إذا وجدت إعلانا مخالفا فضلا إضغط هنا                               الاحد 20-ربيع الأول-1433

العقارب الإيرانية والمظلة النووية
الخميس 24 ديسمبر 2009

محمد الزواوي
تفاقمت في الآونة الأخيرة معضلة البرنامج النووي الإيراني، بعد أن كشف الإيرانيون عن معمل تخصيب اليورانيوم في قم، وهو ما اعتبره المراقبون أنه "الحلقة المفقودة" في البرنامج النووي الإيراني؛ ذلك البرنامج الذي يشوبه الغموض بسبب ضبابية النوايا الإيرانية،ما بين ممارسة حقها في الحصول على التقنية النووية لتوليد الطاقة، وما بين مخاوف جميع دول الجوار ـ ودول مجلس التعاون الخليجي بالأخص ـ من أن يكون هذا البرنامج له صبغة عسكرية سوف يكون بمثابة المسدس المصوب إلى رأس المنطقة في المستقبل القريب لتنفيذ الإملاءات الإيرانية ولتحقيق طموحات الدولة الفارسية في نشر مذهبها الشيعي.

وقد يقول قائل: ولماذا شعر العرب بالمشكلة الآن والنووي "الإسرائيلي" مصوب إلى الرؤوس منذ الستينيات؟ والإجابة على ذلك أن النووي "الإسرائيلي" قد غير بالفعل موازين القوى في المنطقة لصالح الكيان الصهيوني، والآن النووي الإيراني يأتي ليغير موازين القوى من جديد في منطقة الخليج، خاصة مع دولة لها أطماع توسعية جغرافيًا وثقافيًا ودينيًا في المنطقة؛ في حين أن الكيان الصهيوي يستخدم هذا السلاح للردع الدفاعي فقط، أما إيران فسوف تستخدم هذا السلاح إن امتلكته للردع الهجومي، ليس شرطًا للهجوم من الناحية الجغرافية، ولكن للهجوم من الناحية الثقافية والدينية والمذهبية في منطقة الخليج.

إن ما يحدث في منطقتنا العربية لهو أمر جلل ولكن يبدو أن الجميع لا يبالي! فالوقت يمر دون جديد في المسألة النووية الإيرانية، والوقت ليس في صالح شعوب المنطقة، ويبدو أن الغرب سيتعلم التعايش مع النووي الإيراني، فهل ستقبل الدول العربية التعايش مع هذا السلاح المصوب إلى الرؤوس؟؟
فقد كشفت إيران في سبتمبر الماضي ـ بعد أن افتضح أمرها ـ عن منشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم بالقرب من مدينة "قم"، وقال تقرير لجريدة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية أن هذا الموقع يعد الحلقة المفقودة في اللغز النووي الإيراني؛ ذلك لأن محللي الاستخبارات الغربية وخبراء من خارج الحكومة يشتبهون منذ فترة طويلة في أنه إذا كانت إيران تريد انتاج المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي، فإنه سيتعين عليها أن تفعل ذلك في منشأة مخبأة، وذلك لأن المواقع النووية الإيرانية المعروفة تراقب عن كثب للتأكد من منتجاتها.
ولننتقل الآن إلى الشعوب العربية وكيف يرى سكان دول مجلس التعاون الخليجي هذا الخطر الإيراني المحدق؟ وكيف يتم التعامل معه؟ فقد أجرت مؤسسة "بيختر" لاستطلاعات الرأي في الشرق الأوسط استطلاعًا للرأي بين السعوديين على عينة مقدارها ألف شخص في المدن السعودية الرئيسية، في الرياض وجدة والدمام والخبر، ووُجه السؤال التالي للمشاركين: "إذا لم تقبل إيران بالقيود الجديدة على برنامجها النووي، هل توافق أو لا توافق على فرض عقوبات أكثر صرامة ضد إيران في نهاية هذا العام؟" وجاءت النتيجة شبه إجماع من المجتمع السعودي على فرض عقوبات أكثر صرامة؛ حيث أيد ذلك 79% من المجتمع السعودي، بنسبة 57% يؤيد و22% يؤيد بشدة، وجاءت تلك النتيجة متوافقة إلى حد بعيد مع النتائج التي خلص إليها استطلاع للرأي بين مواطني دول "مجلس التعاون الخليجي" في برنامج مناظرات الدوحة الذي أُجري على الإنترنت.
وتُظهر النتائج مستوى عال جداً من القلق بشأن البرنامج النووي الإيراني، حيث يعتقد 83 بالمائة من المشاركين في الإستطلاع أن طهران تخطط لبناء أسلحة نووية رغم مزاعمها حول نواياها السلمية، في حين يعتقد ما يزيد عن النصف بقليل (53 بالمائة) أن إيران سوف تستخدم فعلياً الأسلحة النووية. ومن بين هذه المجموعة الأخيرة، ثلاثة أخماس يؤمنون بأن الهدف سيكون المملكة العربية السعودية أو أي من دول "مجلس التعاون الخليجي" الأخرى، في حين يعتقد خمسهم فقط بأن الدولة المستهدفة ستكون "إسرائيل".
وهذه الاستطلاعات دالة للغاية؛ فهي تؤكد وجهة النظر الرسمية للعديد من الدول العربية التي تخشى من النووي الإيراني، والتي تعتقد أن هذا السلاح سيمثل تهديدًا مباشرًا لدول الخليج، كما يعكس هذا الاستطلاع قلق الشارع الخليجي من السلاح النووي الإيراني باعتباره سلاحًا فارسيًا شيعيًا وليس إسلاميًا على الإطلاق، وأن وجهته الأولى ستكون إلى الخليج العربي وليس إلى الكيان الصهيوني، خاصة أن لإيران برنامجًا صاروخيًا يفوق مداه الألف كيلومتر.
إن هذه الاستطلاعات الشعبية تنقلنا إلى مرحلة جديدة من الصراع حول النووي الإيراني في المنطقة، وهو أنها تعطي مصداقية وشرعية لأية تحركات حكومية في منطقة الخليج من أجل إحداث توازن في القوى في المنطقة، وللسعي الدؤوب للحصول على التقنية النووية بأي ثمن؛ فالنووي الإيراني في هذه الحالة يمكن أن يكون محنة ومنحة في الوقت ذاته؛ فالظرف الدولي والإقليمي الآن يعطيان الضوء الأخضر لتلك الدول بأن تسعى إلى إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل ـ بما في ذلك الكيان الصهيوني ـ أو تسى لامتلاك التقنية النووية من أجل إحداث "توازن الرعب" في المنطقة، مثلما هو الحال في جنوب آسيا بين الهند وباكستان، حيث يرى الكثير من المراقبين أن النووي الباكستاني قد جعل الحرب بين البلدين أبعد ما تكون، حيث خلق نوعًا من توازن القوى في المنطقة لم يكن ليحدث لولا النووي الباكستاني.
إن الدولة الفارسية تستغل بصورة جيدة ما يحدث في المنطقة من قلاقل ومن غرق الولايات المتحدة في مستنقعي أفغانستان والعراق لتمرير أجندتها النووية من أجل الهيمنة على المنطقة بكاملها، كما أنها مستمرة في سياسة كسب الوقت والتسويف حتى تصل إلى مبتغاها النهائي، وهو حصولها على السلاح النووي من أجل فرض هيمنتها على منطقة الخليج وليس لتهديد الكيان الصهيوني بحال من الأحوال.
إن توازن الرعب سيتحقق بين إيران و"إسرائيل" إذا امتلكت طهران السلاح النووي، ولكن التهديد المباشر سيكون على منطقة الخليج التي سوف تتحرك فيها الدعوة الفارسية الشيعية تحت غطاء من السلاح النووي وما يمثله من ردع ومن هزيمة نفسية وحضارية لدول الخليج، وتفوق نوعي ومعنوي للدولة الفارسية، وإذا كانت الولايات المتحدة اليوم لا تستطيع اتخاذ خطوات عملية وانتقامية ضد البرنامج النووي الإيراني، فإنها سوف تنتقل إلى مرحلة التعايش مع السلاح النووي الإيراني إذا ما امتلكته الدولة الفارسية، وستفرض إيران حالة الأمر الواقع على الجميع، وهذا التعايش سوف يدخل المنطقة إلى حقبة جديدة من توازنات القوى ستجد فيه الولايات المتحدة أن مصلحتها مع إيران، وربما نشهد حقبة مختلفة تمامًا من التعاون الأمريكي الإيراني لرعاية مصالح الطرفين في المنطقة على حساب المنطقة العربية.
فالانسحاب الأمريكي الوشيك ـ بعد عام أو عامين ـ من العراق وأفغانستان سوف يخلف وراءه فراغًا استراتيجيًا هائلاً سيسحب إليه بطبيعة الأحوال الدولة الأقوى في المنطقة، والولايات المتحدة ماهرة في عقد التحالفات وفي تغيير بوصلتها وفي والتخلي عن حلفائها، والتاريخ يذخر بأمثلة على ذلك تفوق الحصر، (تخليها عن الأكراد والشيعة إبان صدام بعد حرب تحرير الكويت، وتخليها عن باكستان وانحيازها إلى الهند بعد أن فرغت من طرد السوفيت من أفغانستان، وتخليها عن المنشقين الكوبيين في خليج الخنازير، وتخليها عن جورجيا بعد غزو روسيا لها مؤخرًا.. والقائمة تطول).
إن الساعة تدق، والعد التنازلي يقترب، وإيران تستثمر في الوقت، وأمريكا تبحث عن مصالحها في المنطقة، أما العرب في الخليج فقد حصروا في خندق وظهرهم إلى الحائط، وقد يكون النووي الإيراني فرصة مواتية للضغط من أجل جعل المنطقة خالية من جميع أسلحة الدمار الشامل وتسليط الضوء على النووي "الإسرائيلي"، والتهديد ببدء البرامج النووية العربية ردًا على ذلك، أما إذا لم يتم تفكيك البرنامج النووي الإيراني أو التأكد من عدم نواياه العسكرية في غضون أشهر معدودة، فربما يستيقظ العرب على أول تجربة نووية إيرانية، وحينئذ لن تعود عقارب الساعة أبدًا إلى الوراء، ولكن ستمضي (العقارب) إلى الأمام، مؤذنة بدخول المنطقة العربية إلى حقبة جديدة مرعبة.





موقع "مفكرة الإسلام" غير مسئول عن التصريحات المسيئة أو التي تحض على الكراهية والعنف والتحريض ضد الآخرين أو استخدام عبارات استفزازية او غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسئولة تقع على "مفكرة الإسلام"

التعليق