
كتبه أحمد عمرو
مفكرة الاسلام: لم يحظَ تقرير دولي بإثارة واهتمام الرأي العالم الدولي مثل تقرير جولدستون بشأن الحرب على غزة، صحيح أن تلك الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة واستمرت من 27 ديسمبر 2008 إلى 18 يناير 2009، كانت بشعة بكل المعاني وارتكبت فيها كل أنواع جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وهي حرب قتل فيها ما يقارب ألفا وأربعمائة فلسطيني معظمهم مدنيون. لكنها في الوقت نفسه لم تكن الوحيدة في التاريخ الفلسطينيين بمثل تلك البشاعة.
فمن مذبحة دير ياسين عام 1984 إلى مذبحة جنين 2002 مرورًا بمذبحة الحرم الإبراهيمي 1994م وغيرها العديد من المجازر والمذابح والتي في العديد منها تمت كتابة تقارير لكنها ذهبت أدراج الرياح.
غير أن تقرير حرب غزة الأخير والذي عرف بتقرير جولدستون كان مختلفًا، من حيث كاتبه فهو يهودي يتفاخر بصهيونيته، كما أنه جاء محملاً بالإدانة والاتهام لإسرائيل.
فكيف خرج هذا التقرير بهذه الصورة؟ ومن هو القاضي جولدستون الذي اشتهر التقرير باسمه؟ أو بعبارة أخرى من زرع هذا التقرير ومن حصده؟
القاضي جولدستون...
منذ أن قررت الأمم المتحدة فتح تحقيق بشأن ما حدث في غزة، تحت ضغط رأي عام عالمي لهول ما حصل، وتم تسمية القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد جولدستون والمعروف بيهوديته وقد توجس الجميع خيفة أن التقرير لن يأتي بما يدين "إسرائيل" ولن يظهر الحقيقة.
فجولدستون ليس شخصية يهودية عادية فهو رئيس فخري لعدة هيئات في "إسرائيل"، بينها مجلس إدارة شبكة مدارس أورط ولجنة أصدقاء الجامعة العبرية في القدس.
وهو إلى ذلك يعترف بصهيونيته وحبه لإسرائيل يقول في تصريح له لصحيفة هاآرتس: "أنا يهودي صهيوني.. أحب إسرائيل وعملت لصالحها في العديد من المجالات، وابنتي تسكن في إسرائيل".
إذا كان هذا هو جولدستون فما الذي دفعه إلى إخراج تقرير بهذا الوصف يحمل إدانة لدولة يقول إنه يحبها ويعمل لصالحها؟
والإجابة لا تخل من ثلاثة احتمالات:
إما أن جولدستون رجل مبادئ وهو كقاض يطبق القانون بكل حيادية ودقة ويسعى لإظهار الحقيقة كما هي.
أو أنه ليس كذلك لكن هول المأساة في غزة وبشاعتها وقصص الضحايا المؤلمة جعلته يتعاطف مع الضحايا.
أو أنه كصهيوني رأى في الممارسات الصهيونية أداة لفنائها فأراد أن يساعدها بأن يكف شرها عن نفسها .
جولدستون في النهاية لم يتركنا في حيرة بل أجاب بنفسه عن تساؤلاتنا فهو يقول في تصريح له لإحدى الصحف الصهيونية "هاآرتس" : إن "صهيونتي لم يصبها شيء لمجرد أنني جزء من الطاقم الذي تقصى الحقائق في ممارسات إسرائيل وحماس.. بل إنني على قناعة بأن ما فعلته لجنتنا ليس معاديًا لإسرائيل.. ولم أكن لأتعاون مع أي عمل معادٍ لإسرائيل، مهما كان نوعه".
أما كيف يكون هذا التقرير لصالح إسرائيل في ظنه فيقول للقناة الثانية الإسرائيلية: "أعتقد أن إسرائيل تهاجمني في الوقت الحاضر، ولكن في نهاية الأمر ستفهم أن تقريرًا كهذا ـ وهو نتاج تحقيق نزيه ومتوازن ـ سيفيدها على المدى البعيد، وأنا على قناعة بأن التقرير فرصة نادرة لإسرائيل لتحسين مكانتها التي تدنت في العالم إذا ما استفادت من أخطائها التي وضعها التقرير أمام عينيها.. ومازلت متفائلاً بأن تتعلم العبر من حروبها السابقة".
ورغم أن جولدستون تعرض لكثير من التهديدات بالقتل من قبل العديدين من يهود جنوب إفريقيا وأمريكا وتعرض لكثير من الانتقادات من منظمات يهودية إلا أنه في النهاية لم يخضع ولم يتراجع عما رآه صوابًا.
هذه هي الشخصية التي زرعت تقرير حرب غزة، وتلك هي دوافعها.
سينريوهات الحصاد:
وعلى النقيض تمامًا جاء حصاد هذا التقرير، فقد تم التعامل مع التقرير بشيء كبير من التهاون والازدراء من قبل عباس وسلطته، ففي بداية جلسات التصويت على التقرير في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، خرجت السلطة الفلسطينية بطلب تأجيله، وهو ما أفقده كثيرًا من حيويته وقوته.
لأن من شأن أن يصوت المجلس على التقرير بأغلبية مطلقة أن يذهب التقرير مباشرة إلى المحكمة الدولية، وهو ما يعني أنه قادة إسرائيل سيواجهون باتهامات وملاحقات دولية، وهو الأمر الذي سيُظهر الوجه البشع للصهيونية في فلسطين، لكن ربما لأن عباس ورجاله تعاطفوا مع اليهود أكثر من تعاطفهم مع بني جلدتهم، أو ربما وقعوا تحت ضغوط لم يتحملوها من النوع الذي تعرض له جولدستون.
لقد كشف تقرير جولدستون السلطة الفلسطينية وعراها تمامًا أمام نفسها وأمام شعبها وأمام العالم أجمع.
غير أني أرى أن هذا التقرير ما زال أمامه العديد من الأقنعة التي سيسقطها في طريقه قبل أن يسقط هو، فإدارة أوباما التي صمت آذاننا بحديثها عن العدالة والحوار وحقوق الإنسان وبدأ حقبة جديدة للعلاقات بين أمريكا والعرب، تتسم بالندية واحترام الآخر، ستكون أمام امتحان صعب عندما يصل التقرير إلى مجلس الأمن، فإما أن تثبت أن حديثها عن العدالة لم يكن مجرد كلمات للتهدئة والخداع، وأنها صادقة في توجهها الجديد عبر تمريرها لهذا التقرير في مجلس الأمن دون استخدام حق الفيتو، أم أنها ستسعى مرة أخرى لإنقاذ إسرائيل، لتبعث برسالة للعرب فحواها:
لذلك الحد لم تبلغ مودتنا .. أما كفى أن يراني اليوم منتحبا، ربما ساعتها سيثبت أوباما بالدليل العملي أنه فعلاً يستحق جائزة نوبل للسلام.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"