صفقة الحرائر.. المعاني الرمزية والدلالات السياسية
عصـــام زيـــدان
Essam_zedan30@hotmail.com
أفرجت السلطات الإسرائيلية ظهر يوم الجمعة 2/10عن تسع عشرة أسيرة فلسطينية 18 منهن من الضفة الغربية وواحدة وابنها من قطاع غزة بعد التأكد من صحة الشريط المصور للجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط في اتفاق أبرمه الوسيط الألماني بمشاركة مصرية.
وتم الإفراج عن الأسيرة روضة حبيب من قطاع غزة يوم الأحد (رقم عشرون في الصفقة) لاستكمال صفقة الحرائر أو صفقة تبادل الأسيرات بشريط مصور للجندي الأسير.
والأسيرات الـ20 هم خمس من حركة فتح وأربع من حركة حماس، وثلاث من حركة الجهاد الإسلامي، وواحدة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وسبع أسيرات مستقلات.
وتحمل هذه الصفق العديد من المعاني الرمزية والدلالات السياسية, لعل في مقدمتها المقارنة بين ما يمكن أن تقدمه المفاوضات الاستسلامية العبثية وبين ما تتقدم به المقاومة للقضية الفلسطينية, فالأولى لاترواح مكانها, وأن رغبت في المسير, فقدمها لا تعرف إلا طريق التنازلات الذي لارجعة فيه دون تحقيق أية مكاسب على أي صعيد سياسي أو اقتصادي أو حتى أمني, بينما الثانية ما زالت مثل الشوكة في حلق الاحتلال تنغص عليه وجوده ولا تجعله يهنأ بالحياة في أرضها المغتصبة.
فقد أثبتت حماس والفصائل الآسرة لشاليط أنها قادرة، من خلال التفاوض المشرف على أن تنجز شيئا، وأن تنتج حراكا على الساحة السياسية يحرج فريق التنازلات اللانهائية, كما أكدت قدرتها على كسر الشروط والمعايير الإسرائيلية المفروضة على الإفراج عن الأسرى القدامى, وجددت القناعة الراسخة بأن قادة الاحتلال لا يتجاوبون إلا مع لغة المقاومة، وليس مع سياسات الاستجداء والتنازلات المجانية.
ولعلها مفارقة بارزة أنه في ذات اليوم الذي أُجبرت فيه "إسرائيل" على الإفراج عن الأسيرات الفلسطينيات, كان ممثل السلطة في جنيف يتقدم بطلب بتأجيل التصويت على تقرير القاضي ريتشارد جولدستون والذي يدين قادة الاحتلال الإسرائيلي ويطالب بمحاكتهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة.
والصورة التى رسمتها الصحافة العبرية في تعليقها على الحدثين هي أفضل تعبير عن تلك المفارقة, فقد قالت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية (2/10): إن حركة حماس أجبرت دولة بأكملها على الركوع، فهي تبتز لتحرير 20 أسيرة، معتبرة أن "صفقات محرجة من هذا النوع من الأفضل أن تتم بهدوء، دون ضجيج".
وانتقدت يديعوت في الوقت ذاته عجز أجهزة الأمن الإسرائيلية عن الوصول إلى الجندي شاليط على مدى ثلاث سنوات وثلاث أشهر، وقالت: "محظور علينا أن ننسى بأن هذا الشريط يعظم فقط حقيقة أن المخابرات وباقي محافل الأمن لم يتمكنوا من جلب معلومة تسمح بانقاذ جلعاد من الأسر إلى أن تصنع حماس الجميل للمبعوث الألماني وتطلق شريطا بثمن مبالغ فيه".
وأضافت قائلة:"لماذا عندما ندير مفاوضات على تلقي جندي واحد مقابل مئات السجناء.. ينبغي لنا أن ندفع الفائدة مسبقا كي نتلقى اشارة حياة؟ هذا منطق مريض..اعتدنا على أن نكون خرقا مهترئة".
من جانبها؛ قالت صحيفة هآرتس العبرية:" الاستعداد الإسرائيلي لتحرير النساء الفلسطينيات مقابل شريط فيديو ينقل إلى الخصم رسالة ضعف..كما أن الصفقة ستشجع حماس على المبالغة الزائدة لثمن تحرير جلعاد وتضخم قائمة الأسرى الفلسطينيين الذين تطالب بهم المنظمة بالمقابل".
أما عن فضيحة تقرير جولدستون فقد كشفت يديعوت أحرونوت أنه لحظات قبل مناقشة الأمم المتحدة لنتائج تقرير جولدستون عن جرائم الحرب الإسرائيلية خلال حرب "الرصاص المصبوب" سحب الفلسطينيون طلبهم بهذا الخصوص.
وقالت الصحيفة إنه على أثر ضغوط إسرائيلية كبيرة، قررت السلطة الفلسطينية، وبشكل مفاجئ سحب مسودة قرار بتبني تقرير جولدستون.
وأشارت الصحيفة إلى أنه سبق القرار الفلسطيني، إنذار إسرائيلي للمجتمع الدولي بأنه في حال إحالة تقرير جولدستون للمحكمة الدولية في لاهاي، فسيكون ذلك ضربة قاضية لعملية السلام.
ووفقًا للمصادر الإسرائيلية فقد قبلت الإدارة الأمريكية ووافقت على الموقف الإسرائيلي، ومارست بدورها ضغوط كبيرة على "أبو مازن" للإيعاز للوفد الفلسطيني في جنيف بسحب مسودة الاقتراح، وذلك لتفادي المس بجهود الرئيس أوباما باستئناف المفاوضات والتوصل إلى اتفاق سلام.
ونفت مصادر أمنية إسرائيلية أن تكون إسرائيل وعدت الفلسطينيين بأي مقابل، لكن الفلسطينيين "يعرفون أن هناك الكثير ما يمكن أن يخسروه إذا لم يسحبوا الاقتراح", على حد ما قالت الصحيفة.
وإذا عدنا من هذه المفارقة إلى الدلالات السياسية والمعاني الرمزية الأخرى لصفقة الحرائر, فسنجد أنها تحمل كثيرا من الاذلال لقوات الاحتلال وقادته, فمقابل دقيقة واحدة ومعلومة واحدة عن هذا الجندي الأسير منذ سنوات خضعت "إسرائيل" لإرادة المقاومة وأطلقت 20 أسيرة, وهو قد يكون عددا رمزيا إذا ما قورن بعدد الأسرى في سجون الاحتلال,رجالا ونساء, ولكنه بالمقارنة بما حصل عليه الاحتلال يعد مكسبا للمقاومة, واعتراف بفشل الاحتلال في الحصول على أية معلومات عن شاليط طيلة الفترة الماضية برغم أجهزة التجسس عالية التقنية التى يملكها..فإرادة المقاومة أغلب وأقوى من تلك التقنيات والأجهزة.
كما أن تعامل حركة حماس مع الصفقة وشمولها لعدد أكبر من الأسيرات غير للمنتميات للحركة يعبر عن رقي في الفهم والحركة والممارسة من قبل قادة حماس ويؤكد سعيها لاعادة اللحمة إلى الصف الفلسطيني, خاصة مع قادة فتح.
وأخيرا فإن هذه الصفقة ألقت بصيصا من الضوء على دور المرأة الفلسطينية في نصرة القضية وأنها كما رجال المقاومة الباسلة لها دور بارز في مواجهة العدو ومكابدته بالعمليات الفدائية والحركات الاستشهادية, وأنه تدفع من حريتها رغبة في حرية وطنها وتتنازل عن حياتها كي يعيش وطنها مرفوع الرأس والهامة.