عـصــام زيــدان
Essam_zedan30@hotmail.com
تضاربت ردود الأفعال حيال تشكيل الحكومة اللبنانية بعد عدة أشهر من تكليف زعيم الأغلبية البرلمانية سعد الحريري بتشكيلها عقب فوزه فريقه 14 آذار بالانتخابات البرلمانية..
ثمة من يرى أن تشكيل هذه الحكومة نهاية لظلمة الليل السياسي اللبناني الحالك, وبداية تباشير فجر يوم جديد, وفريق آخر لم يرى فيها إلا ومضة في ظلام لم يأذن لفجره أن يلوح.
بداية يمكن القول أن لبنان اعتاد على الأزمات السياسية, وتعايش مع أحزانها الحكومية والبرلمانية بل والرئاسية كذلك..
فقليلة هي الفترة التي تنعم فيه بيروت بحكومة فاعلة, حتى وإن تشكلت رسميا, فهي تولد في "مبرد سياسي", ولا يُسمح لها بملامسة حرارة الجو السياسي اللبناني إلا لتنصهر أطرافها وتتبدد معالمها..
والحال كذلك في ظل برلمان دخل منذ أمد بعيد في "سرداب التعطيل" ولا يخرج منه إلى ليعود إليه مجددا, وما عاد اختباءه في الكهف أو إطلالته تعنى شيئا كبيرا في ساحة السياسية اللبنانية..
ومؤسسة الرئاسة ليست بحال أفضل من شقيقتيها, الحكومة والبرلمان, فهي أيضا تصعب ولادتها إلا بعملية قيصرية بائسة لا تتمخض إلا معوق لا يمكنه الحراك إلا بما يقدر بالمليمترات في سوق السياسة اللبنانية..
عنوان المؤسسات الثلاثة لا يرواح إذن التعطيل, هو الأمر الذي اعتاده رجل الشارع اللبناني الذي ما عاد يفرح بوجود مؤسسة من هذه المؤسسات أو اختفائها, لان الأمر عنده في الحالتين سيان..وهو الأمر الذي انتقلت عدواه إلى الخارج اللبناني الذي اعتاد رؤية لافتة التعطيل كلما طرق الأبواب البيروتية.
في ظل هذا الجو وتلك المشاعر ولدت الحكومة اللبنانية بعد أكثر من أربعة اشهر من المفاوضات الشاقة التي قادها سعد الحريري مع أطراف الأقلية, وبعدما أعلنت الأقلية النيابية التي أبرز أركانها حزب الله موافقتها على الصيغة المعروضة عليها, والتي تلخصت في حصول الأكثرية علي15 وزيرا, والأقلية علي عشرة وزراء, ورئيس الجمهورية على خمسة وزراء,وإرضاء الجنرال ميشال عون بوزارة الاتصالات.
والحقيقة التي لا جدال فيها أن رؤية هذه الحكومة للنور لا يعود إلى توافق مفاجئ بين الأكثرية وقوى المعارضة, وإنما يعود في حقيقته إلى توافقات إقليمية ودولية متعددة الأطراف أذابت إلى حين كرات الثلج التي تراكمت على طريق تشكيل هذه الوزارة وسهل مرورها إلى مؤسسة البرلمان لمحاولة كسب الثقة وعرض بيانها الأول..والذي قد يكون الأخير أيضا..
فتشكيل الحكومة اللبنانية جاء كأحد افرازات القمة التي عُقدت في دمشق أوائل الشهر الماضي بين الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز وبين الرئيس السوري بشار الأسد، وتم خلالها الاتفاق على إعادة توزيع الحصص والأنصبة.
كما أن تشكيل الحكومة اللبنانية جاء متوافقا مع رغبة الرئيس السوري بأن تتم ولادتها قبل قمته مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، التي عقدت قبل أيام, لأنه يعرف أن هذا الأخير سيستخدم تعطيل الحكومة ورقة مساومة وضغط ضده, فاستبق الذكاء السوري المعهود هذه القمة بهذا التسهيل, الذي يعرف الجميع أنه يعنى فقط "صفرا كبيرا" على الساحة اللبنانية.
مجمل القول أن قابلية الوزارة الجديدة واستمرارها مرهون بمزاج المتصالحين خارجيا،لا المتوافقين داخليا, وفي حال حدوث أي خلل خارجي، فقد يحدث ما يقلب هوية الأوضاع رأسا على عقب.
فعدم استقلالية المشهد اللبناني في تشكيل حكومته وارتهانها بالوضع الإقليمي والدولي لا يجعل التفاؤل السياسي يتسرب إلى النفس بإمكانية أن تغير ولادة هذه الحكومة شيئا أو كونها تعنى شيئا بين الفرقاء اللبنانيين أنفسهم.
فقوى 14 آذار, أو 8 آذار, ما زالت تحت قبضة قوى أكبر منها خارجية, إقليمية ودولية, تحركها كما تشاء, وهو ما يعنى أن هذا الحالة التوافقية الزائفة التي نراها قد تنقلب في أي لحظة إلى انفجارات سياسية مروعة حالما يرى "الخارجيون" مصلحة لهم في ذلك, وهذا ما يجعل لبنان أشبه بقنبلة موقوتة تنتظر دوما من يقرر تفجيرها.
والمشكل أن "الخارج" بجميع أطيافه لم يصل بعد إلى مرحلة التوافق الذي يُؤمنْ حياة سياسية لبنانية قريبة من الاستقرار, ولا نقول الاستقلال الذي هو بعيد المنال, والأطياف الداخلية لم تستطع أن تخلص يدها من الخيوط التي تحركها وتستخدمها, وأصبحت مسيرة سياسيا, حتى وإن كان في مسيرها حتفها.
والمشكل الأكبر أن المحاصصات والفروقات المذهبية الداخلية والتي تستولد الخلافات السياسية هي من تسمح للخارجيين بهذا التدخل والذي تتولد منه الاضطرابات والفوضى, أي أننا أمام دائرة نارية تحيط بالسياسية اللبنانية, فالخلافات المذهبية تولد منابر سياسية متنازعة تركن إلى قوى خارجية تستغل هذه المنابر لتحقيق مصالحها, وترى هذه القوى الداخلية في مصلحتها استمرار تغذيتها على الرافد الخارجي والتضحية باستقرار البلد, وهو عين ما تريده غالب هذه القوى الخارجية.
وفي البال, ونحن نتحدث كذلك عن مستقبل الحكومة اللبنانية, القادم من استحقاقات، شأن البيان الوزاري وانطلاقة العمل الحكومي،ثم، عند تجاوز عقبة البيان، ستبرز المشاحنات المعهودة والمتوقعة بين الوزراء المعارضين ورئيسهم, وهو ما يدعونا إلى القول بانصدور مراسيم التشكيل من بعبدا والتقاط الصورة التذكارية للحكومة الجديدة على درج القصر الجمهوري، ليس نهاية المطاف لمشكلة لبنان, بل هي أقرب إلى بداية جديدة لدائرة المشاكل.
وقد يبدو المرء مثاليا إن حاول أن يقنع نفسه أن اللحظة التوافقية الخارجية والتي أتاحت تشكيل الحكومة اللبنانية، وانصياع الأطراف المحلية لها، بالقوة التي تبرر الظن بقدرتها على الخروج من الأزمة المستعصية التي تعصف بلبنان.
وأخيرا نقول أن السياسة في لبنان تعتبر عنصر هادم لا استقرار, ولا يمكن لبيروت التحول من هذا الوضع إلا بالاستقلال التام عن الخارج ورغباته المتنازعة, والابتعاد عن ساحات التماس والتصادم مع الجوار, وتشكيل نظام سياسي توافقي قائم على الدمج لا الإقصاء يراعى الأبعاد العرقية والمذهبية ويدمجها في إطار دولة حديثة تعلي من شان المؤسسات وأن خالفت المذهبيات.