
عصام زيدان
مفكرة الاسلام: بقدر ما يحمل المشهد في قطاع غزة من مآس على الصعيد الإنساني، جراء الحصار المفروض من قبل الاحتلال الإسرائيلي فإنه يحمل بين جنباته كذلك تناقضات متعددة على صعيد المشهد السياسي، وخاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الشرعيات المختلفة.
فإذا ما تأملنا في مجريات الحوادث السياسية في الفترة الأخيرة سنجدها على أصعدة متعددة حفلت بالعديد من المشاهد التي تفضح التناقض في معالجة الأوضاع في هذا القطاع الفلسطيني، سواء من قبل السلطة الفلسطينية نفسها، أو من خلال الأطراف التي دخلت كطرف وسيط في الأزمة، أو من خلال التجمعات العربية كتجمع وزراء الخارجية العرب الأخير الذي عقد في القاهرة.
سلطة رام الله والغرق في بحر التناقضات
|
سلطة رام الله تستجدى الجلوس على مائدة المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، وتهيئ الأوضاع المناسبة لإجراء هذا المفاوضات |
فعلى الصعيد الداخلي سنجد سلطة رام الله تستجدى الجلوس على مائدة المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، وتهيئ الأوضاع المناسبة لإجراء هذا المفاوضات، وهي على يقين جازم بأن الأفق مسدود وأنه لا أمل مطلقا في الحصول على أية مكاسب من قبل الجانب الإسرائيلي المتعنت.
فلم تسفر مفاوضات أوسلو، ولا مؤتمر أنابوليس، ولا تعهدات الرئيس الأمريكي جورج بوش بإقامة دولة فلسطينية خلال العام 2008 عن تحقيق شيء ملموس للقضية الفلسطينية، والسلطة تأبي مع هذه الشواهد كلها، إلا المسير في الطرق المغلق، وقد قدمت، وما زالت، تنازلات ضخمة على أكثر من صعيد، منها التخلي عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، ومحاولتها تجريد الشعب من السلاح، وتجريم المقاومة..ولم تحظ إلا بالوعود المكذوبة والأماني الخادعة..
هذا المشهد "السلس" إلى حد السيولة المطلقة، نجد في مقابلة تصلب في مواجهة الحوار مع حماس والفصائل الفلسطينية ، ووضع الاشتراطات المسبقة، واتخاذ الإجراءات التي من شأنها عرقلة الحوار، ونسفه من أساسه، من نحو الاستمرار في اعتقال كوادر المقاومة، ووصف الحكومة في غزة بالخروج عن الشرعية، والمساهمة في استمرار حملة التجويع والحصار على غزة.
|
السلطة تدعي لنفسها الشرعية الكاملة، وتطالب بفرض شرعيتها على الضفة والقطاع، وترفض في ذات الوقت الاعتراف بشرعية حكومة حماس المستمدة كذلك من الانتخابات الشعبية التي شهد الجميع بنزاهتها |
وثمة تناقض آخر لهذه السلطة التي تتخبط في ظلمة المفاوضات، حيث تذهب فتدعي لنفسها الشرعية الكاملة، وتطالب بفرض شرعيتها على الضفة والقطاع، وترى أن شرعيتها مستمدة من الانتخابات، ومن شرعية منظمة التحرير، ثم نراها وهي ترفض في ذات الوقت الاعتراف بشرعية حكومة حماس المستمدة كذلك من الانتخابات الشعبية التي شهد الجميع بنزاهتها.. فأي الشرعيتين أحق بأن تُحترم..شرعية الشعب الذي قال كلمته، أم شرعية تلك المنظمة التي فرضت نفسها دون اختيار من الشعب الفلسطيني، وباتت تفرض عليه خياراتها الانهزامية؟!
وإذا كانت السلطة بحق تحترم إرادة الشعب، وتطالب بان تذهب إليه كحكم في انتخابات مبكرة، فلماذا إذن القفز فوق إرادة هذا الشعب وتنصيب محمود عباس، الذي تنتهي ولايته الدستورية بعد أسابيع معدودة، رئيسا لفلسطين، دون الرجوع إلى رأي الشعب.
ويستمر تناقض سلطة رام الله حينما تنحاز إلى جانب الاحتلال في الحصار المضروب على قطاع غزة، ومحاولة خنق القطاع ومعاقبته على موقفه وعدم انقلابه على حكومة حماس المنتخبة، وهي السلطة التي تريد من الجميع في الضفة والقطاع التسليم بشرعيتها..فأنى لها ذلك؟!
العرب وحرب الشرعيات المتناقضة
|
الدول العربية تعاملت بداية بمعيارين مختلفين مع الحكومة في قطاع غزة والسلطة الفلسطينية في رام الله، وراحت تتشبث بما سمته "الشرعية الدولية" التي تركن إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وتتخذ موقفا معاندا "للشرعية الانتخابية" التي تستند إليها الحكومة في قطاع غزة |
وعلى الصعيد الإقليمي، سنجد أن الدول العربية وقعت في تناقضات لا تقل في حجمها وخطورتها، عما وقعت فيه السلطة الفلسطينية، فقد تعاملت بداية بمعيارين مختلفين مع الحكومة في قطاع غزة والسلطة الفلسطينية في رام الله، وراحت تتشبث بما سمته "الشرعية الدولية" التي تركن إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وتتخذ موقفا معاندا "للشرعية الانتخابية" التي تستند إليها الحكومة في قطاع غزة.
وهذه "الشرعية الدولية" راحت الدول الإقليمية كذلك تتعامل معها بصورة انتقائية، فهي مع الشرعية الدولية التي توافق الأهواء الغربية التي ترفض التعامل مع حكومة غزة فقط لكونها حكومة تتمسك بقدر من الثوابت الوطنية، وتعارض التفريط والتنازل المجاني للاحتلال لإنهاء القضية ودفنها.
|
الدول الإقليمية ما زالت تلوذ بالصمت المطبق على هذه الجريمة الإسرائيلية، بل ويشارك بعضها في هذا الحصار الظالم، وتعاقب شعبا بكامله |
وعلى الجانب الآخر، وبرغم مخالفة الحصار لكافة الشرائع والقوانين الدولية، وما يسمونه بالشرعية الدولية إلا أن هذه الدول الإقليمية ما زالت تلوذ بالصمت المطبق على هذه الجريمة الإسرائيلية، بل ويشارك بعضها في هذا الحصار الظالم، وتعاقب شعبا بكاملة، في مخالفة لكل معاني الشرعية وصورها التي يعرفها الإنسان المتحضر.
ولم يخل المشهد العربي بمجموعة، كذلك، من التناقض العجيب، وهو ما برز في صورة جلية في الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب بالقاهرة، فقد خلت أجندة الاجتماع من بحث الحصار والممارسات الإسرائيلية في غزة وسبل وقفها ومعاونة أهل القطاع في محنتهم، إلا ذرا للرماد في العيون، وأنصب الحديث على ما دار بخصوص الحوار بين الفصائل والسلطة الفلسطينية، وظهر جل الاهتمام بمحاولة إدانة حماس وإظهارها في صورة الفصيل المتمرد الخارج عن الشرعية، الساعي لزيادة الهوة، مع يقين هذه الأطراف بالمتسبب في هذا الفشل.
وهذا الموقف الإجمالي العربي الذي وقف عاجزا عن كسر الحصار، رافعا الصوت، مسارعا في إدانة حماس، ومحملا إياها المسئولية، يظهر متناقضا مع الصمت المطبق إزاء الموقف الإسرائيلي المتعنت الرافض للتجاوب مع المبادرات العربية للسلام..رافضا كسر الحصار عن غزة..رافضا إزالة الحواجز ووقف الملاحقات في الضفة..فأي الفريقين أحق بأن يسارع العرب في عقد اجتماع لإدانته وشيطنته أمام الرأي العام في الداخل والخارج؟!
|
القضاء المصري يصدر قرارا تاريخيا بمنع تصدير الغاز لإسرائيل، فيصادف قبولا وارتياحا من قبل الشارع، الذي يقوم بمظاهرات وفعاليات كثيرة من أجل فك الحصار عن القطاع وتصدير الوقود والغذاء وكل ما يحتاجه أهل غزة.. فتخالف الحكومة رأي الشارع والقضاء معا ويظل الحصار مضروبا على القطاع ويستمر الغاز إلى الاحتلال |
وحقيقة نجدها أن تناقضات المشهد لم تتوقف عند حد التعامل المعوج والانتقائي مع الشرعيات المختلقة.. بل امتد إلى جوانب أخرى متعددة، ولعل أبرزها وضوحا وتأثيرا ما أدركته العجوز الفلسطينية، وأعلنته مباشرة على فضائية الجزيرة (26/11) من تصدير مصر للغاز الطبيعي إلى الاحتلال الإسرائيلي ومنعه عن الأهل في قطاع غزة، بل وامتد المنع والحصار المصري إلى حد تقليل كمية الوقود في شمال سيناء ومنع تداوله في عبوات حتى لا يتسرب إلى المحتاجين والمعوذين في القطاع.
وعجبا نجد أن القضاء المصري يصدر قرارا تاريخيا بمنع تصدير الغاز لإسرائيل، فيصادف قبولا وارتياحا من قبل الشارع، الذي يقوم بمظاهرات وفعاليات كثيرة من أجل فك الحصار عن القطاع وتصدير الوقود والغذاء وكل ما يحتاجه أهل غزة.. فتخالف الحكومة رأي الشارع والقضاء معا ويظل الحصار مضروبا على القطاع ويستمر الغاز إلى الاحتلال، حاملا تناقضات المشهد العربي برمته..
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"