
عصام زيدان
مفكرة الاسلام: شرعت القاهرة منذ فترة غير قصيرة في إجراء حوار بين الفصائل الفلسطينية تمهيدًا للقاء مصالحة لمختلف الأطراف الفلسطينية، ولكن هذا الحوار فشل قبل أن يبدأ، خاصة بعدما أعلنت حركة حماس اعتذارها عن الحضور وتبعتها حركة الجهاد الإسلامي، وهو ما دعا القاهرة إلى الإعلان رسميًا عن توقف الحوار، دون تحديد موعد آخر لاستئنافه.
وهناك العديد من الأسباب التي قادت هذه المبادرة المصرية إلى حتف أنفها، يرجع بعضها إلى طبيعة الدور المصري، وقدرة مصر على الضغط على الأطراف للوصول إلى حلول للمشاكل العالقة، وترجع الثانية إلى طبيعة الورقة التي طرحتها مصر كمسودة للحوار، وأخيرًا أسباب تعود إلى الأطراف الرئيسة التي دعيت للحوار، خاصة حركة حماس والسلطة الفلسطينية.
الأسباب التي تعود للورقة محل الحوار
|
احتوت الورقة المصرية التي طرحت كي تجتمع عليها الأطراف الفلسطينية المختلفة على مجموعة من الإشكاليات والبنود التي أظهرت تحيزًا إلى جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس وخيارات المجموعة الرباعية |
احتوت الورقة المصرية التي طرحت كي تجتمع عليها الأطراف الفلسطينية المختلفة على مجموعة من الإشكاليات والبنود التي أظهرت تحيزًا إلى جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وخيارات المجموعة الرباعية، وما أدى إلى رفض غالب هذه البنود من قبل فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس، ومثلت معوقات حقيقية وتحولت إلى ألغام في طريق الحوار، انتهت به إلى الوضع الحالي.
فعنوان المسودة المصرية فيه إشكالية كبيرة، كونه ينص على أنها "ورقة المشروع الوطني الفلسطيني"، مخالفًا ومتجاوزًا للواقع الذي لا يعدو مشروع مصالحة بين الفصائل. لاسيما حركة حماس التي تسيطر على غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
|
عنوان المسودة المصرية فيه إشكالية كبيرة. البند الأول في المسودة على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في توقيت متفق عليه، وهذا يعني التمديد تلقائيًا للرئيس محمود عباس. واشترطت استخدام المقاومة فقط (في إطار التوافق الوطني) ما يؤكد أنها تعارض وتنهي حق الشعب الفلسطيني في المقاومة |
وينص البند الأول في المسودة على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في توقيت متفق عليه، وهذا يعني التمديد تلقائيًا للرئيس محمود عباس إلى حين الاتفاق على الموعد لإجراء هذه الانتخابات، فالورقة إذن تقدم كل ما يصبو إليه رئيس السلطة الفلسطينية وهو خطف شرعية جديدة تبقيه في سدة الحكم، دون مراعاة لمطالب حماس والفصائل الأخرى في هذا الشأن، والتي ترى أن عباس سيكون رئيسًا فقط لحين انتهاء ولايته الدستورية في يناير القادم.
واستخدمت الورقة مصطلح (نبذ العنف) في البند الرابع منها، واشترطت استخدام المقاومة فقط (في إطار التوافق الوطني) كما ورد في البند السادس، وهو ما يؤكد أنها تعارض وتنهي حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، وتجعله رهينة التوافق الوطني الذي لا يتم إلا بموافقة السلطة التي سلبت سلاح المقاومة في الضفة، وبقيت متجردة تمامًا أمام الاحتلال.
|
المسودة المصرية فوضت الرئيس عباس في إجراء مفاوضات وإبرام اتفاق مع الاحتلال. والمسودة المصرية لم تبد أي جدية للتعاطي في إعادة بناء منظمة التحرير |
كما أن المسودة المصرية فوضت الرئيس عباس في إجراء مفاوضات وإبرام اتفاق مع الاحتلال كما ورد في البند الخامس عشر، وهي محاولة ضمنية أخرى لتوفير غطاء شرعي له للاستمرار في المفاوضات، وسلب الفصائل حق المقاومة، خاصة مع نص الورقة على عبارة "لتكون وحدها هي المخولة بمهمة الدفاع عن الوطن والمواطنين"، في إشارة للقوات الفلسطينية التابعة لمحمد عباس.
والمسودة المصرية لم تبد أي جدية للتعاطي في إعادة بناء منظمة التحرير، هو مطلب ملح للحركات والفصائل الفلسطينية، حتى تعترف بشرعية هذه المنظمة وتنضم إلى عضويتها، والبند الحادي عشر من الورقة ورد في صورة فضفاضة وغير محددة، حيث ورد بدون تحديد لآليات أو الجداول الزمنية، وهو ما ترفضه الفصائل التي تصر على رفض الاعتراف بشرعية مؤسسات منظمة التحرير الحالية، إلى أن يتم إعادة بنائها بطريقة تحافظ على مضمون اسمها الحقيقي لكل فصائل الشعب الفلسطيني.
وأدرجت المسودة بعض القضايا التي لا علاقة لها بالمصالحة الفلسطينية، وإنما تخص العلاقة مع المحتل كقضية التهدئة، والنقاش في مثل هذه القضية كان يجب، وفق ما ترى فصائل المقاومة، أن يتم بمعزل عن اتفاق المصالحة، بدلاً من تعمد خلط جميع الأوراق في سلة واحدة.
الأسباب التي تعود لمفصلي الحوار الفصائل ـ السلطة الفلسطينية
|
فصائل المقاومة، وعلى رأسها حماس وحركة الجهاد الإسلامي، اعتذرت عن هذه المبادرة المصرية لأسباب متعددة منها: · استثناء القاهرة لبعض الفصائل من الحوار. · المسودة تغاضت عن المطالب الرئيسة لهذه الفصائل. · انخفاض التمثيل، من جانب السلطة الفلسطينية. |
أما عن الأسباب التي تعود لمفصلي الحوار الفصائل ـ السلطة الفلسطينية، فإننا نجد فصائل المقاومة، وعلى رأسها حماس وحركة الجهاد الإسلامي، اعتذرت عن هذه المبادرة المصرية لأسباب متعددة منها استثناء القاهرة لبعض الفصائل من الحوار، وهو ما يعني أنه لن يكون شاملاً، رغم أن المسودة جاء في نصها (وافقت جميع الفصائل)، وهو ما قد يضع أكبر فصيلين في مواجهة مع بقية الفصائل إن هي سعيت لإبرام المصالحة وفرضها الجميع.
كما أن المسودة تغاضت عن المطالب الرئيسة لهذه الفصائل مما أضفى على الحوار صورة مؤتمرات التفريط والتنازل، لا صورة التفاوض والنقاش الداخلي.
يضاف إلى ذلك انخفاض التمثيل، من جانب السلطة الفلسطينية، مع تعدد الشواهد التي تؤكد تنصلها من كافة الاتفاقات السابقة وإفشالها، ففي حوار السنغال، أمر الرئيس محمود عباس مندوبه حكمت زيد أن ينسحب من التفاوض، وهو من ألغى تفاهمات صنعاء، فالحوار، في رؤية هذه الفصائل لابد فيه من وجود طرفي الأزمة وجهًا لوجه، وبمستوى تمثيل يتناسب مع أهمية الحوار وما يتمخض عنه من اتفاقيات.
|
هذا إلى جانب عدم تهيئة المناخات المناسبة لإجراء الحوار، واستمرار الحملات الأمنية ضد عناصر المقاومة في الضفة الغربية، خاصة المنتسبين لحركة حماس، وإغلاق المئات من المؤسسات المختلفة في مدن الضفة الغربية |
هذا إلى جانب عدم تهيئة المناخات المناسبة لإجراء الحوار، واستمرار الحملات الأمنية ضد عناصر المقاومة في الضفة الغربية، خاصة المنتسبين لحركة حماس، وإغلاق المئات من المؤسسات المختلفة في مدن الضفة الغربية، ورفض السلطة الفلسطينية في رام الله الاعتراف بوجود سجناء سياسيين، رغم مبادرة حماس بإطلاق السجناء السياسيين في غزة.
أما السلطة الفلسطينية فقد حدد الرئيس محمود عباس خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس الهدف من الحوار في القاهرة، بتشكيل حكومة تلتزم ببرنامج منظمة التحرير وتجري انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، ومع إدراكها صعوبة موافقة الفصائل على هذه الأطروحات، وعدم رغبتها في إغضاب الإدارة الأمريكية، وحكومة الاحتلال، فإن السلطة عمدت إلى تفخيخ الحوار بتصعيد حملتها ضد فصائل المقاومة في الضفة، وبتصدير المواقف المتصلبة والحادة، استباقًا للحوار، الذي لا ترى فيه فائدة لها في الوقت الحالي، مع رغبتها في استكشاف طبيعة الدور الأمريكي الجديد.
الأسباب التي تعود لطبيعة الدور المصري
كان يفترض في الدور المصري أن يكون على مسافة واحدة من الأطراف المحاورة، لكن الورقة التي طرحت ظهر منها تحيز إلى جانب مطالب السلطة الفلسطينية، ومطالب الرباعية الدولية وإهدار لغالب المطالب التي تتبناها الفصائل الفلسطينية.
كما أن الموقف المصري الرافض لفتح معبر رفح الحدودي، وضع عراقيل صعبة أمام محاولتها ورغبتها في لعب أدوار متوازنة، أو الظهور بالحيادية المطلوبة لإجراء مثل هذه المبادرات.
أضف إلى ذلك ضعف القدرة المصرية على الصعيد الإقليمي، لأسباب كثيرة، وهو ما أفقدها القدرة على ممارسة ضغوط سواء على السلطة الفلسطينية، أو على حركة حماس، أو حتى التلويح بها.
لقد تضافرت هذه المجموعة من الأسباب وأدت إلى فشل الحوار، وقد يكون بعضها أكثر تأثيرًا من بعض، ولكن عناد السلطة الفلسطينية، وارتهانها للمشروع الأمريكي ـ الصهيوني، إضافة إلى ما حوته الورقة من بنود ملغمة، كان لهما النصيب الأكبر في هذا الفشل.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"