إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

أوباما في الشرق الأوسط .. التنويم المغناطيسي للتطبيع مع "إسرائيل"
الثلاثاء 02 يونيو 2009

إعداد أحمد عباس

 

مفكرة الإسلام: بالتزامن مع الزيارة المرتقبة التي يعتزم الرئيس الأمريكي باراك أوباما القيام بها إلى منطقة الشرق الأوسط واعتزامه إلقاء خطاب موجه إلى العالم الإسلامي من العاصمة المصرية القاهرة، رصد المحللون بعض الإشارات عن احتمال وجود لهجة جديدة لواشنطن في التعامل مع القضايا الرئيسية في المنطقة وعلى رأسها التهديد الذي تمثله "إسرائيل".

ولمحاولة اجتذاب شعوب العالم الإسلامي يتوقع أن يتحدث أوباما في خطابه عن عدم نية إدارته في تجاهل الاختلافات الجوهرية بين الثقافات الخاصة بكل شعب من شعوب المنطقة، وأن واشنطن لن تعمل على فرض قيمها الثقافية على الدول الأخرى.

وسيسعى أوباما للتأكيد على وجود خطر ما سيهدد الولايات المتحدة لو استمرت في الجهود التي بدأتها حكومات أمريكية سابقة وتتعلق بفرض قيم معينة حتى لو كانت تتعلق بالديمقراطية أو الحريات أو الحقوق الفردية على شعوب دول أخرى لها تاريخ مختلف وخصوصية ثقافية مختلفة.

علاقات جديدة مع "إسرائيل" تخدم مصالح الطرفين بالمنطقة

لكن الأهم هو ما صدر عن الرئيس باراك أوباما في الفترة الأخيرة من وعود بأنه ينوي صياغة علاقات جديدة مع "إسرائيل" اعتبارًا من جولته القادمة في الشرق الأوسط، على الرغم من حقيقة أن الأهداف الإستراتيجية الرئيسة لكل من واشنطن وتل أبيب لن يمكن المساس بها لأنها مرتبطة بطبيعة الدولتين وجذور العلاقات المشتركة بينهما.

ومن الواضح أن الرئيس أوباما الذي أعلن ولازال يؤكد في العديد من المناسبات التزامه المطلق بأمن دولة "إسرائيل" وضمان تفوقها العسكري المستمر على جيرانها من الدول العربية، لا يريد أن يغمض عينيه في الوقت نفسه عن خطورة الممارسات التي تقوم بها "إسرائيل" في المنطقة وتأثيرها على العلاقات الإستراتيجية المهمة التي تربط الدول العربية والإسلامية بالولايات المتحدة.

وحذر أوباما من أن الضوء الأخضر الأمريكي لكل التحركات والمواقف "الإسرائيلية" لن يستمر خلال فترة حكم إدارته بنفس الوتيرة التي حدثت خلال حكم الإدارات الأمريكية صلبة، معتبرًا أن هذا سيضر بالأهداف الكبرى المشتركة للطرفين.

ويتحرك أوباما في هذا الاتجاه انطلاقًا من شعور حقيقي بالصداقة والولاء لدولة "إسرائيل"، حيث يقول بصورة غير مباشرة إن واشنطن عيها أن تمارس دور الوصاية على السياسات "الإسرائيلية" لخدمة "إسرائيل" في نهاية المطاف ومنعها من التمادي في سياسات معينة قد تؤدي لعواقب لا تحمد عقباها.

وأعرب أوباما عن استيائه من الأصوات التي تدعو إلى موافقة السياسات "الإسرائيلية" حتى لو كانت تسير بالمنطقة نحو أوضاع سلبية وتضر بشكل كبير ليس فقط بمصالح "إسرائيل" في المنطقة وإنما بالمصالح الأمريكية كذلك.

وقد تكون الزيارة القادمة التي يقوم بها أوباما إلى المنطقة هي بداية التغير الحقيقي في أسلوب تعاطي الإدارة الأمريكية مع الأوضاع في المنطقة، والتركيز على أسلوب العمل الدبلوماسي الجاد والذي كانت الإدارة الأمريكية السابقة قد همشته إلى أبعد حد ممكن بتركيزها على الخيارين العسكري والأمني حتى في التعامل مع القضايا ذات الطابع الدبلوماسي.

ويرجع المحللون رفض إدارة بوش السابقة تبني المنهج الدبلوماسي في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط إلى القرار الذي اتخذته هذه الإدارة بصورة ضمنية بمباركة كل سياسات "إسرائيل" ودعمها بغض النظر عن تداعياتها وتأثيرتها على المدى القريب والبعيد.

المنهج الدبلوماسي لإدارة أوباما والتغطية على سياسات "إسرائيل"

ويرى الرئيس أوباما أنه لا يريد التخلي عن أدواته الدبلوماسية في التعاطي مع قضايا الشرق الأوسط حتى وإن اضطره ذلك إلى توجيه بعض الانتقادات للسياسات التي تتبعها "إسرائيل" في المنطقة، لكن هذا سيستلزم منه أن يؤكد بالأدلة القاطعة كل فترة التزامه المطلق بأمن "إسرائيل" وتفوقها الدبلوماسي.

وتجيء زيارة أوباما لمصر وعزمه على الإدلاء بخطاب يحاول تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي بعد أن تضررت تمامًا بفعل الحرب على الإسلاميين باسم "مكافحة الإرهاب" وكذلك غزو العراق وأفغانستان، تجيء هذه الزيارة بعد انتقادات صريحة وجهها الرئيس الأمريكي لاستمرار بناء المغتصبات من جانب حكومة "إسرائيل".

وترفض حكومة رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو دعوات الإدارة الأمريكية المتكررة بالتوقف عن توسيع المغتصبات في الضفة الغربية، كما أنها لم تلتزم علانية حتى الآن بقبول حل إقامة دولتين.

من هنا يمكن رؤية زيارة أوباما إلى مصر في سياقها الطبيعي فالوسيط الأمريكي يريد أن يمارس دورًا في تهدئة مخاوف الدول العربية من نوايا "إسرائيل" ويوجه الدعوات والمناشدات لحكومة "إسرائيل" من أجل إبداء مرونة ورغبة في تحقيق السلام، حتى لو استمر التعنت "الإسرائيلي" والرفض لكل هذه الدعوات.

ويتخوف المراقبون من أن ينجح الرئيس أوباما بالفعل في إحداث حالة من التنويم المغناطيسي أو فقدان الوعي لشعوب المنطقة العربية بينما تواصل الحكومة "الإسرائيلية" سياساتها العدوانية في الأراضي المحتلة في ظل رفضها لحق العودة وإصرارها على تصعيد وتيرة تهويد القدس وزيادة رقعة المغتصبات والإحاطة الكاملة بالمسجد الأقصى تمهيدًا للانقضاض عليه.

الكلمات المعسولة التي صدرت على لسان الرئيس الأمريكي والتي ستزداد قوة بعد خطابه المرتقب للعالم الإسلامي ودعواته لحكومة "إسرائيل" من أجل الدخول في مفاوضات جادة لإحلال السلام بالشرق الأوسط، ستكون مصحوبة بتحذيرات من خطورة تصعيد التوتر في المنطقة على أمن "إسرائيل" والمصالح الأمريكية.

كما ينوي الرئيس الأمريكي أن يؤكد لـ"إسرائيل" أنه في غياب التفاوض مع الجانب الفلسطيني فإن التهديدات المحدقة بـ"إسرائيل" ستتفاقم وستستمر الأزمات التي تحيط بها.

توازن القوى داخل أمريكا يمنع أي ضغط فعلي على تل أبيب

ويشير المراقبون إلى أنه حتى لو كان الرئيس الأمريكي راغبًا في ممارسة ضغط دبلوماسي معين على "إسرائيل" لمحاولة تأمينها في النهاية وضمان مصالحها الكبرى وإبعاد شبح التهديدات عنها، فإن العديد من القوى الحقيقية داخل الكونجرس لن تسمح له بأن يتخطى هذا الضغط الدبلوماسي درجة معينة.

وتقول عضو الكونجرس عن الحزب الديمقراطي شيلي بيركلي: "نحن عندما نضغط على إسرائيل دبلوماسيًا فإننا نركز اهتمامنا في الاتجه الخطأ لأن الأولى بالولايات المتحدة أن تزيد ضغطها على إيران ومنعها من الطموح النووي والضغط كذلك على الحكومات العربية في الشرق الأوسط التي تصر على انتهاك حقوق الإنسان".

وبدأت بالفعل أصوات تتعالى من داخل الكونجرس لتغيير مفهوم "المستوطنة" وإعادة تعريفها لحمل إدارة أوباما على وقف ضغطها على تل أبيب فيما يتعلق بقضية توسيع المغتصبات، بينما تدعو أصوات أخرى إلى أن يدرك أوباما أهمية عدم التضييق الجدي على "إسرائيل" لتتمكن من فرض كل ما تريد فرضه على أرض الواقع قبل تنفيذ حل الدولتين إن كانت الظروف ستسمح لهذا الحل بأن يرى النور.

ورغم هذه الضغوط وغيرها تؤمن إدارة أوباما بأن توجيه انتقادات لـ"إسرائيل" حتى وإن كانت مجرد كلمات خالية من أي تحذير حقيقي قد تؤدي بالدول العربية إلى أن تشعر بحالة من الأمان والرضا عن الجانب الأمريكي وهو ما يخدم مصالح واشنطن في المنطقة في المرحلة المقبلة.

ومن أجل استمرار نجاح هذا السيناريو لن تمتنع تل أبيب عن إبداء دهشتها واستيائها من الانتقادات الموجهة لها من الإدارة الأمريكية، بينما هي في الحقيقة تواصل سياساتها في المنطقة وربما بصورة أكثر قوة.

ويريد الرئيس أوباما أن تكون جولته القادمة في الشرق الأوسط وزيارته إلى مصر وخطابه إلى العالم الإسلامي مقدمة لحمل الدول العربية كلها على تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" حتى وإن كان سيتجنب الإشارة إلى هذه النقطة بشكل مباشر في خطابه.

ويقول ارون ديفيد ميلر المفاوض الأمريكي السابق المتخصص في شئون قضايا الشرق الأوسط إن أوباما لو حصل بالفعل على تعاطف العرب ونجح في إقناعهم بمبدأ التطبيع مع "إسرائيل" فسيجعله ذلك في موقف أكثر قوة أمام خصومه السياسيين داخل الكونجرس.





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق