
أحمد عمرو
مفكرة الاسلام: دولة إسلامية وعربية أكبر الدول الإفريقية مساحة والعاشرة عالميًا، تمتاز بعمقها الإفريقي وتنوع مناخها وقربها من منابع النيل وروافده، لديها أخصب الأراضي الزراعية، أضف إلى ذلك اكتشاف البترول بأراضيها، إذًا فإن مقومات محو تلك الدولة عن الوجود قد اكتملت.
هذه هي دولة السودان التي يعد لها الغرب رصاصة الرحمة التي ستخرج هذه المرة من فوهة بندقية المحكمة الجنائية الدولية.
فقد نقلت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" عن مسئول أمريكي، طلب عدم الكشف عن هويته، القول: "إنهم (إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما) سوف يستخدمون مذكرة التوقيف وكأنهم يحملون بندقية ضد نظام البشير، ولكن ليس لإطلاق النار عليه"، معتبرًا أن "هذه ستكون طريقتنا للقول له: هذه هي فرصتك الأخيرة".
جدارة المحكمة الجنائية الدولية وقوتها القانونية:
لا شك أن تداعيات قرار المحكمة الجنائية الدولية يأخذنا إلى النظر إلى مدى قوة المحكمة وما هي سلطتها الفعلية وهل لدى القرار بالنظر إلى شقه القانوني فقط هذا التأثير الكبير المتوقع؟
فمن الجهة القانونية ليس للمحكمة الجنائية الدولية قوة تنفيذية لتقوم بتنفيذ هذا القرار إذا ما صدر، وإنما تعتمد المحكمة في تنفيذ أحكامها على تعاون الدول الأعضاء، فيمكن للمحكمة أن تقوم بالتوجه إلى مجلس الأمن لمحاولة استصدار قرار بالتوقيف أو الاعتقال، لا سيما وأن مجلس الأمن هو الذي أحال القضية إلى المحكمة، وفي هذه الحالة يملك مجلس الأمن أحد خيارين:
ـ الخيار الأول: التجميد ويتم عبر تفعيل المادة 16 من ميثاق روما والتي تعطي لمجلس الأمن الحق في إيقاف تحركات المحكمة تجاه السودان لمدة عام قابل للتجديد بدون حد أقصى لمرات هذا التجديد.
ـ الخيار الثاني: إصدار أمر القبض بموجب الفصل السابع، في هذه الحالة فقط يكون لمجلس الأمن الحق أن يطلب من الدول أو أن يُكون هو قوة لإنفاذ أمر القبض.
ومن الممكن أيضًا أن تلجأ المحكمة إلى استعمال أساليب غير قانونية كأعمال القرصنة التي خطط لها أوكامبو مع بعض الدول الغربية لاختطاف طائرة أحمد هارون كما ذكرت الناطقة باسم المحكمة الجنائية الدولية من قبل.
فالقرار من ناحية قانونية ليست له قيمة كبيرة ولا يعني السودان كثيرًا، وذلك لأن السودان أصلاً ليس عضوًا في المحكمة الجنائية، وسوف تكون خطورة القرار إذا صدر من مجلس الأمن، مع الأخذ في الحسبان وجود أعضاء في مجلس الأمن معارضين لقرار المحكمة مثل الصين والاتحاد السوفيتي. ومع أن القرار من الجهة القانونية غير قوي إلا أنه يضع كما أشارت (لوس أنجلوس تايم) البندقية في يد الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن تبقى القيمة السياسية لهذا القرار، وتداعياته الداخلية والإقليمية.
دوافع التحرك الغربي ضد السودان:
يمكن التنبؤ بدوافع التحرك الغربي تجاه السودان دون كبير جهد، فخلاصة التحركات الغربية ضد السودان تصب في إجبار الحكومة السودانية على قبول تسوية سياسية تجعل ولايات دارفور الثلاث إقليمًا واحدًا بحكومة إقليمية على غرار جنوب السودان.
وأن تعطى صلاحيات هائلة لهذه الحكومة تغل يد الحكومة القومية في الخرطوم، وتضع مقدرات الإقليم في يد العناصر التي يتم تحضيرها الآن، والتي أصبح بعضها أداة علنية في يد الموساد الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات الغربية.
فقد أعلن عبد الواحد نور زعيم حركة تحرير السودان على فضائية الجزيرة أنه زار إسرائيل وبرر ذلك بأنه كان يتفقد الجالية الدارفورية هناك.
وذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية على موقعها الإلكتروني أن عبد الواحد محمد نور التقى أثناء زيارته لإسرائيل برئيس مكتب الأمن السياسي في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد إلا أنه لم يلتق بمسئولين من وزارة الخارجية لأن زيارته ليست رسمية.
ـ وقد يتم وضع آليات أخرى في هذه التسوية على غرار ما حدث في اتفاقية نيفاشا لاستدراج تداعيات مماثلة في كردفان والشرق وأقصي شمال السودان.
الأمر الذي يعني أن المستهدف هو سيناريو التجزئة من الداخل لكل السودان كمرحلة انتقالية، قد يعقبها الفصل الكامل لإقليم دارفور فيما بعد، مع إمكانية تكرار السيناريو في أقاليم أخرى. وهذا يعني إنهاء وجود السودان كدولة بوضعها وحدودها الحالية، لأنه أكبر من أن يتم السماح له بالبقاء كدولة موحدة قادرة على التماسك وانتهاج سياسة تنموية فاعلة.
التداعيات الداخلية:
في حالة صدور قرار الاتهام، فإنه من المتوقع أن يحدث ذلك وقعًا مدويًا في الساحة الداخلية السودانية:
ـ فعلى صعيد الحركات المسلحة في دارفور وحركات التمرد عمومًا سوف يدفع قرار المحكمة تلك الحركات إلى مزيد من التعنت ورفع سقف مطالبها، كما قد يدفعها إلى نشاط عسكري محموم استعجالاً للنتائج.
ـ كذلك من المتوقع أن تظهر حركات تمرد جديدة في الشرق أو في إقليم كردفان سعيًا من بعض الجهات للحصول على نصيب من الكعكة التي ستصبح في حكم المباحة.
ـ وعلى صعيد الاتفاقات الموقعة مع الجنوب فمن المتوقع أن تسطير حالة من التوتر والتحفز بين الحكومة والشركاء الجنوبيين في الحكم تهيئ إلى إلغاء أو وقف العمل باتفاقية نيفاشا، ومن ثم اللجوء مباشرة إلى برلمان الجنوب لإعلان الانفصال التام دون الحاجة إلى استفتاء تقرير المصير.
ـ ويتوقع أن تسحب الأمم المتحدة وقواتها، أو تبقى في وضع غير آمن، وكلا الأمرين سيشكل عبئًا على السودان فوجود القوات الدولية يدفع دائمًا إلى اتهام الحكومة بانتهاك حقوق الإنسان كما للقوات الدولية الصلاحية للتحرك للقبض على البشير إن طلب منها ذلك. وانسحابها يفتح الباب أمام فوضى لا أحد يعلم حدودها.
تداعيات قرار المحكمة إقليميًا:
في هذا السياق يجب الانتباه إلى المخاطر التي تحتملها هذه التطورات وأن تداعيات هذا القرار ستحلق عددًا من الدول الإقليمية ومن أكثر الدول التي ستتأثر إقليميًا مصر، فإن الفوضى التي ستحل بجنوبها سوف تؤثر في منطقة واسعة تشمل منطقتي القرن الإفريقي وإقليم البحيرات العظمى، وهذا يعني إعادة صياغة التوازنات في هذه المنطقة خصمًا على مصر، وسيؤدي ذلك إلى فتح الباب على مصراعيه أمام الولايات المتحدة وإسرائيل واستخدام الأوضاع المستجدة في تضييق الخناق على مصر وفرض إملاءات معينة عليها.
ـ كذلك فإن تعقيدات كبيرة من المتوقع أن تظهر في ملف المياه في ظل هذا الوضع. وسوف يقطع ذلك الطريق على أي مسار جديد للنهوض بالتعاون مع السودان ودول حوض النيل.
ـ بالإضافة إلى تعاظم دور عدد من الدول الإفريقية المحيطة بالسودان مثل إثيوبيا بما لها من دور تاريخي في العداء مع المسلمين في منطقة القرن الإفريقي، هذا سيلقي بظلاله على الصومال وإريتريا وبقية الدول في المنطقة.
كيف يمكن للسودان أن يتعامل مع هذه القضية؟
هناك مجموعة من السياسات من الممكن أن تنتهجها السودان خارجيًا وداخليًا قد يخفف من الآثار الجانبية وتداعيات هذا القرار
فخارجيًا تستطيع السودان أن تقوم بالآتي:
أولاً: أن تبتعد السودان عن ردود الأفعال وأن يتم وضح خطة هادئة تبدأ بالشق الخارجي ويتم إبلاغ الخطة للدول الصديقة والمعنية وأن يتم أخذ ملاحظاتها في الاعتبار.
وأن تستعين بدعم عدد من الدول مثل مجموعة دول جنوب أمريكا وخاصة فنزويلا ودول الجوار مثل إريتريا وكينيا وأوغندا.
ثانيًا: وقف الحركة الإعلامية والكلامية مع تشاد ومحاولة إنهاء الخلافات بينها وبين السودان.
ثالثًا: الإبقاء على التعامل مع الاتحاد الإفريقي وخاصة مع القوات الهجين مع تقوية التعامل مع الاتحاد الإفريقي .
أما داخليًا فهناك مجموعة من الإجراءات:
أولاً: تعبئة الشعب السوداني وتهيئة لمواجهة الهجمة الشرسة لمحاولة تفتيته وتجييشه ضد وقف المطامح الدولية لحصاره وإلغاء وجوده.
ثانيًا: تهدئة الأطراف الداخلية أن ما تم توقعيه من اتفاقات أو معاهدات لن يتم إلغائها أو التخلي عنها.
ثالثًا: قيام السلطة في السودان بترسيخ الأمن في السودان والقضاء على قطاع الطرق والمرتزقة.
وربما يكون صدور قرار بتوقيف الرئيس البشير قد أسدى خدمة للسودان لإيقاف سلسلة التنازلات التي ليس لها سقف ويعطي السودان فرصته للاستقواء بالداخل والمحيط الإقليمي والدولي الناشئ في وجه الهيمنة الغربية.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"