إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

إلى أين يسير العراق؟
الثلاثاء 30 يونيو 2009

محمد الزواوي

zawawy@gmail.com

 

مفكرة الاسلام: مع بدء انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية واتخاذ الجيش العراقي مهمة الدفاع عن البلاد برزت مشكلة حقيقية من الجانب الكردي الذي يبدو أنه كان ينتظر ذلك الانسحاب الأمريكي ليقدم مشروع دستوره الجديد الذي من المقرر أن يشعل أزمة سياسية في ذلك البلد الذي ظل يرزح تحت الاحتلال منذ أكثر من ست سنوات.

قدم البرلمان الكردي مشروع الدستور الجديد الذي ينص على أحقية الأكراد في كركوك المليئة بالنفط، والتي قام الأكراد بتطهيرها من العرب والتركمان مؤخرًا

فقد قدم البرلمان الكردي مشروع الدستور الجديد الذي ينص على أحقية الأكراد في كركوك المليئة بالنفط، والتي قام الأكراد بتطهيرها من العرب والتركمان مؤخرًا وشنوا حملات عنصرية ضد سكانها من غير الأكراد من أجل التمهيد لذلك الدستور الكردي الذي يمهد لانفصال الأكراد بدولتهم والذي من المتوقع أن يثير العديد من المشكلات في الفترة القادمة بين أبناء الشعب العراقي.

وينص مشروع دستور كردستان على أن "كردستان العراق كيانا جغرافيا تاريخيا، يتكون من محافظة دهوك بحدودها الإدارية الحالية، ومحافظات كركوك والسليمانية وأربيل، وأقضية عقرة وشيخان وسنجار، وتلكيف وقرقوش ونواحي زمار وبعشيقة واسكي كلك من محافظة نينوى، وخانقين ومندلي من محافظة ديالى"؛ حيث أضاف الدستور الكردي كركوك وأجزاء من نينوى وديالى إلى الحدود الكردية، وهو ما ينبئ عن نواياهم المبيتة تجاه تقسيم العراق.

الأكراد يسيرون بخطى ثابتة تجاه دولتهم المستقلة؛ حيث إن لديهم علمًا خاصًا بهم وكذلك برلمانًا ودستورًا، ولديهم قوات خاصة بهم والآن قاموا برسم حدودهم في ذلك الدستور الجديد

فالأكراد يسيرون بخطى ثابتة تجاه دولتهم المستقلة؛ حيث إن لديهم علمًا خاصًا بهم وكذلك برلمانًا ودستورًا، ولديهم قوات خاصة بهم والآن قاموا برسم حدودهم في ذلك الدستور الجديد، فلا شيء ينقص الدولة سوى الإعلان عن قيامها؛ فالنظام الفيدرالي لا يوجد به دستور خاص للأقاليم، ولكن الدستور يكون عامًا للشعب لدى الحكومة المركزية التي تكون لديها سيطرة واضحة على تلك الأقاليم الفيدرالية، ولكن الأكراد يصرون على قيام دولتهم المستقلة، وهو ما ينبئ بتجمع الغيوم في سماء العراق والمنطقة بأكملها؛ فلن تسمح دول الجوار مثل إيران وتركيا وسوريا بقيام تلك الدولة، وسوف يكون الأكراد شوكة في خاصرة جميع تلك الدول ولن يمر ذلك الإعلان عن الدستور الجديد مرور الكرام.

وفي الوقت الذي تتجه فيه جميع دول العالم إلى الاتحاد وإلى التكتل نجد أن الأكراد ينزعون إلى الانفصال؛ مقدمين لغتهم وثقافتهم على المصالح العليا للشعب العراقي وعلى وحدة أراضيه، وقد تمتع الأكراد بالحكم الذاتي منذ وقت طويل، وهو ما ينفي اضطهادهم والتضييق على هويتهم ولغتهم الكردية؛ فالمنطقة الكردية بعد الاحتلال عاشت بصورة منفصلة تمامًا عن الحكومة المركزية بل ومنذ غزو الكويت عام 1990 تقريبًا، ولكن إنشاء دولة كردية سوف يغير قواعد اللعبة الجيوسياسية وسوف يؤدي إلى توترات سوف تهدد المنطقة العربية بكاملها.

من المؤكد أن الولايات المتحدة سوف تدعم تلك الدولة الناشئة المليئة بالنفط ومصادر المياه والتي تقع في مكان استراتيجي يمكنها من تهديد كل من إيران وسوريا

فمن المؤكد أن الولايات المتحدة سوف تدعم تلك الدولة الناشئة المليئة بالنفط ومصادر المياه والتي تقع في مكان استراتيجي يمكنها من تهديد كل من إيران وسوريا، كما سوف تستفيد مصانع السلاح الأمريكية من تصدير السلاح إلى تلك الدولة الناشئة التي لديها الأموال والمصادر، كما يمكن للقوات الأمريكية أن تتمركز في تلك المنطقة الكردية التي تمثل أكثر مناطق العراق أمنًا ولا تكاد توجد بها مقاومة عراقية للاحتلال الأمريكي، وهذه كلها مؤشرات على أن الدولة الكردية الجديدة سوف تهدد المنطقة برمتها.

الآمال لا تزال معقودة على العقلاء من الجانب الكردي الذين رفضوا المسودة الأولية لذلك الدستور

ولكن الآمال لا تزال معقودة على العقلاء من الجانب الكردي الذين رفضوا المسودة الأولية لذلك الدستور الذي سيتم التصويت عليه بصورة نهائية في الخامس والعشرين من يوليو القادم، فقد رفضت العديد من الأحزاب الكردية مسودة الدستور ووصفته بأنه مشروع فتنة ويهدد بوحدة العراق، بل إنه يتعارض مع دستور العراق أيضًا ويعمل على تمزيقه لأنه يتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية.

كما وقع 50 نائبًا من العرب السنة والشيعة والتركمان والشبك على بيان جاء فيه أن "ما يسمى بدستور إقليم كردستان كتب بروح عنصرية لا تمت الى الحقائق بصلة (...) وأن هذا الدستور يتعارض بالمطلق مع الدستور الاتحادي ويتجاوز عليه ويمنح الإقليم صلاحيات أوسع من المركز وأكثر من الكونفدرالية"، كما اعتبروه مصدرًا "لإثارة البغضاء بين مكونات الشعب العراقي ويؤسس في كردستان لمستقبل الحزبين فقط متجاهلاً الشعب الكردي وأحزابه"، حيث يبسط الحزبان الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي جلال طالباني والحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم مسعود بارزاني نفوذًا مطلقا على إقليم كردستان.

إن مخاطر قيام دولة كردية لا يقتصر على وجود دولة جديدة في المنطقة تستقطب إليها العناصر الأمريكية والإسرائيلية، ولكن قيام دولة كردستان سوف يؤدي إلى قيام دولة أخرى شيعية في جنوب وشرق العراق

إن مخاطر قيام دولة كردية لا يقتصر على وجود دولة جديدة في المنطقة تستقطب إليها العناصر الأمريكية والإسرائيلية، ولكن قيام دولة كردستان سوف يؤدي إلى قيام دولة أخرى شيعية في جنوب وشرق العراق، وستحظى بدعم مباشر من إيران بالطبع، وسوف تشكل تهديدًا حقيقيًا على الدول العربية بصفة عامة وعلى دول الخليج بصفة خاصة، وستؤدي إلى تغيير الطبيعة السياسية والديموجرافية في المنطقة، وسوف يتم طرد السنة إلى غرب العراق وإلى صحراء الرمادي، وسوف تتشكل دولة سنية صغيرة وضعيفة بلا موارد، وستشتعل الحروب على المصادر وبخاصة المياه بين تلك الدول، وهو سيناريو كارثي وكابوس للمنطقة بأكملها.

إن مشروع تقسيم العراق كان منذ البداية على الرادارات الأمريكية، وهو أحد الخيارات المهمة لواشنطن من أجل تفكيك العراق

إن مشروع تقسيم العراق كان منذ البداية على الرادارات الأمريكية، وهو أحد الخيارات المهمة لواشنطن من أجل تفكيك العراق التي كانت تعد واحدة من أكبر الدول العربية، بجيش قوي وباقتصاد متنوع وكذلك بشعب متعلم وبمصادر للمياه، وهي كل مقومات الدولة القوية، لذا فإن تقسيمها كان ولا يزال الخيار الأول للولايات المتحدة الأمريكية من أجل تأمين الكيان الصهيوني، وقد تم تفسير ذلك بجلاء في الخطة الأمريكية الصهيونية المعروفة باسم Clean Break والتي أوصت بتقسيم العراق وأعدها كبار صقور البنتاجون من الإدارة الأمريكية السابقة أمثال بول وولفويتز وريتشارد بيرل، فهل يتم تنفيذ هذا المخطط الأمريكي الصهيوني على أيدي كردية؟ وهل سيسمح عقلاء العراق بالدخول في دوامة من الحروب الأهلية ومن الحروب على المصادر وعلى الحدود البينية بين الدول الناشئة عن التقسيم؟

فشل العرب في إنشاء وحدة عربية لم تتجاوز حدود الأحلام، كما فشلوا في إنشاء السوق العربية المشتركة

لقد فشل العرب في إنشاء وحدة عربية لم تتجاوز حدود الأحلام، كما فشلوا في إنشاء السوق العربية المشتركة، كما فشلوا في عقد أي تعاون على مستوى ملموس حتى على مستوى الخليج العربي، بل وتواجه العملة الخليجية ذاتها مخاطر الفشل بعد انسحاب الإمارات منها، كما تواجه عدة دول عربية مخاطر التقسيم والتفكك وعلى رأسها العراق والسودان والصومال، فأي مستقبل ينتظر العرب إذا ما تفكك العراق؟





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق