إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

ثمن الجشع !
الاربعاء 22 اكتوبر 2008

حسن الرشيدي

istratigi@hotmail.com

 

مفكرة الاسلام: هذا كان عنوان مجلة تايم في عددها الأخير و هي تصف الأزمة المالية الخطيرة التي ألمت بالمجتمع الأمريكي و الأغرب أن هذا كان عنوان أحد كتب الكاتب اليساري الأمريكي الشهير ناعوم تشومسكي و الذي ظلت الطبقة السياسية المثقفة الأمريكية معرضة عن كتاباته باعتباره يمثل تطرفا فكريا أمريكيا و لكنها على ما يبدو عادت في الأزمة الأخيرة  لتستشهد بعناوين كتبه .

 و يرى  تشومسكي أن سياسة الجشع وسياسة العُدوان كلتاهما متأصلتان في روح أميركا ولهما مصدران: الدعوى الرسالية البروتستانتية ودعوى التزام الحرية و على رأي الكاتب اللبناني رضوان السيد فإن هذه الحرية الأمريكية المزعومة ثبتت أنها تُجاه النفس وليس تُجاه الغير.

إن ما حدث من انهيار مالي في السوق الأمريكية‏‏ وإغلاق أحد أكبر البنوك الأمريكية وما أتبعه من خروج أكثر  من ‏159‏ ألف مواطن أمريكي في أقل من أسبوع من سوق العمل،  لا يمكن اعتباره مجرد إجراء مالي عادي‏‏ ذلك أن ما حدث يعد بكل المعايير والمقاييس حدثا مروعا

إن ما حدث من انهيار مالي في السوق الأمريكية‏‏ وإغلاق أحد أكبر البنوك الأمريكية و ما أتبعه من خروج أكثر  من ‏159‏ ألف مواطن أمريكي في أقل من أسبوع من سوق العمل وتصويت الكونجرس الأمريكي بتخصيص مبلغ‏700‏ مليار دولار من الاحتياطي الفيدرالي‏‏ لمواجهة هذه الأزمة‏‏ لا يمكن اعتباره مجرد إجراء مالي عادي‏‏ ذلك أن ما حدث يعد بكل المعايير والمقاييس حدثا مروعا‏.

 لقد أبرزت الأزمة المالية أن الغرب يعاني عدة مشكلات : أخلاقية و سياسية و اقتصادية:

فالأزمة الأخلاقية بدت واضحة فالسبب المباشر لتفجر هذه الكارثة و هي قضية القروض العقارية التي استفاد بموجبها صغار الموظفين الأميركيين وفقراء الأجراء والمتقاعدين من فرصة الحصول على مسكن مقابل ريع ربوي غير قار و بدأ شبح الأزمة عندما بات من المؤكد أن أغلب المستفيدين من هذه القروض لم يعد بإمكانهم سداد دينهم بسبب الارتفاع الفجائي لقيمة السداد الربوي الشهري المطلوب الذي تجاوز في بعض الحالات 70% من دخل المدينين و كانت هذه النتيجة بمثابة الإشارة الأولى إلى وضع مالي غير عادي لا بد من معالجته بطريقة حكيمة تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي لكن الغريب في الأمر أن رد البنوك الأميركية المقرضة مثل بنك فاني ماي وبنك لبمان براذرز كان نهاية في العجرفة و اللإنسانية فلقد طلب ممن عجز عن الدفع ترك منزله على الفور وهذا ما حصل بالفعل على يد الشرطة الأميركية التي رافقت جحافل الفقراء الأميركيين نحو العراء.

و المشكل أن هذه الكارثة الاجتماعية لم تحل صعوبات البنوك بل على العكس سارعت في انهيارها إذ فقدت المساكن المنشأة جانبا كبيرا من قيمتها منعكسة بذلك على قيمة أسهم هذه البنوك في البورصات وتجنبت البنوك الأخرى إقراضها في إطار الديون البنكية.

لقد نبه كثير من المفكرين في الغرب على البعد اللأخلاقي للرأسمالية الغربية فهذا موريس كوري يعدد  الأضرار الناجمة عن النظام الرأسمالي و يصفها بأنها لا تحصى كما لا يمكن تحديد رقم لملايين الموتى من ضحاياها

لقد نبه كثير من المفكرين في الغرب على البعد اللأخلاقي للرأسمالية الغربية فهذا موريس كوري يعدد  الأضرار الناجمة عن النظام الرأسمالي و يصفها بأنها لا تحصى كما لا يمكن تحديد رقم لملايين الموتى من ضحاياها ويؤكد أن كل البلدان الأوروبية الكبرى والولايات المتحدة مذنبة فهذه البلدان في نظر كوري مذنبة بالرق وأنواع القمع الذي لا رحمة فيه والتعذيب والاستملاك وسرقة الأراضي والموارد الطبيعية من قبل الشركات الكبرى الغربية والأميركية أو متعددة الجنسيات أو من جانب متسلطين محليين عاملين في خدمتها وذلك بغزو بلدان أو تقطيع أوصالها وبفرض ديكتاتوريات وزراعات أحادية المحصول تحل محل زراعات الأغذية التقليدية وبتدمير أنماط الحياة الزراعات المتوارثة وبإزالة الغابات والتصحر والكوارث البيئية وبالجوع ونفي السكان نحو المراكز الكبرى التي تنتظرهم فيها البطالة والبؤس.

الأزمة السياسية في النظام الغربي والذي كشفته الأزمة المالية الراهنة فيتجلي أنها أظهرت مثالب الأحادية الأمريكية والتفرد في العالم فهذه الأزمة نتاج الهيمنة الأمريكية المنفردة والمطلقة علي النظامين الاقتصادي والمالي الدوليين

 أما الأزمة السياسية في النظام الغربي والذي كشفته الأزمة المالية الراهنة فيتجلي أنها أظهرت مثالب الأحادية الأمريكية والتفرد في العالم فهذه الأزمة نتاج الهيمنة الأمريكية المنفردة والمطلقة علي النظامين الاقتصادي والمالي الدوليين‏‏ وهو العصر الذي بدأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية‏‏ وخروج القوي الصناعية الأوروبية من هذه الحرب محطمة اقتصاديا‏‏ ومنهارة العملات‏‏ في حين بقيت الولايات المتحدة سليمة اقتصاديا‏‏ وقوية دولاريا‏‏ بحيث اعتمدت عليها أوروبا كلية لاستعادة عافيتها الاقتصادية‏‏ حتى لا تسقط القارة العجوز ثمرة ناضجة في أيدي الشيوعيين لمصلحة التوسع السوفيتي‏.‏

أما مظاهر المرض الاقتصادي للنظام الغربي و الذي أبانته الأزمة الأخيرة فقد أسقطت عدة أساطير تحدث عنها الكاتب زين العابدين الركابي في الشرق الأوسط منها أسطورة تطبيق الشفافية فبنك ليمان برادذرد مثلا الذي أعلن إفلاسه كان في حالة وفاة سريرية منذ مدة طويلة ولكن جرى التستر والتعتيم على حالته لمدة طويلة أيضا.. فأين الشفافية المزعومة ها هنا وهذا المثال ينطبق على بنك أف أمريكا وبنك ميريل لينش وعلى مؤسسات أخرى نظيرة.

انهارت أسطورة المعدة القوية الهاضمة  فلقد كان الناصحون من أمريكا وغيرها من مفكري العالم الأحرار ينصحون المسئولين الأمريكيين دوما بأن مخاطر جسيمة متتابعة تحيق بهذه الدولة الكبرى. وكان الرد دوما :لا يهم فأمريكا بلد ذو معدة قوية هاضمة لا تضعف ولا تمرض وهي قادرة على هضم الأزمات مهما كان حجمها ونوعها

كذلك انهارت أسطورة المعدة القوية الهاضمة  فلقد كان الناصحون من أمريكا وغيرها من مفكري العالم الأحرار ينصحون المسئولين الأمريكيين دوما بأن مخاطر جسيمة متتابعة تحيق بهذه الدولة الكبرى. وكان الرد دوما :لا يهم فأمريكا بلد ذو معدة قوية هاضمة لا تضعف ولا تمرض وهي قادرة على هضم الأزمات مهما كان حجمها ونوعها وهذه أسطورة مركبة من آفتين: آفة الغرور وآفة الغباوة وهما آفتان حاجبتان عن العبرة المستقاة من تاريخ الأمم ومصائر الدول.

و من الأساطير التي انهارت أسطورة نهاية التاريخ ففي نشوة الفرح بسقوط الاتحاد السوفيتي طفق مبشرون أمريكان يقولون: إن سقوط الإمبراطورية السوفيتية معناه ـ بالضرورة و الحتم ـ: الانتصار الأبدي للرأسمالية وبناء على هذا الانتصار ختمت حركة التاريخ السياسي والاقتصادي وعنوان الختم هو: قفل باب الاجتهاد الفكري والسياسي في مجالي: الرأسمالية والديمقراطية.. ما يجري لأمريكا ـ وفيها ـ اليوم ينسف هذه الأسطورة لأن ما يجري سيجبر القوم على إعادة النظر والاجتهاد في بنية النظام الاقتصادي والمالي فإن الترقيع لن يجدي ـ قط ـ وقد فات أوانه. هذا إن صح إن هناك فرصة أخيرة للاجتهاد والتصحيح.

 و حتى خطة الإنقاذ المالية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية يقول عنها الكاتب الصحفي الأمريكي جوزيف روبرت في الواشنطون بوست ماذا لو علم الأميركيون بعد تصويت مجلس النواب أن 3000 بنك سوف تفلس؟

و بصرف النظر عن نصيب هذه الخطة من الفشل و النجاح فإن من أبرز نتائجها أن الشأن الداخلي الأمريكي‏‏ سيكون علي قمة أولويات الرئيس الجديد‏‏ وأن تحسين وضع المواطن الأمريكي سيحتل قمة درجات سلم أولويات الإدارة الجديدة‏‏ مما سيستلزم تقليص بنود الصرف التي لا تعود علي الاقتصاد والمواطن الأمريكي بالفائدة المباشرة‏‏ وعليه فمن المتوقع ـ نظريا ـ أن تضطر الولايات المتحدة أن تعيد النظر في سلم أولويات أهدافها الخارجية‏‏ ومراميها الإستراتيجية في المرحلة المقبلة‏.‏

تعلو أصوات قادة في أوروبا يطالبون بنظام اقتصادي عالمي جديد. يعترفون بأن النظام الذي وضعت أسسه بريطانيا والولايات المتحدة، انحرف عن مبادئه وقواعده

وفي نفس الوقت تعلو أصوات قادة في أوروبا يطالبون بنظام اقتصادي عالمي جديد. يعترفون بأن النظام الذي وضعت أسسه بريطانيا والولايات المتحدة، انحرف عن مبادئه وقواعده عندما هيمن ميلتون فريدمان وتلاميذه ونظرياته على السياسات الاقتصادية الدولية، وتولت حكومات الولايات المتحدة فرض هذه السياسات على العالم وأجبرت معظم الدول على تبنيها من خلال القيود والشروط الصارمة التي فرضتها منظمة التجارة العالمية. والآن، وبعد سقوط هذه السياسات، عادت دول الغرب تطالب بضبط السوق وتنظيم علاقات الائتمان والاستثمار واستعادة سيطرة «الدولة» على المصارف وسوق الائتمان.

 و يظن بعض العرب أن الأزمة لن تصل إلينا و لكن سعينا وراء الغرب و تقليدنا إياه سيجرنا إلى نفس المأزق يقول الكاتب الصحفي محمود عوض لقد جرى استدراج دولنا النامية إلى الفخ القاتل نفسه. في دولة نامية كمصر مثلا نجد على مدار الساعة تشبهاً بالنموذج الأميركي نفسه: استهلك بأكثر مما تنتج.. اقترض بأكثر من قدرتك على السداد.. امتلك فيللا فسيحة بحديقة تجاور ملعبا للغولف.. اذهب بمدخراتك القليلة إلى البورصة فتحصل على مكاسب مضمونة.. اخرج إلى المعاش المبكر فتستمتع بوقتك بينما مصنعك يباع إلى الخواجات وأرباح المصنع تحول إلى الخارج من الآن فصاعدا. وفي ما بين كل جملة وجملة لم يعد مهماً أن ديون مصر الخارجية ارتفعت إلى 34 مليار دولار.

 إن الأزمة المالية التي تمر بها الولايات المتحدة لتحمل في طياتها ثلاث دلالات خطيرة : أخلاقية و سياسية و اقتصادية.

 ولكن هل يستطيع المسلمون أن يقدموا البديل؟

طالب الشيخ يوسف القرضاوي المسلمين في جميع أنحاء العالم حيث حثهم على التقاط خيط الأزمة الاقتصادية العالمية لتحقيق نظام بديل عن النظام الرأسمالي

هذا ما طالب به الشيخ يوسف القرضاوي المسلمين في جميع أنحاء العالم حيث حثهم على التقاط خيط الأزمة الاقتصادية العالمية لتحقيق نظام بديل عن النظام الرأسمالي.

 بينما أقر الشيخ سلمان العودة  بأنه من الناحية العملية فإن التجربة المصرفية الإسلامية لازالت غير مكتملة لأنها تتعامل فقط مع منتجات محدودة مثل بيع المرابحة.

و لكن  فهمي هويدي يقطع بأنه قد تكون لدى هذا النظام الإسلامي حلول لبعض المشاكل المصرفية لكنه لا يمكن أن يمثل حلا سحريا للعالم.

 و هذا يدل على نظرة غير متفائلة من جانب هؤلاء العلماء و المفكرين بهذه القضية فالوضع الاقتصادي الإسلامي لا يمكن فصله عن الوضع السياسي و الاجتماعي للمسلمين فضلا على أن النموذج المصرفي الإسلامي لا يزال غائبا في التطبيق فما نشاهده من بنوك يقال عنها إسلامية ما هي إلا جسد ربوي برداء إسلامي و لا يبق في واقع المسلمين إلا ظاهرتين يمكن اعتبارهما يمثلان الآن الوجه الإسلامي للاقتصاد و نعني بهما مؤسسات العمل الخيري الإسلامي و التي تتولى جمع الزكاة و صرفها في أوجهها الشرعية فتحقق التكافل بين المسلمين و تقف في أوجه أنشطة النصير و غيرها و الوجه الثاني هو الوقف الإسلامي و الذي تديره مؤسسات نذرت نفسها لخدمة الإسلام و المسلمين.





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق