
كتبه/ علي صلاح
مفكرة الاسلام: لم يكن مفاجئًا للكثيرين فوز آصف زرداري زعيم حزب الشعب الباكستاني بمقعد الرئاسة رغم محدودية شعبيته في الشارع الباكستاني؛ فهو كما كان الرئيس السابق برويز مشرف يتمتع بثقة الغرب ويدعم حربه على "الإرهاب" مهما كانت تبعات هذه الحرب على الوضع الباكستاني، كما أن المرشحين أمامه يفتقدون إلى التوهج والشعبية ودعم الأحزاب التقليدية في البلاد.
لقد ظهر زرداري على السطح السياسي بقوة مؤخرًا بعد اغتيال زوجته بي نظير بوتو وتوليه زعامة حزب الشعب وتمكن حزبه مع عدة أحزاب أخرى من تشكيل حكومة ائتلافية معارضة لتوجهات الرئيس السابق برويز مشرف؛ الأمر الذي أدى في النهاية للضغط على مشرف للاستقالة بعد التهديد بمحاكمته؛ إثر سخط عام على سياساته الداخلية والخارجية.
من هو زرداري؟
ولد زرداري في عام 1955 في مدينة كراتشي الباكستانية لأسرة شيعية إسماعيلية، وتزوج من الزعيمة السابقة لحزب الشعب بي نظير بوتو عام 1987، وله منها ثلاثة أبناء، وعمل في مجال واتهم بالفساد ودخل السجن 11 عامًا، ويلقبه خصومه باسم "السيد عشرة بالمائة"؛ بسبب اتهامه باختلاس عشرة بالمائة من صفقات الحكومة خلال رئاسة زوجته بي نظير بوتو للحكومة الباكستانية، مثّل حزب الشعب لأول مرة في البرلمان بعد فوزه بالانتخابات خلال الفترة ما بين عامي 1990م - 1993م، وفي المرة الثانية في عام 1993م - 1996م، وعين عضوًا في مجلس الشيوخ في الفترة ما بين عام 1997م - 1999م، كما عين وزيرًا للبيئة في الحكومة الفدرالية التي رأستها بي نظير بوتو خلال الفترة ما بين عام 1993م - 1996م، وأيضًا وزيرًا للاستثمار من عام 1995م - 1996م، ويمتلك زرداري مجموعة "زرداري الخاصة للاستثمار" في المجال الزراعي، تولى زعامة حزب الشعب مع ولده من بي نظير بوتو مناصفة بعد اغتيالها، وقام بتشكيل حكومة ائتلافية مع عدد من الأحزاب بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، على رأسها حزب نواز شريف الذي انسحب مؤخرًا من الحكومة.
علاقة زرداري بالغرب
|
ما يهم أمريكا أن تكون باكستان طوع أمرها بعيدًا عن الوقوع في أيدي الإسلاميين وهو كابوس كبير يطارد الإدارة الأمريكية خوفًا من وقوع السلاح النووي الباكستاني في أيديهم |
لحزب الشعب الذي يتزعمه آصف زرداري علاقات وطيدة بالغرب منذ بداية تأسيسه، وزعيمته السابقة بي نظير زوجة زرداري رجعت إلى باكستان بعد الاتهامات التي لحقتها هي وزرداري بالفساد إثر صفقة بين الغرب والرئيس السابق برويز مشرف، الذي كانت شعبيته قد بدأت في الانهيار، وسعت الولايات المتحدة لتحضير البديل من خلال إلقاء ورقة بي نظير بوتو مع ورقة نواز شريف في وجه مشرف، وهو ما أسفر في النهاية عن اغتيال بوتو وتزايد في شعبية حزبها الذي استطاع هزيمة حزب مشرف. ما يهم أمريكا أن تكون باكستان طوع أمرها بعيدًا عن الوقوع في أيدي الإسلاميين وهو كابوس كبير يطارد الإدارة الأمريكية خوفًا من وقوع السلاح النووي الباكستاني في أيديهم، كما أن زرداري عنده نقاط ضعف واضحة يمكن ملاعبته من خلالها، من أهمها قضايا الفساد التي ما زالت تلوث سمعته.
|
الترحيب الغربي بتولي زرداري الرئاسة جاء واضحًا وصريحًا فقد أعرب الرئيس الأمريكي جورج بوش عن استعداده للعمل مع زرداري خاصة في مجال مكافحة " الإرهاب" كما سارعت بريطانيا إلى إعلان أنها تتطلع للتعاون مع زرداري بشكل وثيق من أجل نشر الديمقراطية في البلاد، ومكافحة التطرف |
والترحيب الغربي بتولي زرداري الرئاسة جاء واضحًا وصريحًا، فقد أعرب الرئيس الأمريكي جورج بوش عن استعداده للعمل مع زرداري خاصة في مجال مكافحة " الإرهاب"، وقال المتحدث باسم البيت الأبيض: إن "الرئيس بوش متحمس للعمل معه، ومع رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني ومع الحكومة الباكستانية حول مواضيع تهم البلدين، ولا سيما مكافحة الإرهاب ومن أجل ضمان استقرار الاقتصاد الباكستاني وصلابته"، وأشادت وزيرة الخارجية الأمريكية بالرئيس الباكستاني المنتخب، وقالت: إن باكستان لديها "طريق ممهد للمضي قدمًا". كما سارعت بريطانيا إلى إعلان أنها تتطلع للتعاون مع زرداري بشكل وثيق من أجل نشر الديمقراطية في البلاد، ومكافحة التطرف الذي يعتبر "خطرًا مشتركًا". وأكدت الوزارة أن "بريطانيا تبقى على استعداد لمساعدة الحكومة في مكافحة الخطر المشترك الكامن في التطرف العنيف ومواجهة التحديات الاقتصادية المطروحة عليها". أما طهران فقد هنأ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد زرداري بانتخابه، وأكد استعداد إيران "التام لتنمية العلاقات مع باكستان في المجالات كافة". وقال "آمل أن نرى تطور وتعزيز العلاقات الجيدة التي تربط بين شعبينا"، والموقف الإيراني يمكن فهمه من انتماء زرداري للطائفة الشيعية الإسماعيلية ولها علاقات وطيدة بطهران، كما أن حربها ضد ما تسميه "التطرف" ستكتسب بعدًا عقائديًا واضحًا.
زرداري ومشرف
|
بالنسبة لموضوع القضاة فقد وضح أن زرداري لا يريد عودتهم خوفًا من ملاحقته هو وبعض قيادات حزبه بتهم الفساد، وهي تهم كثيرة وما زالت تتردد بقوة في جنبات المجتمع الباكستاني |
منذ بداية التحالف بين حزب الشعب وحزب نواز شريف كان هناك اختلاف بين الطرفين على أمرين: الأول هو كيفية التعامل مع مشرف، والثاني هو رجوع القضاة الذين عزلهم مشرف إلى مناصبهم. بالنسبة لكيفية التعامل مع مشرف كان زرداري يرى التعايش مع مشرف وعدم مواجهته، وبدا أن زرداري يخشى غضب الغرب الذي كان حتى هذه اللحظة لم يرفع يده تمامًا عن مشرف، بينما كان يرى نواز شريف ضرورة الإطاحة بمشرف، أما موضوع القضاة فقد وضح أن زرداري لا يريد عودتهم خوفًا من ملاحقته هو وبعض قيادات حزبه بتهم الفساد، وهي تهم كثيرة وما زالت تتردد بقوة في جنبات المجتمع الباكستاني، أضف إلى ذلك رفض زرداري التخلي عن التعديلات الدستورية التي ألحقها مشرف بالدستور وأعطت صلاحيات واسعة للرئيس، وكانت النقطة الأخيرة أحد النقاط الخلاف الرئيسة بين زرداري ونواز شريف، ترك على أثرها الأخير التحالف الحاكم وحذر من تعرض البلاد للفوضى وتدخل الجيش.
حجم التغيير المتوقع
|
تعيش باكستان جميع الأمراض السياسية التي تعتري معظم دول العالم الثالث، من استبداد في الحكم وتجاهل لإرادة الشعب وسيطرة الغرب على سياستها الخارجية، وتوجيهها نحو خدمة مصالحه |
تعيش باكستان جميع الأمراض السياسية التي تعتري معظم دول العالم الثالث، من استبداد في الحكم وتجاهل لإرادة الشعب وسيطرة الغرب على سياستها الخارجية، وتوجيهها نحو خدمة مصالحه، وكان برويز مشرف أمينًا تمامًا مع هذه الصورة البائسة، والناظر في سيرة آصف زرداري لا يتوقع أي تحسن في هذه الصورة، بل قد تزداد سوءًا؛ فزرداري لا يتمتع بحماية المؤسسة العسكرية خلافًا لمشرف في معظم فترة حكمه؛ مما قد يؤدي إلى اضطرابات واحتمال للتدخل في حال حدوث خلافات سياسية على تسيير أمور البلاد؛ الأمر الذي سيدخل البلاد متاهة جديدة. من ناحية أخرى ولخلفية زرداري في عالم الأعمال وقضايا الفساد التي أحاطت به من خلالها؛ يخشى من تعاظم نفوذ أصحاب رءوس الأموال وتنامي المحسوبية والرشوة في ظل اقتصاد متهاوي. أما عن التعاون مع الغرب فجميع المؤشرات تؤكد استمراره، بل زيادته خصوصًا في مجال مكافحة ما يسمى "الإرهاب"، وتأتي الهجمات الأخيرة لقوات الاحتلال الأمريكي في أفغانستان داخل العمق الباكستاني وتصريحات عدد من المسئولين الأمريكيين باحتمال تكرارها لتلقي بظلالها على طبيعة هذا التعاون في المستقبل القريب.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"