
كتبه / علي صلاح
راهن طرفا المعادلة السياسية في لبنان على الانتخابات النيابية الأخيرة لكي يلقن الآخر درسا ويحسم الصراع الدائر لمصلحته, وسعى كل طرف إلى إغراء أو تخويف الناخب لكي ينحاز له, وفي النهاية انتهت المعركة بفوز تيار الحريري الذي كان يتمتع بالأغلبية في البرلمان الماضي وسط إقبال كبير من الناخبين, وقد اعترفت المعارضة التي يتزعمها حزب الله والموالية لسوريا وإيران بالهزيمة التي أرجعتها إلى التدخل الغربي في الانتخابات لمصلحة تيار الأغلبية وهي حجة واهية فإذا كان للغرب يدين في لبنان فإن لسوريا وإيران مئات الأيادي , وقد أدخل حسن نصر الله إيران بشكل علني إلى حلبة الصراع الانتخابي عندما أعلن قبل الانتخابات بأيام أن طهران على استعداد لتسليح لبنان إذا فازت المعارضة.
ثبات الوضع:
لم تؤد نتائج الانتخابات النيابية اللبنانية إلى تغير ملموس في معادلة الصراع بل أعادت كل طرف إلى موقعه وبدأ الحديث عقب ظهور نتائج الانتخابات مباشرة عن الحكومة التوافقية والثلث الضامن الذي تطالب به المعارضة لتعطيل القرارات التي لا تريدها داخل الحكومة, كما بدأ الحديث عن التمسك بسلاح حزب الله بدعوى أنه "سلاح للمقاومة" وهي نفس النقاط الخلافية التي أدت إلى توتر الأجواء قبل إجراء الانتخابات, فحزب الله ما زال يناور للحصول على أكثر مما أدت إليه نتائج العملية الانتخابية وهو خيار سيؤدي إلى استمرار الأزمات ؛ فقد صرح نصر الله عقب إعلان النتائج بأن "الأغلبية النيابية تختلف عن الأغلبية الشعبية" رغم زعمه الاعتراف بنتائج الانتخابات, وهي محاولة للالتفاف على الواقع الملموس بادعاءات لا يمكن إثباتها؛ فما المقصود من ذلك سوى تفريغ الانتخابات من محتواها والرجوع للمربع رقم واحد, وإذا كان الحال هكذا فلماذا تم إجراء الانتخابات؟! لقد دخل نصر الله الانتخابات تحت شعار" إن فزنا فبها ونعمت وإن لم يكن فلم نخسر شيئا فالأوضاع كما هي والسلاح كما هو ومزاعم الأغلبية الشعبية كما هي".
هل فوز الأغلبية مفاجأة؟
حاولت المعارضة قبل الانتخابات معتمدة على الآلة الإعلامية لحزب الله داخل وخارج لبنان أن توهم الرأي العام المحلي والعالمي أنها قاب قوسين أو أدنى من الفوز بالانتخابات وقد انطلت هذه الدعاية على بعض زعماء الأغلبية الذي وضح تخوفهم من فوز المعارضة, وكان غرض الحزب من ذلك إرهاب الخصوم والتمهيد لاتهمامهم بالتلاعب في حال الخسارة وهو ما حدث حيث اتهم نصر الله الأغلبية بالتحريض المذهبي واستخدام المال لرشوة الناخبين, إلا أن الواقع يؤكد أن احتمالات فوز المعارضة كان بعيدة؛ فما فعله حزب الله عندما استولى على بيروت عند خلافه مع الحكومة أرسل العديد من الرسائل السلبية لجميع الطوائف اللبنانية وأثار مخاوفها حول مستقبل البلاد في ظل تنامي قوة طهران وتغلغل نفوذها في العديد من دول الجوار, كما أن الرهان على "مسألة المقاومة" أصبح ممجوجا بعد موافقة حزب الله على نشر قوات دولية في الجنوب وكف أيديه تماما عن الكيان الصهيوني حتى وقت حرب غزة التي كان يتشدق بنصرتها.
إستراتيجية الأغلبية:
تبدو الأغلبية بعد ظهور نتائج الانتخابات منتشية بالنصر وقد ظهر ذلك في تصريحات زعيم كتلة المستقبل النائب سعد الحريري, المرشح بقوة لرئاسة الوزراء, كما ظهر في تصريحات رئيس الوزراء الحالي فؤاد السنيورة لكنهم لم يخفوا قلقهم من رد فعل المعارضة ليس على المدى القريب فقط ولكن على المدى البعيد أيضا؛ لذا سعوا إلى إرسال تطمينات إليها ودعوتها لحكومة توافقية ودعوا أنصارهم للاحتفال دون استفزاز للآخرين, كما حرص الحريري على تأكيد موقف جبهته من عدم التفاوض بشكل منفرد مع الكيان الصهيوني وهي الورقة التي يلعب عليها حزب الله محاولا وصم الأغلبية بالعمالة للغرب وللكيان الصهيوني رغم أن حليف حزب الله الأثير ميشيل عون له تاريخ كبير في التعاون مع الكيان الصهيوني وله اتصالات معه لم ينكرها خلال إقامته في باريس.
إستراتيجية المعارضة:
من أول لحظة بعد ظهور نتيجة الانتخابات أكدت المعارضة أن شيئا لم يتغير وأن على الأغلبية أن تعرف قدرها وأن عليها ألا تفكر بالانفراد بالحكم وطالب عدد من رموز المعارضة مجددا بالثلث الضامن وأكدوا على عدم التفريط في سلاح حزب الله, وهي بداية غير مشجعة يقصد بها الاستمرار في "إرهاب" الأغلبية وتكريس الشقاق ولي ذراع مؤسسات الدولة لخدمة أهداف حزب الله ومن ورائه, وعند الاعتراض فالتهمة الجاهزة هي العمالة للغرب وعداوة "المقاومة", رغم أن العمالة لطهران التي خربت العراق وأشعلت نيران الطائفية فيه, أشد ظهورا ووضوحا وباعتراف أصحابها, وهذه العمالة لو تركت دون رادع ستعود بلبنان إلى حرب أهلية ضروس لا يعرف عقباها إلا الله وحده؛ فلماذا إذن اللعب بالنار في بلاد الطائفية مكرسة فيه بالفعل وهناك العديد من الدول تسعى لوضع أقدامها فيه تحت هذه الذريعة؟!
تظرة للمستقبل:
لا أرى الكثير من المبشرات بشأن مستقبل الأوضاع السياسية في لبنان فحزب الله سيظل يضغط لإحراز المزيد من المكاسب معتمدا على سلاحه في غياب دور فاعل للمؤسسات الدولية التي يحكمها التفاهمات التي تجري في السر بين إيران والولايات المتحدة, بينما ستواصل الأغلبية الإصرار على تفويضها في إدارة شئون البلاد حسبما أظهرت نتائج الانتخابات معتمدة على شعبيتها والدعم الدولي لها وستعتمد سياسة الشد والجذب بينهما على عدة عوامل أهمها رغبة الغرب في التوصل لاتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي والدعمالذي يمكن أن تقدمه طهران للاحتلال في أفغانستان,وبحسب نوعية الصفقة التي سيتم عقدها سيكون مصير الوضع ليس في لبنان وحده ولكن في عدة دول أخرى كذلك.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"