إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

شلال الدم بالصومال
الخميس 08 اكتوبر 2009

أحمد عباس

 

مفكرة الاسلام: يبدو أن الشعب الصومالي لايزال مضطرًا لدفع ثمن باهظ من دماء أبنائه ومن استقرار الأوضاع داخل بلاده بسبب إصرار القوى الخارجية على أطماعها في ثرواته وموقع بلاده الإستراتيجي وبسبب عدم قدرة القوى الصومالية الداخلية على إنهاء دوامة العنف والفوضى وكبح جماح السعي نحو النفوذ والسلطة.

لقد عانى الصومال في السنوات الأخيرة من ويلات الغزو العسكري الإثيوبي الذي كان مستمرًا في ارتكاب الجرائم البشعة بحق المدنيين الأبرياء، ورغم المساندة الكبيرة التي قدمها أبناء الصومال للمقاومة المسلحة من أجل تطهير البلاد من هذا الاحتلال الغاشم إلا أن ثمرة تحرر البلاد لم تصل إلى يد هذا الشعب المنكوب.

وبينما كانت الحكومة الصومالية التي تولت مقاليد الأمور في مرحلة ما بعد الغزو برئاسة شيخ شريف أحمد تحاول أن تثبت أوضاعها وتتعاطى مع الوضعين الإقليمي والدولي وفي ظل تواجد القوات الأفريقية التي تعمل تحت ستار "حفظ السلام"، انطلقت الحملة القوية من جانب الفصائل الإسلامية المسلحة من أجل القضاء على هذه الحكومة وتحقيق مجموعة من الأهداف.

وبغض النظر عن الأهداف المعلنة من قبل الفصائل المسلحة في حملتها ضد الحكومة والتي دارت في مجملها حول تطبيق نصوص الشريعة الإسلامية وإخراج كافة القوات الأفريقية من الأراضي الصومالية، إلا أنه كان من الواضح أن كل خطوة تقوم بها هذه الحكومة الصومالية الناشئة باتجاه كسب تأييد المجتمع الدولي كانت تقابل بمزيد من العداء من جانب الفصائل الإسلامية وخاصة حركة شباب المجاهدين التي لعبت الدور الأبرز في المرحلة الأخيرة من إجلاء قوات الاحتلال الإثيوبية.

ومع انضمام العديد من الفصائل الإسلامية لحركة شباب المجاهدين في الحملة الرامية للقضاء على حكومة شيخ شريف أحمد والتي باتت معلنة تمامًا منذ مايو الماضي، برز الحزب الإسلامي بزعامة شيخ حسن ضاهر عويس كأحد أقرب الحلفاء لحركة الشباب في هذه الحملة.

استمرار الحرب الداخلية على حساب مستقبل البلاد

ولم يكن يغيب عن بال طرف من الأطراف المتحاربة في داخل الصومال أن المدنيين الأبرياء هم الذين يسددون فاتورة استمرار القتال من أجل السيطرة على المناطق والتمسك بالزعامة، حيث كانت المعارك القتالية والهجمات والتفجيرات ترمي بحممها على المواطنين الصوماليين كما كانت الحملات الأمنية العشوائية التي تقوم بها القوات الحكومية تطال الشباب الصومالي الذي لا يريد إلا بصيصًا من الأمل في مستقبل أفضل بعد سنوات من الانهيار عاشه الصومال.

وبينما تمسكت حركة شباب المجاهدين بمواقفها وشروطها في التعامل مع الأوضاع الداخلية ورفضت العديد من الدعوات التي طالبت بالتهدئة والتي رعتها دول إقليمية وعربية، ظلت الحكومة الصومالية هي الأخرى تسارع في توطيد اواصر الصداقة مع الدول الغربية الكبرى ولا تتوانى عن تقديم الموافقة والقبول بكل الأمور التي من شأنها أن تضمن استمرار وتعزيز النفوذ الغربي داخل الصومال.

وفي ظل الحرب المستعرة بين حركة الشباب والقوات الحكومية الصومالية وتواصل النزاع على المناطق المختلفة فإنه لا يكاد ينعم طرف منهما بالسيطرة على بلدة أو موقع إستراتيجي إلا ويعود الطرف الآخر بعد فترة قصيرة لإحكام قبضته على هذه المنطقة وفرض سيطرته عليها.

ولم يعد خافيًا أن هناك قوى عالمية وإقليمية لا تريد خيرًا بالشعب الصومالي تحرص كل الحرص على استمرار شلال الدماء منهمرًا على أرض الصومال وترفض وجود أية فرصة لمناخ إيجابي يسمح بحوار بين القوى المتنازعة الأمر الذي كان سيفتح باب الأمل في أن يعيش الصوماليون في أمان وهدوء بعد سنوات طويلة من الحروب والصراعات.

وجاءت الأحداث الأخيرة بما لم يكن متوقعًا حيث اندلع الصراع داخل الفصائل الإسلامية المسلحة التي كانت متحالفة في مواجهة القوات الحكومية الصومالية، وتفجرت المعارك بين حركة شباب المجاهدين من جهة ومقاتلي الحزب الإسلامي من جهة خاصة في ميناء كيسمايو الإستراتيجي.

ولا شك أن حالة القتال بين الفصيلين الإسلاميين الكبيرين في الصومال كشفت وبوضوح أن الأهداف الإستراتيجية البعيدة المدى لدى كل منهما بشأن الحملة المستمرة ضد الحكومة الصومالية ليست أهدافًا فوق مستوى الشكوك ، حيث كان من المفترض بالحركتين أن تتفاديا على الأقل النزاع فيما بينهما بحثًا عن النفوذ والسيطرة، وأن تركز كل منهما على هدف تطبيق الشريعة الإسلامية وقتال القوات الأفريقية حتى تخرج من الأراضي الصومالية كما هو معلن على ألسنة قادة الفصيلين.

خطر كبير يتمثل في مآساة المدنيين الصوماليين

ويتخوف المراقبون من أن استمرار كل طرف من الأطراف المتنازعة في حربه ضد بقية الأطراف لتحقيق السيطرة سيزيد من معاناة المدنيين واللاجئين الصوماليين الذين فقدوا القدرة تمامًا على تحديد الجهة التي يمكن أن تكون بالفعل راغبة في تحقيق مصلحة هذا الشعب وإخراجه من دوامة العنف والفوضى.

هل يمكن أن تتنبه الحكومة الصومالية وكذلك الفصائل المسلحة إلى أن الصومال يعاني من جفاف وأزمة غذائية طاحنة في ظل صعوبة وضعف إمكانيات الوصول إلى المدنيين المحاصرين في مناطق الصراعات المسلحة وهي تشمل كل أرض الصومال.

هل يمكن أن تتصور الحكومة الصومالية أو كبرى الفصائل المسلحة أن هناك 3.6 مليون نسمة بما يعادل نصف سكان الصومال في حاجة ماسة للمساعدات مع وجود أكثر من 1.3 مليون نازح داخل البلاد ونصف مليون في مخيمات بكينيا واثيوبيا المجاورتين.

ففي الصومال يعاني طفل من كل ستة اطفال من سوء تغذية حاد، وهذه بمقاييس الأمم المتحدة تعتبر أزمة خطيرة، ولكن لأن الصورة كانت مروعة بنفس القدر لفترة طويلة لم يعد دق جرس الإنذار من الأزمة يستدعي من كل الأطراف اتخاذ وقفة حاسمة لصالح هذا الشعب الذي يخرج من خطر إلى خطر آخر.

الواقع الصومالي في هذه المرحلة يتطلب وقفة حقيقية من علماء الأمة ودعاتها والغيورين على مستقبلها من أجل التدخل وبكل ثقل وبذل كل جهد ممكن لوقف النزيف المتدفق من شريان الصومال، ومن أجل خلق حالة مصالحة عاجلة تضع المصالح الخاصة وراء الظهر وتضع الأهداف السامية طويلة الأمد وراء الظهر ولو بصورة مؤقتة من أجل إيجاد لحظة سلام داخلي حقيقية تعطي الفرصة للشعب الصومالي الجريح لكي يلتقط أنفاسه ويعيد ترتيب أوراقه ومواجهة مستقبله القادم.





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق