد حرصًا على عدم إغضاب الدب المتحفز بهذه المحاولات، خاصة مع جورجيا
فالأوروبيون باتوا أشد حرصًا على عدم إغضاب الدب المتحفز بهذه المحاولات، خاصة مع جورجيا، ريثما يتم حلحلة وتفكيك إشكالية الاعتماد على الغاز الروسي، حتى لا تضع أوروبا رقبتها دائمًا تحت سكين بوتين ـ ميدفيدفيف.
ثانيًا: على الصعيد الإقليمي:
لاشك أن روسيا ستحاول استثمار هذا الانتصار العسكري لفرض واقع جيوبولتيك جديد في منطقة القوقاز، خاصة في الإقليمين الانفصاليين أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وستكرس وضعهما الاستقلالي عن جورجيا، واقترابهما من الالتحام بروسيا.
ستسعى روسيا في أي إطار تفاوضي يخص الإقليمين بأخذ الضمانات الكفيلة بعدم تكرار تجربة الغزو الجورجي مرة أخرى
وعلى أقل تقدير ستسعى روسيا في أي إطار تفاوضي يخص الإقليمين بأخذ الضمانات الكفيلة بعدم تكرار تجربة الغزو الجورجي مرة أخرى، وليس ببعيد أن تضعهما تحت حمايتها العسكرية المباشرة بفرض قوات نظامية روسية بدلاً من قوات حفظ السلام المختلطة.  
وهذه الحرب الخاطفة، يمكن أن تشكل كذلك مادة رادعة ومانعًا لتكرار تجربة حسم النزاعات الانفصالية بالقوة المسلحة، على ضوء من ظهر من قوة روسية باطشة قادرة على الحسم السريع، وتخاذل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن تقديم أي دعم عسكري للحلفاء في هذه المنطقة...
بمعنى آخر أن حلفاء واشنطن في القوقاز قد يعيدون التفكير في حساباتهم الإستراتيجية وتحالفهم المصيري مع الولايات المتحدة، وعلاقاتهم مع روسيا وفق رؤيتهم لفاعليات هذه المعركة وتباطؤ الدعم الغربي مع سرعة رد الفعل والحسم الروسي.   
 ثالثًا: انعكاسات حرب القوقاز على العالم العربي والإسلامي:
مع إقدام "إسرائيل" والولايات المتحدة على دعم جورجيا عسكريًا، فإن روسيا يبدو أنها على وشك الرد على ذلك بتقديم دعم نوعي في مجال التسلح لدول في المنطقة العربية، كرد على هذا الدعم الأمريكي الإسرائيلي لجورجيا.
حرب القوقاز كما أسلفنا قد يمتد أثرها وانعكاساتها السياسية على العالم العربي والإسلامي، فمع إقدام "إسرائيل" والولايات المتحدة على دعم جورجيا عسكريًا، فإن روسيا يبدو أنها على وشك الرد على ذلك بتقديم دعم نوعي في مجال التسلح لدول في المنطقة العربية، كرد على هذا الدعم الأمريكي الإسرائيلي لجورجيا.
أي أن روسيا ستسعى لإعادة تشكيل تحالف شرق أوسطي مناوئ للولايات المتحدة يضم حلفاء الكتلة السوفيتية سابقًا... وسوريا على اعتبار وضعيتها الراهنة المناهضة للإدارة الأمريكية، وعدم إبرامها معاهدة سلام مع "إسرائيل"، وحرصها على إيجاد توازن عسكري يدعم إطارها التفاوضي ستكون المرشحة الأولى ورأس الحربة في هذا التحالف الجديد إلى جانب حليفتها إيران. 
فالشرق الأوسط وفق ما نرى سيكون مجددًا مسرحًا تمارس فيه القوتان العظميان نفوذهما العسكري والسياسي، بعدما انفردت الولايات المتحدة بإدارته لحسابها منذ سقوط الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات.
الانعكاس، أو الأثر الثاني يتمثل في استغلال إيران الانقسامات في المجتمع الدولي الناجم بقوة عن هذه المعركة مع دعم روسي للمضي قدمًا في برنامجها النووي... فالولايات المتحدة ومعها أوروبا لن تجد أمامها خيارات كثيرة في التعامل مع هذا الملف الشائك، خاصة وأن أروقة مجلس الأمن والأمم المتحدة قد تكون مؤممة لصالح الفيتو الروسي المعارض لأي ضاغط على إيران، أو تصعيد يقود لعمل عسكري تحت غطاء أممي.
استغلال إيران الانقسامات في المجتمع الدولي الناجم بقوة عن هذه المعركة مع دعم روسي للمضي قدمًا في برنامجها النووي
يضاف إلى ذلك حاجة أوروبا لرافد للطاقة بدلاً من الاعتماد المطلق على روسيا، خاصة إذا تجددت الصراعات والفوضى في القوقاز وتم عرقلة إمدادات الغاز لأوروبا وتركيا من منطقة بحر قزوين، مما سيجعل الحاجة أكبر للاعتماد على إيران وما تملكه من احتياطيات، وهو ما بدأت أوروبا فعلاً في الإقدام عليه، حيث أبرمت ألمانيا اتفاقية مع إيران لإنشاء ثلاث محطات لإنتاج الغاز الطبيعي السائل، تمهيدًا لخطوة مرتقبة تسهل نقل هذا الغاز لأوروبا بصورة اقتصادية.



موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق