
مفكرة الاسلام: النفط وقود مستنضب، أي أنه غير متجدد وعبارة عن مخزون في باطن الأرض، نسحب منه ليتحول إلى وقود ومشتقات أخرى يخدم سكان العالم بأكمله والبالغ عددهم أكثر من ستة مليارات نسمة. والسؤال الذي يجب أن تسأله دول الخليج لنفسها: ماذا بعد نضوب النفط؟
وقد يبدو أن هذا السؤال بعيدًا ولا يجب التفكير فيه الآن؛ حيث إن المخزون الاحتياطي النفطي لدول الخليج يكفيهم لعشرات السنوات القادمة، وأننا لم نصل بعد إلى مرحلة النضوب، ولكن هناك العديد من التهديدات الأخرى التي يجب أن يلتفت إليها صناع القرار في الخليج العربي.
وإذا كان هذا السؤال لا يزال بعيدًا بالنسبة للدول العربية، فإن هذا السؤال مطروح وبقوة الآن على طاولة صناع القرار في العالم الغربي، بعد أن بات الحصول على النفط في عالم اليوم مكلفًا للغاية، من الناحيتين العسكرية والسياسية.
فالولايات المتحدة ترى أن النفط اليوم يأتي من مناطق مضطربة مثل الشرق الأوسط، والصراع على منابع النفط في المستقبل سوف يبلغ ذروته مع بدء العد العكسي لنضوب المخزون النفطي حول العالم، كما أن النفط يأتي من بلدان معارضة لسياسية الولايات المتحدة، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، وتصديرهم للنفط يعطي شرعية لتلك الأنظمة ويزيد في أعمار حكوماتهم، بل وتعلو أصواتهم مثل حالتي فنزويلا وإيران، ويكتسبون المزيد من الدعم السياسي الدولي والنفوذ في مناطقهم بسبب تلك الفورة النفطية وارتفاع الأسعار، وفي الحالة الإيرانية يسمح للدولة الفارسية بنشر مبادئ الثورة في البلدان المحيطة ـ والتي معظمها نفطية ـ مما قد يؤثر على تدفق النفط في المستقبل القريب.
لذا فإن خطة الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة باراك أوباما هو تقليل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، مقابل الحصول عليه من مناطق أخرى أقل توترًا وأرخص سعرًا؛ مثل القارة الإفريقية والتي بها مخزونات نفطية هائلة، كما أنها أرض بكر لا صراعات فيها بالإضافة إلى أن حكوماتها سهلة الانقياد، فمبجرد التلويح لهم بالدولارات سوف يفتحون أبوابهم إلى شركات التنقيب الغربية، وتبدأ المضخات في العمل.
كما بدأت منافسة عالمية محمومة للتنقيب عن النفط في القطب الشمالي بين كل من روسيا والولايات المتحدة وكندا والدانمارك والنرويج، ويقول سيرج أندرلان مؤلف كتاب "بدأت مرحلة ما بعد البترول" الذي صدر هذا الشهر أن تلك المنافسة تكاد تصل إلى حدود «حرب أهلية جديدة»، كما جذبت تلك المنطقة اهتمام الكنديين الذين اعتبروا أن تلك البقعة تمثّل "جزءا لا يتجزأ من الأراضي الوطنية" وقامت السلطات في السنوات الأخيرة بعدّة إجراءات ترمي إلى تعزيز وجودها فيها، بما في ذلك بناء مراكز للمراقبة وسفن لتكثيف الدوريات. ورأت الدانمارك أن منطقة «جرينلاند» المتجمدة تشكل امتدادا للأراضي الوطنية «تحت البحر». وتسعى الولايات المتحدة بكل جهودها لتثبيت وجودها في منطقة القطب الشمالي عبر الحصول على قواعد.
أما المارد الصيني الذي يعد من أكبر الدول المستهلكة للنفط في العالم فقد عقد اتفاقًا مع روسيا من أجل إمداده بالنفط في السنوات القادمة بعقد يخول للصين الحصول على النفط بسعر عشرين دولارًا للبرميل مقابل قيامها بإنشاء أنبوب للنفط يمر من روسيا إلى الصين، والذي يمكن أن يتم تفريعه إلى اليابان في المستقبل القريب، للحصول على النفط الروسي بأرخص الأسعار، وهو ما سيشكل نقلة في السوق النفطية بالنسبة للشرق الأوسط، كما أنشأت الصين مجموعتها البترولية العملاقة "بتروشاينا" للدخول بقوة في السوق النفطية.
كما أصبحت كندا أحد البلدان الكبرى المنتجة للبترول، وذلك بعد اكتشاف حقول هائلة منه في منطقة ألبيرتا، وبالطبع أثار ذلك اهتمامًا كبيرًا للمجموعات البترولية الأمريكية الكبرى، فهو مصدر طاقة قريب تنخفض تكلفة نقله، بل الأهم من هذا أنه مصدر "صديق" بحيث تقل مخاطر استثماره كثيرا عمّا هو الحال في مناطق تعاني من قلاقل ومشكلات في الوصول إلى مصادر الطاقة.
الثورة الخضراء:
تهدف إدارة أوباما إلى الاعتماد على الأنماط الأخرى من الطاقة الخضراء غير الملوثة للبيئة، بعد أن أثيرت قضية الاحترار العالمي وأصبحت على أجندة الولايات المتحدة والتي طالما كانت ترفض النظر إلى القضايا البيئية أو حتى التوقيع على اتفاقية "كيوتو" للمناخ، ولكن اليوم وبعد صدور تقارير بأن اليابسة بدأت في التقلص في مناطق كثيرة حول العالم بسبب الاحترار وذوبان الجليد وارتفاع منسوب المياه، أجبرت الولايات المتحدة على التحرك في ذلك المجال، بل ونشط الكثير من كبار الكتاب الأمريكيين، أمثال توماس فريدمان كاتب النيويورك تايمز، في المجالات البيئية، بالإضافة إلى كبار السياسيين مثل نائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل جور الذي ينشط في المجالات البيئية، وذلك بعد أن أشارت التقارير إلى أن دولاً بأكملها على وشك الغرق في المحيط الهادي مثل جزر المالديف التي ربما تختفي عن الوجود في غضون بضعة عقود.
وقد بزغ تهديد جديد للمخزون النفطي العربي، وهو ما يسمى بـ "الثورة الخضراء"، والذي يتمثل في تصنيع الإيثانول من نبات الذرة في الولايات المتحدة، بينما في البرازيل يحصلون عليه من قصب السكّر وفي كولومبيا وإندونيسيا من نخيل الزيوت، ويتوقع أن يحل الإيثانول محل البنزين كوقود للسيارات، بالرغم من أن كميات الإنتاج لا تزال متواضعة، إلا أنه يشكل خيارًا مهمًا في ظل ظاهرة الاحترار العالمي، التي قد تجبر الجميع على التحول إلى الطاقة الخضراء.
أما الطاقة النووية فتمثل بديلاً قويًا للوقود الأحفوري في لتوليد الطاقة وبخاصة الكهرباء في العالم، ومن المقرر أن تقوم بريطانيا ببناء 20 مفاعلاً نوويًا جديدة لتوليد الطاقة، وبحلول عام 2020 يتوقع أن يكون هناك ما يقرب من مائتي مفاعل نووي جديد في الدول حول العالم.
ماذا نحن فاعلون؟
إننا كأمة نواجه أزمة حقيقية اليوم في ظل العالم المفتوح اقتصاديًا وتجاريًا وإعلاميًا، ولا توجد لدينا أية صناعات رائدة سوى الصناعات القائمة على النفط ومشتقاته، في حين أن دولة مثل فنلندا على سبيل المثال وهي دولة صغيرة الحجم قليلة من حيث عدد السكان ودولة جليدية، استطاعت أن تبرز إحدى شركاتها في مجال الهواتف النقالة، وهي شركة نوكيا، وتمكنت من إحراز أرباح عالمية بلغت 70 مليار دولار سنويًا، وهو ما يمثل ميزانة دولة أو أكثر من دولنا العربية، وهي نموذج يمكن أن يحتذى شريطة أن تتوفر عوامل نجاحه.
فعوامل النجاح تتمثل في الفكرة والبيئة والعمالة المدربة، فالفكرة يمكن أن تكون بسيطة مثل صناعة هاتف جوال، ولدينا الكثير من العلماء العباقرة الذين يعملون للأسف خارج المنطقة العربية، ولديهم العديد من الأفكار والمشروعات العملاقة، مثل مشروع د. فاروق الباز العالم المصري بالولايات المتحدة الذي اقترح على مصر إنشاء مشروع للاستفادة من صحراء مصر الغربية، ولكنه للأسف لا يزال حبيس الأدراج، في انتظار تغير العامل الثاني من عوامل النجاح، ألا وهو البيئة التي تسمح للإبداع والابتكار وبجودة التعليم والتدريب، وهو ما يؤدي إلى العامل الثالث وهو العمالة المدربة.
إن لمنطقتنا العربية الكثير من عوامل النجاح والتفوق بل والمنافسة في السوق العالمية المفتوحة، وبقدر من التواصل وبقليل من التعاون نستطيع أن ننجز الكثير، ففكرة مثل السوق العربية المشتركة أو الاتحاد الجمركي العربي أو العملة الخليجية الموحدة نستطيع أن نضع اللبنة الأولى من لبنات التعاون والاقتصادي، والاقتصاد دائمًا هو الذي يقود قاطرة البناء وليس السياسة، وهو الذي يقود قاطرة التوحد والاندماج بناء على المصلحة المتبادلة، ولنا في تجربة الاتحاد الأوروبي خير مثال، ذلك الكيان الذي يظهر اليوم عملاقًا كبيرًا وأصبحت عملته عملة رائدة يمكن أن تهدد عرش الدولار في المستقبل القريب.
إن الاعتماد على النفط وحده يعد خيانة للأجيال القادمة من أمتنا العربية، الذين سيتعرضون إلى العديد من المخاطر بسبب التنافس العسكري على المصادر النفطية التي تقل يومًا بعد يوم، في حين لن يكون لديهم بدائل اقتصادية أو تنمية بديلة، مما يجعل مستقبل منطقة الخليج على وجه الخصوص في مهب الريح.
موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"