إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

عباس ومسرحية "التنحي"
الاحد 08 نوفمبر 2009

مفكرة الاسلام:

كتبه/ علي صلاح
ليست المرة الأولى التي يشهد المسرح السياسي العربي هذا النوع من "التنحي" الذي يشبه الاستعراضات البهلوانية, فعندما يرى اللاعب أن الطائرة أوشكت على السقوط وأن الجمهور أوشك على الملل من العرض الزائف يبدأ بالقفز لعله ينال عطف المشاهدين أو على أقل تقدير يهرب قبل وقوع الكارثة, فعلها الرئيس المصري جمال عبد الناصر من قبل إثر هزيمة 5 يونيو عام 1967 بعد أن حكم البلاد بالحديد والنار لسنوات طويلة؛ بدعوى أن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وأزاح جميع المعارضين له بالقتل أو السجن ووضع أصدقاءه المقربين في مواقع القيادة وتراجعت الأوضاع الاقتصادية بشدة وتحمل الشعب بهدف القضاء على العدو الصهيوني وصدّق دعايات الآلة الإعلامية الناصرية التي كانت تنفرد بالساحة وقتها, وأيقن بوعود المنشورات الحكومية التي كانت تصدر تحت اسم صحف, وعندما استيقظ على صرخات الجنود المساكين وهم يفرون من صحراء سيناء بعد أن تركتهم قيادتهم "الحكيمة" في العراء؛ وجد الرئيس يريد أن "يتنحى" وخرج الشعب أو على الأصح أُخرج للمطالبة ببقائه فاعتبرها الرئيس "الملهم" تجديدا "للبيعة", وقدم المسؤولين عن الهزيمة, الذين عينهم دون حق, للمحاكمة وجعلهم كبشا للفداء.
عباس وقفزة النجاة:
قد يتساءل البعض عن مدى جدية الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته محمود عباس بشأن اعتزامه عدم الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة والتي أعلن عن إجرائها في يناير القادم, والحقيقة أن الأكثر أهمية ليس مسألة الجدية من عدمها, ولكن الدوافع الحقيقية وراء اتخاذ هذا الموقف وما المراد منه؟ وعندئذ سيظهر مدى جديته..لقد شعر عباس خلال الفترة الماضية ومنذ تمكن حركة حماس من السيطرة على غزة وإخراج فريق دحلان العميل وجواسيسه منها أن من كان يعتمد عليهم في مواجهة حماس وشعبيتها الجارفة ليسوا بالقوة التي كان يعتقدها وأنهم يعملون لمصالحهم الشخصية ولن يفوتوا الفرصة لو أتيحت لهم من أجل القضاء عليه, وتأكد أن هذا الفريق له أجندته الخاصة التي لم يكن على علم بالكثير من بنودها, كما تأكد أن شعبيته تنهار في الضفة خصوصا بعد انكشاف تعاونه مع الاحتلال وكبحه للمقاومة واعتقاله لعناصرها وعدم حدوث أي تقدم على صعيد ما يسمى بـ "التسوية السياسية" التي وعدته بها الإدارة الأمريكية, وقد أشارت إلى ذلك مصادر غربية حيث أوضحت أن شعبية حماس في تصاعد مستمر بالضفة وأنها تستطيع الفوز بأغلبية كبيره بالانتخابات القادمة,أضف إلى ذلك تعنت الحكومة اليمينية المتطرفة في "إسرائيل" مع جميع المحاولات بشأن منح أي تنازل ولو صوري للفلسطينيين يستطيع عباس من خلاله أن يظهر أمام الرأي العام أنه رجل المرحلة.. أما ما زاد الطين بلة فهو موقف إدارة أوباما التي أعلنت منذ لحظة وصولها للحكم في البيت الأبيض أنها ضد الاستيطان وأنها ستضغط على الكيان الصهيوني من أجل وقف بناء مغتصبات جديدة لفتح الطريق أمام "عملية السلام" مع الفلسطينيين, وقد صدّق عباس هذه التصريحات والتي أعادها أوباما مرارا وتكرارا ومن ورائه وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون, حتى أنه خرج في تصريحات عنترية في محاولة لكسب تعاطف جماهيري مفقود قائلا: إنه لن يجلس على مائدة مفاوضات مع "إسرائيل" قبل وقف الاستيطان, إلا أنه مع إصرار حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة على عدم إعطاء أي تنازلات ملموسة بهذا الشأن وعدم استطاعة الولايات المتحدة إغضاب طفلها المدلل, بدأت التصريحات الأمريكية تتراجع وطالبت عباس ببدء مباحثات مع "الإسرائيليين" دون اشتراط وقف الاستيطان؛ الأمر الذي شعر معه عباس أنه أصبح وحيدا في العراء وأن اليقية الباقية من شعبية له عند الفلسطينيين أوشكت على التلاشي فكانت مسرحية "التنحي".
هل يتراجع عباس؟
رغم كل ما سبق فإن عباس لم يزهد السلطة ولكنه كان يريد توجيه رسالة لأصدقائه الأمريكيين و"الإسرائيليين" على حد سواء, وهو ما أشارت إليه حركة حماس تعقيبا على قرار عباس, حيث أكدت أنها غير مكترثة بتصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس بخصوص نيته عدم الترشح للانتخابات الرئاسية التي دعا إليها مطلع 2010. وأوضحت أن هذه التصريحات لا تعدو كونها رسالة عتب من عباس لأصدقائه الأمريكيين والصهاينة. وقال سامي ابو زهري الناطق باسم الحركة : "الأولى به العودة إلى الشعب الفلسطيني ومصارحته بعدم جدوى خيار التسوية وإعادة الاعتبار لمشروع المقاومة ووقف الاعتقالات السياسية". وحتى يتم حفظ خط الرجعة لعباس ليتمكن من العودة في قراره قالت اللجنة المركزية لحركة (فتح): إنها تتمسك بالرئيس الفلسطيني محمود عباس كمرشح وحيد لها في انتخابات الرئاسة المقبلة, مشيرة إلى أن عباس "هو القادر على العبور بشعبنا في هذه المرحلة بثوابتنا الوطنية لاستكمال مشروعنا الوطني بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس", على حد قولها. كما قال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه: إن فصائل المنظمة أكدت عدم رضاها عن توجه الرئيس الفلسطيني لعدم الترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة. وشدد عبد ربه على أن المنظمة تجدد ثقتها في عباس. وما يجري الآن وما سيجري خلال الأيام القادمة داخل حركة فتح وبعض الأنظمة التي تراهن على خطها السياسي لن يعدو أن يكون مزيدا من الحبكة الدرامية للمسرحية الهزلية التي شربها الشعب العربي من قبل..وما أضعف ذاكرة الشعوب.
الموقف العربي والعالمي:
أما على صعيد المواقف العربية والعالمية فقد ذكر بيان "للرئاسة الفلسطينية", أن عباس تلقي اتصالا هاتفيا من الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى عبر فيه عن دعمه لعباس وطالبه بالعدول عن قراره بعدم رغبته بترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية المقبلة.
كما تلقى عباس اتصالا هاتفيا من المنسق الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا. وبحث عباس مع سولانا آخر التطورات على الصعيد الفلسطيني. أما الموقف الأمريكي من عباس، فعبر عنه المتحدث باسم البيت الأبيض الأمريكي روبرت غيبس الذي قال: إن واشنطن تتطلع إلى مواصلة العمل مع الرئيس الفلسطيني.كما قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون: إنها تتطلع للعمل مع الرئيس الفلسطيني "بأي صفة جديدة". وأضافت أنه "أكد التزامه الشخصي بعمل ما بوسعه لتحقيق حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأتطلع للعمل مع الرئيس عباس بأي صفة جديدة".
خلافة عباس:
وبما أنه ليس من المستبعد أن يسير عباس في موقفه للنهاية إذا شعر بتخلي الداخل والخارج عنه وتأكد تماما من غرق السفينة فمن المناسب أن نستعرض الاحتمالات المطروحة لخلافة عباس ونسوق هنا ما ذكرته صحيفة الجارديان البريطانية,التي قالت في تعقيبها على قرار عباس:"قد لا تكون تلك الشخصية(المرشحة لخلافة عباس) من حركة فتح من شاكلة رئيس الوزراء سلام فياض, وربما يكون منها مثل محمد دحلان أو جبريل الرجوب. لكن كل ذلك أمر بعيد الاحتمال". وأضافت الصحيفة  "إن غياب عباس من الساحة سيفسح الطريق على الأرجح لـمروان البرغوثي لخوض الانتخابات, "فهو زعيم محبوب وأكثر قبولا لدى الشارع الفلسطيني".وأشارت الصحيفة إلى أن البرغوثي سيضيّق الشقة بين القيادة في الضفة الغربية وحركة حماس في غزة ذلك أنه يرى في مقاومة الاحتلال حقاً مشروعاً.وتابعت الصحيفة: إن الانتخابات المقرر إجراؤها في يناير ربما تؤجل لغاية يونيو على أمل تحقيق المصالحة مع حماس", وتوقعت أن يبقى عباس في منصبه إلى فترة أطول خلال العام القادم حتى ولو كان صادقاً في تهديده بترك المنصب.





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق