إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

الخلاف المصري ـ السوري والحسابات الدقيقة
الاحد 30 نوفمبر 2008

التحرير

 

مفكرة الاسلام: التلاسن الأخير بين مصر وسوريا ليس وليد اللحظة فمنذ الحرب التي شنها الكيان الصهيوني على لبنان إثر اختطاف حزب الله لجنديين "إسرائيليين" في جنوب لبنان، وهناك لهجة حادة بين الطرفين تتضح من خلال الحملات الإعلامية المتبادلة، وليس خافيا أن هناك خلافات في المواقف منذ فترة بعيدة حول عدة قضايا مختلفة كالوجود السوري في لبنان الداعم لحزب الله، والعلاقات مع طهران، إلا أن الدولتين حافظتا على استقرار العلاقات بينهما وهدوئها ضمن حسابات دقيقة، حرص عليها كلا من الرئيس مبارك والرئيس السوري السابق حافظ الأسد، بعيدا عن حرب التصريحات وتدخل الإعلام، لكن الانتقادات التي وجهها الرئيس بشار الأسد للدول التي انتقدت تهور حزب الله وحمّلته المسئولية عن الدمار الذي حاق بلبنان في الحرب الأخيرة، أظهر أن بشار يفتقد لخبرة والده بشأن إدارة هذا الملف ولا يعرف كيفية الحفاظ على هذه الحسابات الدقيقة، خصوصا وأن الواقع العربي لا ينقصه المزيد من الانشقاق.

أسباب الخلاف الأخير

جاء الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب في القاهرة والذي وجه فيه وزير الخارجية السوري انتقادات بشأن عدم حيادية الدور المصري في الخلاف الفلسطيني وهو ما أشعل الخلافات الإعلامية بين الدولتين من جديد

تصدت مصر في الفترة الأخيرة لمحاولات الشقاق في الصف الفلسطيني إثر الخلافات الحادة التي وقعت بين حركتي حماس وفتح، ودعت الفصائل الفلسطينية للحوار في القاهرة للاتفاق على ورقة عمل للفترة القادمة وذلك بعد توسطها في اتفاق تهدئة بين حماس والاحتلال الصهيوني في غزة .

 وكان هناك تحفظا من حركة حماس على بعض النقاط في ورقة المبادئ، كما طالبت الحركة بالإفراج عن معتقليها في سجون فتح والذين بلغ عددهم أكثر من 600 شخص .

وحرص الموقف الرسمي للحكومة المصرية أن يكون متوازنا بين المطالب الدولية الضاغطة علي القضية وبين سعيه لجمع شمل الفرقاء الأمر الذي اعتبرته حركة حماس في لحظة ما مخالفا لما تريدة وتأمله في هذا الملف ، إلا أن حماس حرصت دوما على الإشادة بالجهد المصري في محاولة تقريب وجهات النظر بين الفريقين، لكن حركة حماس رأت في الوقت نفسه أن حركة فتح لم تتخذ الخطوات المطلوبة لإنجاح الحوار فاعتذرت عنه وقامت القاهرة بإعلان تأجيله لإعطاء فرصة أخرى للوصول إلى تفاهم، ثم جاء الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب في القاهرة والذي وجه فيه وزير الخارجية السوري انتقادات بشأن عدم حيادية الدور المصري في الخلاف الفلسطيني وهو ما أشعل الخلافات الإعلامية بين الدولتين من جديد.

إشكالية الموقف السوري  

دمشق تتحرك بناء على مصلحتها أو بالأدق بناء على المصلحة التي يراها حكامها

قد يرى البعض أن الموقف السوري الأخير له ما يبرره وأنها تقف بجانب المقاومة الفلسطينية ممثلة في حركة حماس، والحقيقة أن دمشق تتحرك بناء على مصلحتها أو بالأدق بناء على المصلحة التي يراها حكامها؛ منذ أن أيدت طهران في حربها مع العراق خلافا لبقية الدول العربية في وقت رأت فيه هذه الدول العربية السنية الخطر الشيعي يطل برأسه منذرا بعواقب وخيمة على المنطقة وهو ما تحقق بعد ذلك جليا في الدور الذي تلعبه إيران في العراق ولبنان واليمن والبحرين في الوقت الحالي .

 ثم استمر الموقف السوري يثير التساؤلات حول إصراره على البقاء العسكري والاستخباري في لبنان ودعمه للحركات الشيعية كحركة أمل وحزب الله على حساب الطائفة السنية التي تسكن غالبيتها قرب الحدود مع سوريا، كما أن علاقة دمشق مع طهران ما زالت تشكل حجر عثرة في علاقتها مع بقية الدول العربية وعلى رأسها مصر التي ترى أن النفوذ الإيراني يعمل لحسابه وعلى حساب الأمن الإستراتيجي العربي وتدلل على ذلك بالهجمة الشيعية التي تشهدها عدة دول عربية بدعم من طهران..

دمشق لها حساباتها الشخصية بغض النظر عن المصلحة العامة لبقية الدول العربية على الرغم من رفعها راية "القومية والعروبة" في كافة المحافل

المتأمل في الموقف السوري من مواضع الخلاف يجد أن دمشق لها حساباتها الشخصية بغض النظر عن المصلحة العامة لبقية الدول العربية على الرغم من رفعها راية "القومية والعروبة" في كافة المحافل، أما بالنسبة للموقف من حركات المقاومة الفلسطينية فهو موقف يعتمد على استخدام أوراق ضغط لملاعبة واشنطن والكيان الصهيوني؛ فسوريا لم تحرك ساكنا منذ عشرات السنين لتحرير الجولان رغم الضربات الصهيونية لأراضيها ولأراضي لبنان عندما كانت تنشر قواتها هناك بدعوى حمايتها؛ لذا من الصعب التصديق أن موقفها من المقاومة الفلسطينية نابع من مبدأ أو عقيدة.

الموقف المصري

تصعيد الخلاف الإعلامي في هذا الوقت ليس في مصلحة الفلسطينيين المحاصرين والذين أصبحوا على شفا موت محقق

رغم الكثير من التحفظات التي يمكن أن نبديها حيال الموقف المصري من حماس ومن الأوضاع في غزة والحصار المفروض عليها، إلا أن تصعيد الخلاف الإعلامي في هذا الوقت ليس في مصلحة الفلسطينيين المحاصرين والذين أصبحوا على شفا موت محقق، وقد تثمر الضغوط الشعبية والسياسية عن حلحلة الوضع عن قريب، لكن من المؤكد أن المزايدات لن تؤتي ثمارها بل قد تزيد الموقف سوء؛ وهو المنحى الذي تسلكه حركة حماس في تعاملها مع الملف محاولة الحفاظ على روابط جيدة مع الوسيط المصري رغم خلافها معه على عدة أمور جوهرية، ولعلها ترى أيضا أنه الأقرب في الظروف الحالية لتحقيق قفزة ما خارج الأسوار المقيدة لحريتها، في حين أن دمشق أبعد ما تكون عن لعب مثل هذا الدور لانشغالها بملفاتها الخاصة المتعلقة بدورها في لبنان ومباحثاتها مع "إسرائيل"، وعلاقتها بواشنطن. 

 تأثير الموقفيْن على القضية الفلسطينية

الخلاف العربي في التعامل مع القضية ومحاولة كل دولة استقطاب أحد أطراف المعادلة يصب في النهاية في مصلحة الاحتلال

منذ الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية قبل ستين عاما والقضية هي الشغل الشاغل للشعوب العربية والإسلامية، لما لفلسطين من مكانة خاصة في النفوس لوجود المسجد الأقصى الذي بارك الله تعالى حوله فيها، وقد استغلت بعض الأنظمة هذا الشعور الوجداني العميق لدغدغة مشاعر الجماهير عبر تصريحات وشعارت تبين بمرور السنين أنها لم تكن تعبر عن إرادة حقيقية لدعم القضية بل لدعم هذه الأنظمة أمام شعوبها ولكسب المزيد من التعاطف في المحيطين العربي والإسلامي، وقد أدى ذلك إلى شعور عام بالإحباط في نفوس الشعب الفلسطيني وصعود بعض القيادات الفلسطينية التي تتميز بالانتهازية والحرص على المصالح الحزبية والشخصية الضيقة، وقد أبانت الأحداث الأخيرة في غزة ـ التي حاول فيها فريق من فتح القيام باجتثاث لعناصر حركة حماس ـ عددا من هذه القيادات....

وقد أثبتت التجربة كذلك أن الخلاف العربي في التعامل مع القضية ومحاولة كل دولة استقطاب أحد أطراف المعادلة يصب في النهاية في مصلحة الاحتلال؛ لذا ليس هناك وقت أدعى للاتفاق بين الأنظمة العربية لدعم الحق الفلسطيني من هذا الوقت الذي تمر فيه القضية بمنعطف تاريخي وسط أحداث ضخمة تهز المنطقة ومحاولات لإعادة ترتيب مراكز القوى فيها وفق حسابات قد لاتخدم القضية الفلسطينية. وتبادل الاتهامات المشاهد على الساحة الآن سيعيق محاولات المصالحة وسينمي تمسك كل طرف برأيه حتى ولو لم يكن في الصالح العام. لقد حان الوقت لإخراج الشعب الأسير من لعبة التوازنات والمصالح والتفكير الجاد في كيفية إخراجه من أزمته الحالية التي أوشكت أن تقضي على معظمه.

 





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق