
حسن الرشيدي
مفكرة الاسلام: يندرج النظام السياسي السوداني في نموذج مجموعة تعرف بالنظم السياسية العربية وهذا النموذج متعدد الأنماط والخصائص فبينما قسمه بعضهم إلى نظم معتدلة ونظم متطرفة قسمه آخرون إلى نظم ثورية وأخرى تقليدية بينما قسمه آخرون إلى نظم فاشلة وأخرى متكيفة. ومن الواضح أن أكثر هذه الأنماط تعبر عن أجنــدة سياسيــة أو خلفيات أيديولوجية لقائليها وتبقى الإشكالية في إيجاد أدوات للتحليل يمكن من خلالها فهم الأدوار السياسية للنظام السوداني .
لذلك في البداية لابد من تقسيم أنماط النظم العربية حسب نظرتها إلى طبيعة الصراع الدولي و التعامل مع القوى العالمية في النظام الدولي إلى ثلاثة رئيسية :
النمط الأول : هي النظم التي تطلق على نفسها النظم الواقعية العقلانية و التي يسميها البعض بالدول المعتدلة و يتهمها آخرون بالعمالة و التواطؤ و خذلان الشعوب وخيانة قضايا الأمة وغير ذلك من الخطب العاطفية المشهورة، ويرجع ذلك إلى حالة من الاستسهال في التفكير بدلا من شحذ العقول وبذل الجهد و استفراغ الطاقة في تتبع الحقائق بتفصيلاتها وردها إلى أصولها الكلية؛ فالسياسة أيضا علم ومعرفة الواقع منهج له قواعده وكلياته وقوانينه.
فهذه النوعية من النظم تتعامل مع القوى الكبرى ليس بمنطق المناطحة و الصراع و الندية و لكن بمفهوم انحني للعاصفة و دعها تمر و يقول منظري هذه النظم ماذا فعلت النظم الأخرى و التي تحدت القوى الكبرى و لم تراعي منطلق النظام الدولي و موازين القوى بداخله و النظام العراقي بزعامة صدام حسين كان النموذج الواضح في هذا المضمار فلم يسقط نظامه فقط و لكن انهارت الدولة العراقية ككل و عندما يوجه النقد لهذه الدول أي النظم المعتدلة بأنها أنظمة يتعشش فيها الفساد و لم تشهد أي تنمية في أي مجال بل تراجعت اجتماعيا و اقتصاديا و إعلاميا و في جميع المجالات و يضرب منظرو هذه النظام مثالا بنظام برويز مشرف فهذا النظام استطاع ببراجماتيته و عقلانيته على حد وصفهم اجتياز أزمة الحادي عشر من سبتمبر عبر تخليه عن طالبان و استطاع أن يحافظ على ترسانته النووية بل حتى الحفاظ على قيادات طالبان و القاعدة حتى تمر العاصفة و قد ضغطت الولايات المتحدة لتغيير رأس النظام و هو برويز مشرف و لكن نظامه لازال موجودا برغم الضغوط الهائلة عليه لتغييره و لعل أبرز مثال للنظم العربية العقلانية هو النظام المصري فامتثاله للضغوط الأمريكية - الصهيونية في إغلاق معبر رفح يعبر عن هذا التوجه.
النوع الثاني من أنماط النظام العربية و هي النظم التي يطلق عليها الغرب النظم المتطرفة أو الفاشلة أو الثورية و كان يمثلها حتى وقت قريب النظامين العراقي و الليبي فأما العراقي فمعلوم مصيره و ما انتهى إليه و هذا المصير دفع نظيره الليبي إلى تسليم أوراقه مجانا للولايات المتحدة ليتوافق مع النظام العالمي و موازين القوى كما يراها و انتهى به الحال إلى أن أصبح قريب الشبه بالنمط الأول الذي فصلناه سابقا و هو النمط العقلاني .
النوع الثالث من النظم العربية و هو نظم الممانعة و يمثلها بوضوح تام النظام السوري فهذا النموذج تبنى خطابا معاديا للوجود اليهودي في فلسطين مشجعا وداعما للمقاومة ومظهــرا نفسه أمام الجميع - وخاصة الشعوب العربية و الإسلامية - بأنه قائد خط المقاومة في الستينيات والسبعينيات و الذي تحول إلى مسمى الصمود والتصدي في الثمانينيات ثم إلى الممانعة في العهد الأخير على يد نظام آل الأسد. وفي الحقيقة فإن هذا النموذج قد استغل القضية الفلسطينية في دغدغة مشاعر الجماهير العربية والإسلامية وكسب ثقتها، وهو قد لعب في الخفاء ليكون حاجة غربية يهودية قبل أن يكون قائدا لبلاده و شعبه باحثا عن أمنها القومي و مصالحها العليا .
كما استغل هذا النموذج القضية الفلسطينية كورقة مع غيرها من الأوراق لتكون سبيله للمساومة على مائدة المفاوضات و المباحثات مع القوى الإقليمية والدولية لتعزيز مكانته الإقليمية و الداخلية .
و يبقى السؤال أين يصنف النظام السوداني في هذه النماذج من النظم العربية ؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من تتبع تاريخ نشأة النظام السوداني الحالي و ميوله الفكرية و سلوكه السياسي :
في عام 1989 قام الرئيس عمر البشير بانقلاب على حكومة الصادق المهدي الديمقراطية و التي عجزت عن لجم و وقف انتصارات الحركة الشعبية بزعامة جون جارانج و التي سقط في أيديها حينئذ قسم كبير من الجنوب السوداني و باتت طلائعها تهدد حتى العاصمة السودانية فانتهزت مجموعة الضباط الموالية لحسن الترابي الزعيم المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين الفرصة لتقوم بانقلابها و أدخلت الزعماء السياسيين جميعهم المعتقلات بما فيهم الترابي نفسه تمويها و مداراة لمشروعهم الإسلامي و استطاع البشير و الضبط الذين معهم و بمساندة الإسلاميين في السودان وقف زحف حركة جارانج العسكرية و استطاعوا محاصرتها في الغابات و أحراش الجنوب حتى بات جارانج لا يسيطر إلا على هذه المساحات من الأرض بعيدا عن المدن و لكن في ظل هذه النجاحات العسكرية عانى النظام الجديد الفتي مؤامرات داخلية و خارجية فضلا عن تضاؤل الخبرة السياسية لدى الجبهة القومية الإسلامية بزعامة الترابي و اللاعب الحقيقي الوحيد لسياسة النظام في السودان حينئذ و سلحت القوى الإقليمية المعارضة الشمالية في السودان و أحكمت هذه الدول حصارها و هي اريتريا و أثيوبيا و تشاد و غيرها من الدول حتى أن الدول العربية المحيطة بهذا البلد و هي مصر و ليبيا قد توجست ريبة من مشروع النظام الإسلامي و اشتد التوتر بين البلدين بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا عام 1995 حين اتهم النظام المصري نظيره السوداني بتسهيل مرور المجموعات الإسلامية المسلحة و التي اتهمت بالتخطيط و تنفيذ محاولة الاغتيال و بالنسبة للقوى الدولية ازدادت مخاوفها بعد مرور أسامة بن لادن و مجموعة القاعدة على السودان قبل ذهابهم إلى أفغانستان و مع بدء توجيه القاعدة لضرباتها ضد المصالح الأمريكية في العالم ضربت الولايات المتحدة ضربات صاروخية ضد أهداف سودانية لمصنع زعمت أنه ينتج أسلحة كيماوية و هو في حقيقته مصنع للأدوية و قد حاول النظام ببراجماتية عالية الخروج من هذا المستنقع و الحصار و الحروب الأهلية و الداخلية و أخذ في تعديل صيغته الإسلامية الظاهرة ليبدو أكثر توافقا مع محيطه الداخلي و الخارجي و ساعدته في ذلك جذوره الفكرية و انتماءه إلى مدرسة الترابي التي هي أصلا قائمة على هذا الفكر حتى أن المظاهر الإسلامية للدولة اختفت إلا قليلا و كانت حجتهم أن النظام لم يصل بعد إلى مرحلة التمكين التي تمكنه من تطبيق الشرعية بكلياتها و جزئياتها و بالرغم من الشقاق الذي دب في جبهة الترابي بين التلامذة و الشيخ حيث انقسم هؤلاء إلى فريقين فريق يؤيد البشير و مجموعة الضباط و فريق ظل على ولائه للترابي و لكن مجموعة البشير المسيطرة نجحت في كسب مصداقية كبيرة داخل الانتماءات المتعددة للإسلاميين نظرا لصدقها و إخلاصها بينما انزوت مجموعة الترابي و التي اتبعت شيخها نتيجة لعدم تجردها حتى أنه في الموقف الأخير وقفت تؤيد تسليم البشير لنفسه للمحكمة الدولية .
و برغم النجاح الذي أحرزه البشير على كثير من الصعد السياسية في المصالحة مع الحركة الشعبية في جنوب السودان و استمالة القوى السياسية و إنهاء التمرد المسلح في شمال السودان و تصاعد الخلافات و الحروب بين جيرانه مما أدى إلى فك الحصار عنه إلا أن ظهور النفط و تدفقه بكميات واعدة جعلت الأطماع الدولية تتجه إليه من جديد فماذا فعل النظام للمواجهة هذه الأخطار ؟ و ما تقييم أداء النظام و الذي أدى إلى ما وصل عليه الحال الآن ؟ هذا ما سنتناوله في حلقة قادمة بإذن الله .
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"