
إعداد أحمد أبو عطاء
مفكرة الإسلام: في العشرين من يناير المقبل يسلم الرئيس الأمريكي جورج بوش مفاتيح البيت الأبيض وينزل عن منصته التي ظل من فوقها يحكم الولايات المتحدة على مدار ثمانية أعوام ويرى المراقبون أن حصاد هذه السنوات الحقيقي سيستغرق سنوات أخرى من أجل إدراك فداحة تأثيراته وتداعياته على مستقبل أمريكا والعالم ككل.
وفي مقاله كتب المحلل السياسي لورانت لوزانو يؤكد أن حقبة حكم الرئيس جورج بوش كان عنوانها الحروب الدموية التي قامت على أساس حالة من فقدان الأفق السياسي الصحيح وشهدت أحداثًا مفزعة انتهكت كل معايير القانون الدولي وحتى المبادىء الإنسانية وكانت أحداثًا هزت العالم كله من أقصاه إلى أقصاه.
وقال المحلل السياسي لورانزو في مقاله إن رئاسة جورج بوش الحقيقة بدأت فعليًا مع وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 أي أنها بدأت بمأساة مفجعة للشعب الأمريكي، كما أنها تنتهي وأمريكا تئن وتصرخ بسبب الضربة الاقتصادية الأشد عنفًا في تاريخها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك في ظل مخاوف من كساد غير مسبوق ومعدلات لا يمكن تصورها من البطالة وما يترتب على هذا من انتشار الجريمة والفساد.
بوش.. بداية ونهاية مؤلمتان وبينهما بوادر سقوط أمريكا
وأضاف لورانو أن إدارة الرئيس جورج بوش بين هذين الحدثين الخطيرين في تاريخ الولايات المتحدة أدخلت شعبها وشعوب العالم من ورائه في دوامة من الصراعات المستمرة وجعلت العالم يعيش اضطرابًا لا يمكن التغلب على آثاره على مدار عقود قادمة، خاصة بعد شن حربين لغزو العراق وأفغانستان بالتزامن مع فتح حرب شعواء ضد كل ما هو إسلامي للقضاء على الجماعات والتنظيمات الإسلامية وإعطاء الأجهزة الأمنية الأمريكية - سواء بشكل مباشر أو غير مباشر - القدرة على التأثير في المجريات السياسية لكل دول العالم تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب".
ولم يعبأ الرئيس بوش بخسارة الولايات المتحدة لصورتها على مستوى العالم وانهيار الحلم الأمريكي الذي كان يقدم للعديد من الشعوب على أنه يحترم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وفي سياق محاربة "الإرهاب" خسرت أمريكا كذلك العديد من حلفائها التقليديين وفقدت هيبتها على الساحة الدولية.
وكان الرئيس جورج بوش هو صاحب فكرة الاستقطاعات الضريبية الضخمة وأشرف على تمرير هذا التحرك خلال الكونجرس الأمريكي، وكان تمهيدًا لمزيد من الانتكاسات التي مني بها الاقتصاد الأمريكي، وفي الوقت نفسه أعطى كميات غير مسبوقة من الأموال للأنظمة التي دعمته في قارة أفريقيا بحجة محاربة الفقر والمرض.
ولا يستطيع المواطن الأمريكي العادي أن يستحضر في ذهنه عدد النكبات والكوارث والمصائب التي حلت به سواء على المستوى العام أو المستوى الخاص طوال سنوات حكم بوش فما بين جيش محطم في حربين لا قبل له بهما في العراق وأفغانستان إلى إعصار كاترينا المدمر الذي أطاح بأحلام قطاعات واسعة من الأمريكيين كانوا يعتقدون أن بلادهم يمكن أن توفر لهم الغطاء الكافي للحماية من تقلبات الطبيعة، مع ضياع صورة الولايات المتحدة وتحولها إلى صورة وحش لا يكترث لقتل الأطفال والنساء والشيوخ وتعذيب السجناء.
لا يمكن للمواطن الأمريكي العادي أن يتناسى بصمات إدارة جورج بوش الملطخة بالعار في سجن أبو غريب في العراق وما شهده من فضائح كانت بمثابة جرائم لا يمكن محوها من ضمير الإنسانية، ولا يستطيع أن يتجاهل سجن جوانتانامو العسكري الأمريكي الذي كان قفصًا امتهنت فيه معايير القانون وأسط معاني العدالة واحترام آدمية البشر ومعتقداتهم الدينية.
وقد نجح الرئيس بوش في الفوز من أكثر من معركة سياسية داخل الحلبة الأمريكية على الرغم من الفشل والتخبط اللذين اتسمت بهما فترة حكمه، وبعد هذه النجاة السياسية لبوش وصل في النهاية إلى حقيقة لم يعد من الممكن الهرب منها أو التحايل عليها وهي حقيقة انهيار شعبية هذا الرئيس بين مواطنيه ووصول مستوى شعبيته إلى حد غير مسبوق من الضعف.
ويواجه جورج بوش مع نهاية فترة حكمه اتهامات بالخيانة العظمة للقيم الرئيسية التي تقول الولايات المتحدة إنها قامت عليها وسعت لصيانتها وهي قيم الحريات وحقوق الإنسان، فقد كان عهد بوش هو عهد السجون والرحلات السرية واحتجاز الأبرياء بغير اتهامات لسنوات وسنوات، وكان عهد بوش هو عهد أساليب الاستجواب المخجلة والتي مورست خلالها أبشع ألوان التعذيب والانتهاك لكرامة البشر بشكل لم يعرف حتى في عصر النازية، وكان عهد بوش هو عهد حرمان المواطن الأمريكي نفسه من أبسط حقوقه وهو حق الخصوصية والحرية الفردية لأن الرئيس بوش وتحت ذريعة حماية الأمن القومي الأمريكي سمح لأجهزته الأمنية ووكالة المخابرات المركزية بالتجسس على المواطنين الأمريكيين أنفسهم.
بوش.. حرب مستمرة يدفع الشعب الأمريكي ثمنها
يترك الرئيس الأمريكي مقعده في البيت الأبيض وقد أصيبت علاقات أمريكا بحلفائها القدامى في حلف شمال الأطلسي الناتو بشروخ عميقة لا يمكن تجاوز تداعياتها، حيث كان بوش هو الرئيس الذي قسم العالم إلى قسمين قسم يؤيده وآخر يخالفه وبذلك قضى على مبدأ العمل الدبلوماسي في العلاقات بين الدول وأعلى بدلاً منه قيمة الضربات العسكرية والتدخل بالجيوش وانتهى بالعالم إلى أزمة مالية طاحنة كشفت عجز الاقتصاد الغربي عن مواصلة البقاء.
وكشف كاتب المقال أنه ومع رحيل الرئيس بوش عن البيت الأبيض بدأت تتضح ملامح الذريعة الكبرى التي استند إليها هذا الرئيس طوال فترة حكمه وهي ذريعة "الحرب الوقائية"، وكيف أن هذه الذريعة اتخذتها الإدارة الأمريكية مطية لتمرير قرار غزو العراق باسم منع انتشار أسلحة الدمار الشامل وتمرير قرار غزو أفغانستان باسم منع تزايد قوة تنظيم القاعدة.
وقال كاتب المقال إن العالم أدرك كذب المزاعم عن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل كما أدرك العالم كذب مزاعم الخطورة الهائلة المزعومة لتنظيم القاعدة، كما تبين للعالم كله أن حرب "الإرهاب" كانت حربًا من أجل تحقيق مصالح سياسية وأطماع اقتصادية رغم أنها وطوال حكم الرئيس جورج بوش كانت تمر هذه الحرب بحجة حماية الأمن القومي الأمريكي وحماية الشعوب من خطر "الإرهاب الإسلامي" المزعوم.
اتضح للعشب الأمريكي قبل بقية شعوب العالم أن الرئيس الأمريكي جورج بوش عندما أعلن بعد أسابيع من غزو العراق أن "المهمة قد أنجزت" كان يكذب وأن الجيش الأمريكي كان على موعد مع نهر من الدماء والخسائر والمصائب ظلت تلاحقه في العراق بينما كانت جراحه لا تزال تنزف في أفغانستان.
بوش.. رحيل غير مشرف لأسوأ رئيس في تاريخ أمريكا
ومما يزيد من انهيار شعبية الرئيس جورج بوش في أواخر عهده إصراره على عدم الاعتراف بأن وصف حربي العراق وأفغانستان بأنهما كانتا حربين لـ"التحرير" كان وصفًا كاذبًا، حتى بعد انهيار الحكومات التي دعمته وساندته في هاتين الحربين خاصة في بريطانيا وأستراليا واليابان وكندا وغيرها.
ولا يستطيع أي محلل سياسي أن يتوقع الفترة الزمنية أو الجهود الدبلوماسية التي ستحتاجها واشنطن من أجل استعادة صورتها البشعة السائدة في العالم الإسلامي والتي جرت الحزب الجمهوري لهزيمة نكراء في الانتخابات البرلمانية منتصف عام 2006.
وكانت الفاجعة الكبرى للمواطن الأمريكي أنه يشهد في نهاية حكم جورج بوش تراجع إدارته عن كل الثوابت التي ظلت طوال ثماني سنوات لا تقبل التنازل عنها، فالإدارة الأمريكية ومع اقتراب رحيلها تتحدث عن استعادة علاقات دبلوماسية مع النظام الحاكم في إيران وقبول الاتفاق مع كوريا الشمالية فضلاً عن السعي لإبرام اتفاقية أمنية طويلة المدى مع العراق ستجعل واشنطن مرتبطة بهذا البلد لأجل غير مسمى.
وأكد العديد من كوادر السياسة الأمريكية ومن بينهم السيناتور المخضرم هاري ريد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ أن الرئيس جورج بوش هو الرئيس الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة بلا منازع، ولم يعد مؤيدوه يتجاوز عددهم ثلاثة في كل عشرة أمريكيين.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"