
بقلم: محمد الزواوي
فجر الحادث الأخير الذي وقع في بيشاور الباكستانية العديد من علامات الاستفهام حول دوافع وأهداف هذا التفجير المأساوي، الذي راح ضحيته أكثر من 250 قتيلاً وجريحًا مساء الأربعاء الماضي، والذي تزامن مع زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى البلاد، محملة بـ "رسالة سلام" لتعزيز العلاقات مع باكستان.
وعلامات الاستفهام في ذلك الانفجار تكمن في: التوقيت، الهدف، النتيجة، المستفيد.
فالتوقيت بدا أنه يريد أن يعطي إيحاءًا بالتزامن مع زيارة هيلاري كلينتون إلى باكستان، ليضفي عليه صبغة "إسلامية"، وهذا لا يعني أن المنفذين أرادوا استهداف وزيرة الخارجية أو التأثير على نتائج الزيارة، ولكن يبدو أن التوقيت تم اختياره لكي يتم إلصاقه بالجماعات الإسلامية المسلحة في البلاد، وبخاصة حركة طالبان الباكستانية والتي دخلت في سجال مع الجيش الباكستاني في الآونة الأخيرة، ما يعني أن هذا التوقيت لا يخدم تلك الحركات الإسلامية في شيء؛ ولكنه فقط من أجل إلصاق التهمة بالإسلام المسلح في باكستان.
أما الهدف فكان في بيشاور الباكستانية، التي تعد معقلاً لقبائل الباشتون ـ التي تنحدر منها حركة طالبان ـ كما أن الهدف كان سوقًا هو الأكثر ازدحامًا في المدينة، ولم يستهدف أية أهداف عسكرية أو سياسية أو أمنية، ولكنه أودى بحياة 13 طفلاً و27 امرأة إلى جانب 65 رجلاً، هذا خلاف من يزالون تحت الأنقاض بسبب قوة الانفجار التي أدت إلى تهدم الأبنية القديمة المتهالكة المجاورة.
أما نتيجة هذا الانفجار فمن المؤكد أنه ليس في صالح حركة طالبان من قريب ولا بعيد؛ حيث إن الغالبية من نساء وأطفال البشتون معقل الحركة، كما أن تفجيرًا بهذا الحجم كفيل بأن يؤدي إلى حنق وغضب مئات العائلات التي تنحدر من القبائل البشتونية، والتي فقدت أولادها ونسائها في ذلك الحادث، حنق وغضب على حركة طالبان التي يراد أن ينسب الانفجار إليها في ذلك التوقيت وفي ذلك المكان بالذات.
ومن تحليل أحداث هذا الانفجار من التوقيت والهدف والنتيجة نجد أنه من المستبعد عقلاً ومنطقًا أن تقوم حركة طالبان بمثل هذا الانفجار، أو أية حركات إسلامية أخرى؛ حيث إن ذلك الانفجار لا يصب في مصلحتها على الإطلاق، بل على النقيض فإنه يؤدي إلى تقويض شعبيتها في كل باكستان، وليس كل انفجار بالضرورة يجب أن يكون وراءه إسلاميون أو حركات مسلحة داخلية، وبذلك ننتقل إلى النقطة التالية: من المستفيد؟
إن باكستان الدولة تمر اليوم بأصعب مرحلة في تاريخها منذ استقلالها عن الهند عام 1948، حيث تتعرض لتهديدات وجودية، تتمثل في قلاقل داخلية ومحيط مضطرب خارجيًا، ووضع إقليمي في غير صالح الدولة الباكستانية؛ فبالرغم من أنها تمتلك سلاحًا نوويًا من المفترض أن يحمي أمنها القومي، إلا أن ذلك السلاح في حد ذاته يجعلها محطًا لأنظار وأطماع القوى الأجنبية، وبخاصة المحور الثلاثي المكون من الولايات المتحدة والهند وإسرائيل.
فاليوم يتم تسخير الجيش الباكستاني في مهام أمنية لصالح الولايات المتحدة، تتمثل في مقاتلة الجماعات الإسلامية على الحدود الباكستانية الأفغانية في الشرق بحجة إيوائها للمسلحين ولتنظيم القاعدة، في الوقت الذي يترك فيه الجيش الباكستاني حدوده الشرقية مفتوحة أمام القوات الهندية التي تحتل منطقة جامو وكشمير، فالجيش الباكستاني يبلغ قوامه 700 ألف جندي، منهم 528 ألف في الاحتياط، أي أن القوات الأساسية العاملة في الخدمة قوامها 178 ألف جندي وضابط، موزعة على كامل التراب الباكستاني، لكن ما يحدث اليوم هو أن غالبية تلك القوات مسخرة لقتال الجماعات الإسلامية المسلحة في وادي سوات وفي مناطق القبائل الحدودية مع أفغانستان.
ولأن الدولة الباكستانية دولة تعد من الدول الفقيرة (ترتيبها 139 عالميًا من حيث نسب النمو) وكثيفة السكان (ما يقرب من 170 مليون نسمة) فإنها كغيرها من الدول تعتمد بصورة كبيرة على المعونات الخارجية، خاصة في المجالات العسكرية من الولايات المتحدة، لذا ترتبط المؤسسة العسكرية هناك بصورة كبيرة على الولايات المتحدة في تحديث جيشها، وهو ما يعطي واشنطن أفضلية التعامل معها بسياسة العصا والجزرة؛ وتستغل أمريكا جارتها الهند في تهديدها وترويعها بأن تقوم بتصدير أحدث الأسلحة والمعدات العسكرية إليها، لتحافظ على التفوق العسكري الهندي على باكستان، وهو ما يجعل إسلام آباد رهينة في أيدي الولايات المتحدة وصناع القرار في واشنطن والبنتاجون.
وتهتم الولايات المتحدة بتلك المنطقة باعتبارها منطقة تهديد استراتيجي للنظام الدولي ككل؛ حيث إن منطقة باكستان/ أفغانستان تعتبر من وجهة نظر الولايات المتحدة المصنع الأول لتصدير "الإرهابيين" والمقاتلين الإسلاميين، كما أنها تأوي الملاذات الآمنة التي تنتطلق منها معظم العمليات التفجيرية التي تستهدف الغرب والولايات المتحدة، لذا فإنه من أولويات الأمن القومي الأمريكي في حقبة أوباما هو تلك المنطقة التي يجب أن يتم "تطهيرها"، ولكن على أيدي الجيش الباكستاني الذي يتم تسخيره حاليًا لقتال الإسلاميين.
وهذا القتال أدى إلى تدمير الروح المعنوية والعقيدة القتالية للجيش الباكستاني، الذي وجد نفسه مجبرًا على قتال بني شعبه لصالح الولايات المتحدة، ووجد نفسه منهكًا في مهام أمنية بين الجبال والهضاب، بل إن كثيرًا من قيادات الجيش الباكستاني من قبائل البشتون، ويجدون أنفسهم مجبرين على قتال بني جلدتهم في الجبال والأودية بدعم جوي أمريكي في كثير من الأحيان، وهو ما يحرف بوصلة الجيش الباكستاني الذي من المفترض أن يحمي الأمن القومي للبلاد، وليس الأمن القومي لجهات أجنبية، خاصة عندما تكون معادية للمصلحة العليا للبلاد.
إن هذا التناقض أدى إلى انقسام الدولة الباكستانية على ذاتها، ما بين فئات متغربة تحكم باسم الولايات المتحدة وترعى مصالحه في المنطقة، وما بين حركات إسلامية مسلحة تهدف إلى استقلال وحكم ذاتي لمناطق القبائل في الشمال الغربي، وما بين حركات إسلامية داخلية تبغي الدخول في العملية السياسية وانتزاع السلطة من أيدي الحكام الذين تربوا في بريطانيا والولايات المتحدة.
واليوم يمثل ذلك الانفجار الذي وقع في بيشاور حلقة جديدة في سلسلة التشرذم الباكستانية، ولنعود إلى إجابة سؤال: من المستفيد من ذلك الحادث؟
إن أصابع الاتهام كلها تشير إلى الاستخبارات الأمريكية، فهي صاحبة المصلحة في تأليب القبائل البشتونية على مقاتلي طالبان، وهي التي تستطيع أن تنفذ مثل تلك العملية الكبرى التي استخدم فيها سيارة مفخخة ب150 كيلوجرامًا من المتفجرات، وهي وحدها المستفيدة من مصرع النساء والأطفال في سوق تجاري مزدحم، وهي المستفيدة أيضًا من تأليب القوات الأمنية والجيش على المسلحين، بل وتأليب المجتمع ككل على الحركات الإسلامية، السلمية منها والمسلحة، بل إن خدعة اختيار التوقيت ذاته لإلصاق التهمة بالإسلاميين لهو دليل على تورط الاستخبارات الأمريكية في ذلك التفجير، فلو أرادت طالبان أن تنفذ التفجير تزامنًا مع زيارة هيلاري لكانت فجرت هدفًا أمريكيًا، أمنيًا أو دبلوماسيًا، أو حتى تجاريًا مثل سلسلة المطاعم الأمريكية المنتشرة في باكستان، وذلك إذا أرادت أن توصل الرسالة إلى الإدارة الأمريكية.
إن باكستان اليوم تقع على شفا الانقسام الداخلي والتناحر بين مختلف الأطراف لصالح المشروع الأمني الأمريكي في المنطقة، بل وتحولت الدولة الباكستانية إلى هراوة غليظة لتأديب المارقين عن الطاعة الأمريكية في باكستان وأفغانستان، ولكن لا يزال هناك بصيص من نور في تلك المعضلة الباكستانية، ألا وهو الهوية الإسلامية للدولة، تلك الهوية التي انفصلت على أساسها باكستان عن الدولة الهندوسية الهندية، واتخذت من الهلال شعارًا للبلاد، ولا يزال الدين حاميًا لتلك الدولة التي تنتشر فيها المدارس الدينية والمشاعر الإسلامية المتأججة بالرغم من كيد الولايات المتحدة لإغلاق تلك المراكز بحجة تفريخها للجهاديين.
إن الجيش الباكستاني ذاته به العديد من القيادات التي تتعاطف مع الحركات الإسلامية وبالأخص حركة طالبان، بل إن الجيش الباكستاني كان من دعم الحركة في بداية نشأتها في أفغانستان ومنحها التسليح والعتاد والدعم السياسي والعسكري، وكانت باكستان من أولى الدول التي اعترفت بحكم طالبان في كابول، والجيش لا يزال المؤسسة الأقوى في البلاد، بالرغم من أنه يراقب الوضع من بعيد الآن في ظل الحكومة المدنية برئاسة زرداري وجيلاني، وهذا التناقض في بوصلة الدولة الباكستانية وفي العقيدة القتالية للجيش الباكستاني ربما يؤديان إلى انقلاب عسكري جديد على غرار انقلاب الجنرال برفيز مشرف، ولكن ربما يأتي هذه المرة على يد الشرفاء من الجيش الذين من المؤكد أنهم لا يرضون عن تلطيخ أيادي الجند بدماء أبنائهم الباكستانيين لصالح المشروع الهندي الأمريكي الإسرائيلي.
إن كلمة باكستان باللغة الأوردية تعني "الأرض النقية".. نتمنى أن تعود كذلك في القريب العاجل.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"