إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

دور القوى السياسية في كوارث باكستان
الاربعاء 10 سبتمبر 2008

حسن الرشيدي

istratigi@hotmail.com

 

مفكرة الاسلام: تمثل القوى السياسية  الداخلية في باكستان جزء كبير مشكلتها و المصدر الرئيسي لكوارثها . و إذا كان العامل الخارجي قد لعب دور مهما في أزمة باكستان ممثلا في محاولات الدول الإقليمية و الدولية لتحقيق أجندها عبر هذا البلد فإن المؤامرات الخارجية ما كانت تؤثر لولا ضعف الجبهة الداخلية و وقوع صراعات بين القوى الباكستانية المختلفة وصلت إلى حد أن البلاد أصبحت على شفير حرب أهلية .

و لكن ماذا نعني بالقوى السياسية الداخلية الباكستانية ؟

تنقسم  الحالة السياسية الداخلية الباكستانية إلى عدة عناصر رئيسة :

أولا / النخبة العسكرية الباكستانية :

لعب الضباط الباكستانيون دورا مهما في الحياة السياسية الباكستانية منذ استقلالها و بعد سلسلة من الهزائم المذلة على يد الهند تنحى الجنرالات العلمانيون عن قيادة الجيش و تسلمت قيادته بعض القيادات التي رأت في العودة إلى الإسلام عودة إلى الأساس الذي قامت عليه باكستان و انفصلت بسببه عن الهند ألا و هو الإسلام .

 ترافق مجيء الجنرال ضياء الحق بانقلابه في السبعينات مع الغزو السوفيتي لأفغانستان و بدء حركات الجهاد هناك لطرد الروس و بمعاونة باكستانية و لذلك عمل ضياء الحق على بث الروح الإسلامية في الجيش بدء بجعل كثير من الدعاة و العلماء يلتحقون بالوحدات العسكرية لبث الروح الجهادية في الجنود و الضباط و بانتهاء بتصعيد الإسلاميين من الضباط إلى قيادات الجيش حتى أنه في أوائل التسعينات كان على رأس جهاز المخابرات العسكرية و هي أخطر قطاعات الجيش على الإطلاق من يتهمه بأنه إسلامي متشدد .

و مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر بدأ دور الإسلاميين يتقلص في الجيش الباكستاني مع تصاعد الضغط الأمريكي على النظام الباكستاني و تفرد مشرف بالسلطة داخل الجيش مع إقالته عددا من الضباط المتعاطفين مع الإسلاميين و تمتع حكم مشرف بخصائص مختلفة عن العسكر الذين سبقوه في حكم باكستان

أولى هذه الخصائص عند استلامه الحكم في باكستان بإنقلابه على رئيس الوزراء حينذاك نواز شريف في أعقاب الخلاف بين الجيش و شريف على القتال في كارجيل حيث اتهم الغرب الجيش الباكستاني بإفتعال هذه المعارك و أيدهم في ذلك رئيس الوزراء الذي سعى إلى لإقالة مشرف بل دبر كما قيل محاولة لقتله أو على الأقل بعدم العودة إلى البلاد بمنع طائرته من النزول في المطارات الباكستانية نظر إليه من قبل المواطنين في تلك الأوقات على أنه بطلا خلص الناس من الوزراء الفاسدين بينما كانت رؤية الغرب له محل استنكار و تباكي على الديمقراطية و الحرية في باكستان و لكن عند رحيله كان الداخل الباكستاني يلعنه سواء في طرف الإسلاميين أو العلمانيين الليبراليين بعكس الغرب الذي بدا متعاطفا معه على الأقل ظاهريا .

كذلك تدل طريقة ترك مشرف الحكم و هي الاستقالة الاختيارية على نمط حكمه فقد اعتادت منطقتنا على أن ضباط الجيش الذين يستلمون الحكم بانقلابات لا يتركون الحكم طواعية إلا ربما في حالتين كالسودان و موريتانيا فاختياره ترك الحكم بهذه الطريقة الهادئة إنما هي استمرار لنمط حكمه الذي اعتمد على براجماتية شديدة في التعامل مع كافة التحديات الباكستانية و في مقدمتها تعاونه في الحرب التي تطلق عليها أمريكا الحرب على الإرهاب.

و لكن مشرف لم يكن كفؤا بما فيه الكفاية للتعامل مع مشاكل دولة توصف بأنها مستنقع مشاكل و كوارث مثل باكستان  و تسخر من سياساته الصحفية البريطانية في التايمز  كاثرين فيليب حيث تقتبس كلمات من خطاب استقالته يقول فيها: ماذا كان وضع باكستان عام 1999؟ (عام تسلمه السلطة) لا أحد كان على علاقة بنا لا أحد كان يتحدث إلينا ولا أحد كان يستمع إلينا. الآن وضعنا باكستان على الخريطة والناس أخذوا خبرا بذلك. وتعلق كاثرين على هذه الكلمات بالقول: هذا حقيقي ولكن ربما ليس للأسباب الصحيحة.كما تحدث اشتياق احمد من كلية العلاقات الدولية في إحدى جامعات إسلام آباد المرموقة قائلا إن مشرف ترك إرثا من الديكتاتورية الطويلة التي مهدت لمزيد من انعدام الاستقرار.

  ثانيا / السياسيين المدنيين و الأحزاب العلمانية :

 تتسم النخبة السياسية من المدنيين في باكستان بعدة خصائص أهمها : الفساد و استغلال السلطة من قبل السياسي نفسه أو أقاربه و أصدقائه لجني الأموال و المناصب   وفي دراسة أجراها باحث باكستاني للمقارنة بين باكستان ومصر توصل إلى أن بناء كوبري في باكستان يتكلف ثلاثة أضعاف تكلفته في القاهرة ـ غير الخالية من الفساد ذاتها ـ بسبب أن الفساد في باكستان قد فاق كل الحدود المعروفة في العالم الثالث.

ويزعم المحققون الباكستانيون ان  آصف زرداري زوج بنازير بوتو و الذي فاز بمنصب رئيس باكستان منذ عدة أيام قد جمع ثروة تقدر بمائة مليون دولار و قبل إطاحته عام 1999 اتهم نواز شريف وحكومته بسوء الإدارة وعدم الشفافية.

و من خصائص هذه النخبة  كثرة الخلافات بينها للتصارع حول السلطة و الانتخابات إلى درجة أوصلت البلاد إلى حلبة من الفوضى و التشرذم و شتت أي تقدم حقيقي في سبيل إصلاح اقتصادي أو تقدم تقني أو تحسين الظروف الاجتماعية لطبقات الشعب الفقيرة  حتى أن المقارنة بينها و بين الهند تبرز هذا الفارق الكبير ففي مجال تقنية المعلومات و البرمجيات كمثال تبلغ قيمة صادرات الهند إلى جميع أنحاء العالم بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا حوالي خمسين مليار دولار عام 2008  بينما بلغت عام 2002 حوالي الستة مليارات فهناك قفزات هائلة في مجال .

 ثالثا / الجماعات الإسلامية و القبائل :

 بالرغم من انتشار المدارس الإسلامية  في باكستان والتي وصلت إلى ما بين 20 و40 ألف مدرسة خلال التسعينات بعد أن كانت 900 مدرسة عام 1971إلا أن الجماعات الإسلامية ذات تأثير محدود في العملية السياسية الباكستانية و يقتصر تأثيرها فضلا عن الجانب العلمي الذي تقوم به المدارس الديبوندية على الجانب العنيف في إثارة القلاقل و الاضطرابات الداخلية و التفجيرات الانتحارية و الدخول في حرب عصابات مع قوات الجيش الباكستاني  و يفتقد هؤلاء الإسلاميون إلى رؤية إستراتيجية خاصة في جانب علاقتهم مع الجيش الباكستاني فهم لا يقدرون حجم الضغوط التي يتعرض لها قيادات الجيش من أجل فك تحالفها مع الإسلاميين و لا يقدرون أبعاد اللعبة المزدوجة التي تمارسها المخابرات الباكستانية حتى كأنها تمشي على حبل مشدود لتزان العلاقة بينها و بين الغرب و بينها و بين الجماعات الإسلامية .

و الملاحظ أن الحالة الإسلامية الباكستانية تختلط مع الحالة القبلية بشكل ملحوظ فهجوم لجيش الباكستاني على الإسلاميين لا يستثني المناطق القبلية كما أنه لا يستثني مدنيين وأطفالا و ذلك يولد غضباً كبيراً لدى الباشتون الذين يعارضون الاحتلال الأميركي لأفغانستان كما يؤدي إلى عمليات انتحارية انتقامية في المدن الباكستانية البعيدة عن المناطق القبلية.

 





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق